[حديث: يخرج من النار من قال لا إله إلا الله]
44# وبه قال: (حدثنا مُسلِم) بضم الميم وكسر اللام مخففًا (بن إبراهيم) أبو عمرو البصري الأزدي الفَرَاهِيدي؛ بفتح الفاء والراء، وبالهاء المكسورة، والمثناة التحتية، والدال المهملة وقيل: معجمة؛ بطن من الأزد مولاهم، القصاب أو الشحام، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قال: حدثنا هِشام) ؛ بكسر الهاء: ابن أبي عبد الله سندر، الرَّبَعي بفتح الراء والموحدة؛ نسبة إلى ربيعة بن نزار بن معَدِّ بن عدنان، البصري، الدَّسْتَُوائي؛ بفتح الدال وسكون السين المهملتين، بعدهما مثناة فوقية مفتوحة أو مضمومة، مهموز من غير نون، نسبة إلى كورة من كور الأهواز؛ لبيعه الثياب المجلوبة منها، المتوفى سنة أربع وخمسين ومئة، وكان يُرمى بالقدر؛ لكنه لم يكن داعية، (قال: حدثنا قتادة) هو ابن دِعامة، (عن أنس) هو ابن مالك رضي الله عنه، (عن النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم قال: يَخرج من النار) ؛ بفتح المثناة تحت: من الخروج، وفي رواية: بضم المثناة؛ من الإخراج في جميع الحديث، فقوله: (مَن قال) محلُّه رفع على الوجهين، فالرفع على الأول على الفاعلية، وعلى الثاني على النيابة عن الفاعل، و (مَن) موصولة، وما بعدَها جملة صلتها، ومقول القول: (لا إله إلا الله) ؛ أي: مع قول: محمد رسول الله، فالمراد المجموع، وصار الجزء الأول منه علمًا للكل؛ كما يقال: قرأت {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} ؛ أي: قرأت السورة، أو كان هذا قبل مشروعية ضمِّها إليه؛ كذا ذكر الاحتمالين الشيخ الإمام بدر الدين العيني.
قلت: الظاهر هو الاحتمال الأول، ولذا نظر القسطلاني في الاحتمال الثاني، ولم يذكر وجهه، ولعل وجهه: أن الإيمان لا يكون إلَّا بتصديق التوحيد بالله وبرسوله معًا، وأنَّ ذلك هو الذي يطلق عليه الإيمان، وقد يجاب: بأنَّ قوله: (قبل المشروعية) ؛ أي: حال قيام النبوة؛ فإنَّ النبي أولًا شرع لهم التوحيد لله؛ ردًّا عليهم من عبادة الأوثان، ثم بين لهم: أنِّي نبي مرسل إليكم، على أن المصدق بالله تعالى يلزمه التصديق برسوله؛ لأنَّه جاء من عند الله، فالإيمان بها إيمان إجمالًا، وهو كافٍ؛ كما قدمناه؛ فليحفظ.
(وفي قلبه وزن شعيرة) واحدة الشعير (من خيرٍ) ؛ أي: من إيمان؛ كما في الرواية الأخرى، والتنوين فيه للقليل؛ ترغيبًا في تحصيله، والمراد به: الإيمان بجميع ما جاء به الرسول عليه السلام، والجملة اسميَّةٌ حالٌ، وفيه استعارة بالكناية؛ لأنَّ الوزن إنَّما يُتصوَّر في الأجسام دون المعاني، والإيمان معنى، ولكنه شبه الإيمان بالجسم، فأضيف إليه ما هو من لوازم الجسم؛ وهو الوزن.
(ويخرج من النار مَن قال: لا إله إلا الله) محمد رسول الله (وفي قلبه وزن بُرَّة) ؛ بضم الموحدة وتشديد الراء المفتوحة: واحدة البُرِّ؛ وهي القمحة، (من خيرٍ، ويخرج من النار مَن قال: لا إله إلا الله) محمد رسول الله (وفي قلبه وزن ذَرَّة) ؛ بفتح الذال المعجمة، وتشديد الراء المفتوحة: واحدة الذَّرِّ؛ وهو كما في «القاموس» : صغار النمل، ومئة منها زنة حبة شعير، انتهى.
