فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 860

(باب) بالتنوين يجوز فيه وجهان؛ الإضافة إلى الجملة بعده، وتكون (إذا) ظرفية محضة والتقدير: (باب حين عدم كون الإسلام ... إلى آخره) ، وأن ينقطع عن الإضافة، وتكون (إذا) متضمنة معنى الشرط، والجزاء محذوف، والتقدير: باب (إذا لم يكن) ؛ أي: إن لم يكن (الإسلام على الحقيقة) الشرعية (وكان على الاستسلام) ؛ أي: الانقياد الظاهر فقط والدخول في السلام، (أو) كان على (الخوف من القتل) لا ينتفع به ولا ينجيه في الآخرة، وعلى كلٍّ: فارتفاع (باب) على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا باب إلى آخره، (لقوله تعالى) وفي رواية: (عز وجل) : ( {قَالَتِ الأَعْرَابُ} ) ؛ بفتح الهمزة: أهل البدو، ولا واحد له من لفظه، وسمِّيت العرب؛ لأنَّه نشأ أولاد إسماعيل عليه السلام بعربة؛ وهي من تهامة، فنسبوا إلى بلدهم، ومقول قولهم: ( {آمَنَّا} ) نزلت في نفر من أسد بن خزيمة قدموا المدينة في سنة جدبة، وأظهروا الشهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله عليه السلام: أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، يريدون الصدقة ويمنون، فقال الله لرسوله: ( {قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا} ) ؛ لأنَّ الإيمان تصديق مع طمأنينة قلب ( {وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} ) ؛ لأنَّ الإسلام انقياد ودخول في السلم والخروج عن أن يكون حربًا للمؤمنين بإظهار الشهادتين، ألا ترى إلى قوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] ؟ فإنَّ كل ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب؛ فهو إسلام، وما واطأ القلب فيه اللسان؛ فهو إيمان.

والمعنى: لا تقولوا: آمنا، ولكن قولوا: أسلمنا؛ لأنَّكم لم تؤمنوا، وفيه حجة على الكرَّامية المرجئة في قولهم: الإيمان إقرار باللسان فقط ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ} [المجادلة: 22] ، ولم يقل: كتب في ألسنتهم؛ وكذا الإجماع على كفر المنافقين مع كونهم أظهروا الشهادتين.

(فإذا كان) الإسلام (على الحقيقة) الشرعية المرادف للإيمان النافع عند الله؛ (فهو على قوله جل ذكره: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ} ) [آل عمران: 19] ؛ أي: لا دين مرضي عنده سواه، وفتح الكِسائي همزة {إن} على أنه بدل من {أنه} بدل كل من كل؛ إِنْ فُسِّر الإسلام بالإيمان، وبدل اشتمال؛ إِنْ فُسِّر بالشريعة، واستدل المؤلف بهذا على أن الإسلام الحقيقي هو الدين، وعلى أن الإسلام والإيمان مترادفان، وهو قول جماعة من المحدثين، وجمهور المتكلمين، والمعتزلة، واستدلوا بقوله: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤْمِنِينَ*فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35 - 36] ، والأصل في الاستثناء: كون المستثنى من جنس المستثنى منه، فيكون الإسلام هو الإيمان.

واعتُرض بقوله تعالى: {قلْ لم تؤْمُنوا ولكِنْ قُولوا أَسْلَمنا} ، وأجيب: بأنَّ الإسلام المعتبر في الشرع لا يوجد بدون الإيمان، وهو في الآية؛ بمعنى الانقياد في الظاهر دون الباطن، وبالجملة: لا يصح في الشرع أن يحكم على أنه مؤمن وليس بمسلم، أو مسلم وليس بمؤمن، ولا نعني بوحدتهما سوى هذا.

وظاهر كلام أئمتنا: أنهم أرادوا عدم تغايرهما؛ بمعنى: أنه لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا الاتحاد بحسب المفهوم لما ذكر في «الكفاية شرح الهداية» من أن الإيمان: هو تصديق الله فيما أخبر به من أوامره ونواهيه، والإسلام: هو الانقياد والخضوع لألوهيته، وذلك لا يتحقق إلَّا بقبول الأمر والنهي، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا فلا يتغايران، ومن أثبت التغاير؛ يقال له: ما حُكم من آمن ولم يسلم أو أسلم ولم يؤمن؟ فإن أثبت لأحدهما حكمًا ليس بثابت للآخر؛ والأظهر بطلان قوله، وقدمنا ما يتعلق بهذا؛ فافهم.

واستُدِلَّ أيضًا بقوله تعالى: ( {وَمَن يَبْتَغِ} ) ؛ أي: من يطلب ( {غَيْرَ الإِسْلامِ} ) ؛ أي: غير التوحيد والانقياد لله تعالى ( {دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} ) [آل عمران: 85] جواب الشرط، فلو كان الإيمان غير الإسلام؛ لم يقبل قط، فتعيَّن أن يكون عينه؛ لأنَّ الإيمان هو الدين، والدين هو الإسلام لقوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ} ، فينتج أن الإيمان هو الإسلام، وسقط في رواية قوله: ( {وَمَن يَبْتَغِ} ... إلى آخره) .

[ص 20]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت