[حديث: مه، عليكم بما تطيقون فوالله لا يملُّ الله حتى تملوا]
43# وبه قال: ( [حدثنا] محمد بن المثنَّى) ؛ بالمثلثة والنون المفتوحة المشددة: أبو موسى البصري المعروف بالزَّمِن؛ مرَّ، (قال: حدثنا يحيى) ؛ هو ابن سعيد القطان الأحول؛ كما مرَّ، (عن هشام) هو ابن عروة (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير بن العوَّام؛ وقد مرَّ، (عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها: (أنَّ النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم دخل عليها) : جملة محلها الرفع خبر (أنَّ) ، (و) الحال (عندها امرأة، فقال) بالفاء وفي رواية: بحذفها، فيكون جملة اسمية استئنافية؛ أعني: جواب سؤال مقدر، كأنه يقول: ماذا قال حين دخل؟ قالت: قال: (مَن هذه؟) مبتدأ وخبر؛ أي: المرأة (قالت) أي: عائشة: هي (فلانةُ) خبر لمبتدأ محذوف، غير منصرف للعلمية والتأنيث؛ لأنَّه كناية عن كل علم مؤنث [1] ؛ وهي الحولاء _بالحاء المهملة والمد_ بنت تويت؛ بمثناتين مصغرًا، من بني أسد، وكانت صالحة عابدة مهاجرة رضي الله عنها.
(تَذكر) ؛ بفتح المثناة الفوقية؛ أي: عائشة، وفي رواية: بالمثناة التحتية المضمومة، مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله، وقوله: (من صلاتها) في محل رفع مفعول نائب عن الفاعل، والمعنى: يذكرون أن صلاتها كثيرة، وفي رواية زيادة: (لا تنام بالليل) ، وعلى الأول: هي محلها النصب على المفعولية، ولعل عائشة أَمِنت عليها الفتنة فمدحتها في وجهها، لكن في «مسند الحسن بن سفيان» : كانت عندي امرأة، فلما قامت؛ قال عليه السلام: «من هذه يا عائشة؟» قالت: يا رسول الله؛ هذه فلانة، وهي أعبد أهل المدينة، فظاهر هذه الرواية أنَّ مدحها كان في غيبتها بعد أن خرجت
[ص 25]
المرأة.
(قال) عليه السلام: (مَهْ) ؛ بفتح الميم وسكون الهاء؛ اسم للزجر؛ بمعنى: (اكفف) ، فإنْ وصلتَ [2] ؛ نَوَّنتَه كان نكرة، وإذا حُذف؛ كان معرفة.
فنهاها عليه السلام عن مدح المرأة بما ذكرته أو عن تكلف عمل ما لا يطاق.
وعند مالك: وفيه: (فقيل له: هذه الحولاء لا تنام الليل، فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عُرفتِ الكراهة في وجهه) ، فهذا يدل للاحتمال الثاني.
ولذا قال: (عليكم) من العمل (بما) بموحدة، وفي رواية بدونها (تطيقون) ؛ أي: بالذي تطيقون المداومة عليه، وحذف العائد للعلم به، ويفهم منه النهي عن تكليف ما لا يطاق، وسبب وروده خاص بالصلاة، لكن اللفظ عام فيشمل جميع الأعمال، وعدل عن خطاب النساء إلى خطاب الرجال؛ طلبًا لتعميم الحكم، فغلَّب الذكور على الإناث في الذِّكْر، أفاده في «عمدة القاري» ، (فوالله لا يمَل الله) من الملالة؛ وهي السآمة والضجر (حتى) أنْ (تَمَلُّوا) ؛ بفتح الميم في الموضعين؛ وهو من باب المشاكلة والازدواج؛ وهو أن يكون إحدى اللفظين موافقة للأخرى وإن خالفت معناها، والملال: ترك الشيء استثقالًا وكراهية له بعد حرص ومحبة فيه، وهذا من صفات المخلوق لا الخالق عز وجل، فيحتاج إلى التأويل، فقال المحققون: هو على سبيل المجاز؛ لأنَّه تعالى لمَّا كان يقطع ثوابه عمن قطع العمل مَلالًا؛ عبَّر عن ذلك بالمَلال من باب تسمية الشيء باسم سببه، أو معناه: لا يقطع عنكم فضله حتى تمَلُّوا سؤاله.
(وكان أحبَّ الدين) ؛ أي: الطاعة، ومنه الحديث في صفة الخوارج: «يمرقون من الدين» ؛ أي: من طاعة الأئمة، ويجوز أن يكون فيه حذفًا؛ تقديره: أحب الأعمال الدين (إليه) ؛ أي: إلى النبي الأعظم عليه السلام، وفي رواية: (إلى الله) ، وليس بين الروايتين تخالف؛ لأنَّ ما كان أحب إلى الله؛ كان أحب إلى رسوله، وفي رواية: (وكان أحبُّ) بالرفع اسم (كان) ، (ما داوم) من المداومة؛ وهي المحافظة؛ أي: حافظ وواظب (عليه صاحبه) وإن قَلَّ، فبالمداومة على القليل تستمر الطاعة، بخلاف الكثير الشاق، وربما يزيد القليل الدائم على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة، والمجرور محله نصب خبر (كان) ، و (صاحبه) مرفوع بـ (داوم) ، وكلمة (ما) للمدة، والتقدير: مدة دوام صاحبه عليه، وفي الحديث دلالة على استعمال المجاز؛ وهو إطلاق المَلل عليه تعالى، وجواز الحلف من غير استحلاف، وأنه لا كراهة فيه وهو مذهب الإمام الأعظم، وقال الشافعي: يكره، وفيه بيان شفقته عليه السلام ورأفته بأمته، وفيه دليل على أن صلاة الليل كلِّه مكروهة، ونفاها مالك ما لم يضر ذلك بصلاة الصبح، والله تعالى أعلم.
[1] (كل علم مؤنث) : ضرب عليها في الأصل.