وقيل: إنَّ الذر: الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رؤوس الإبر، وعن ابن عباس: إذا وضعت كفَّك على التراب ثم نفضتها، فما سقط من التراب؛ فهو ذرة.
[ص 26]
وإنما قدَّم الشعيرة على البُرَّة؛ لأنَّها أكبر جرمًا منها، وأخَّر الذرة؛ لصغرها، فهو من باب الترقِّي في الحكم وإنْ كان من باب التنزُّل في الصورة.
وقوله: (من خير) المراد به: الثمرات، وكذا في روايةِ: (من إيمان) ؛ أي: أنَّ ثمرات الإيمان لا نزاع في أنَّها تزيد وتنقص، والمراد بالثمرات: مراتب العلوم الحاصلة المستلزمة للتصديق لكلِّ واحد من جزئيات الشرع، وأمَّا حقيقة التصديق؛ فشيء واحد لا يقبل الزيادة ولا النقصان.
قال إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل: إن كان المراد من الإيمان: التصديق؛ فلا يقبل الزيادة والنقصان، وإن كان الطاعات؛ فيقبلهما، والأصل هو التصديق والقول بلا إله إلا الله؛ لإجراء الأحكام في الدنيا، والناس إنَّما يتفاضلون في التصديق التفصيلي، لا في مطلق التصديق، وقوله تعالى: {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] حكاية عن إبراهيم، وكيف يمكن أن يقال في حقه: زاد تصديقه بالمعاينة؟ لأنَّ القول بهذا يستلزم القول بنقصان تصديقه قبل ذلك؛ وذا لا يجوز في حقه عليه السلام، وإنما مراده من هذا: أن يضم إلى علمه الضروري العلمَ الاستدلالي؛ ليزيد سكونًا؛ لأنَّ تضافر [1] الأدلة أسكن للقلب؛ فليحفظ.
ويستفاد من الحديث: أنَّ صاحب الكبيرة من الموحِّدِين لا يَكفر بفعلها ولا يخلد بالنار، وفيه دخول عصاة الموحِّدين النار وأنَّ مآلهم إلى الجنة، وأنَّه لا يكفي في الإيمان معرفة القلب دون الكلمة ولا الكلمة من غير اعتقاد، والله تعالى أعلم.
اللهم إنِّي أسألك بنبينا محمد عليه السلام وبقدوتنا الإمام الأعظم؛ أن ترزقني علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبَّلًا، وعمرًا طويلًا، وجاهًا عريضًا، وأولادًا كثيرة، ودخول الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله وصحبه.
(قال أبو عبد الله) يعني: المؤلِّف، وفي رواية: بإسقاطها: (قال أَبَان) ؛ بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة: ابن يزيد العطار البصري، ووزنه: (فَعَال) كـ (غَزَال) ، منصرفٌ، والهمزة فاء الكلمة أصليةٌ، والألف زائدة، وهو المشهور وقول الأكثرين والصحيح، وقيل: إنه غير منصرف؛ لأنَّه على وزن (أَفْعَل) منقول من (أبان يبين) ، ولو لم يكن منقولًا؛ لوجب أن يقال فيه: (أَبْيَن) بالتصحيح، وهو قول ابن مالك؛ فافهم.
(حدثنا قتادة) هو ابن دِعامة قال: (حدثنا أنس) هو ابن مالك، (عن النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم: «من إيمان» مكان «خير» ) وفي رواية: (من خير) ، وهذا من تعليقات المؤلِّف، وقد وصله الحاكم، وإنما ذكره المؤلِّف؛ للتنبيه على تصريح قتادة فيه بالتحديث عن أنس؛ لأنَّ قتادة مدلس لا يحتج بعنعنته إلَّا إذا ثبت سماعه للذي عنعن عنه، وعلى تفسير المتن بقوله: (من إيمان) بدل قوله: (من خير) .
[1] في الأصل: (تظاهر) ، ولعل المثبت هو الصواب.