[حديث: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة]
59# وبه قال: (حدثنا محمد بن سِنان) ؛ بكسر السين المهملة وبالنونين: أبو بكر الباهلي البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومئتين (قال: حدثنا فُلَيح) ؛ بضم الفاء، وفتح اللام، وسكون المثناة التحتية، آخره حاء مهملة، وهو لقبه، واسمه عبد الملك، وكنيته أبو يحيى، ابن سليمان الخزاعي المدني، المتوفى سنة ثمان وستين ومئة.
(ح) للتحويل، قال المؤلف: (وحدثني) بالإفراد، وفي رواية: (قال: وحدثنا) (إبراهيم بن المنذر) القرشي الحزامي المدني، أبو إسحاق، المتوفى سنة ست أو خمس وثلاثين بالمدينة (قال: حدثنا محمد بن فليح) المذكور، المتوفى سنة سبع وتسعين ومئة (قال: حدثني) بالإفراد، وفي رواية: (حدثنا) (أبي) هو فُليح المذكور (قال: حدثني) بالإفراد (هلال بن علي) ويقال له: هلال بن أبي ميمون، وهلال بن أبي هلال، وهلال ابن أسامة؛ نسبة إلى جده، وقد يُظَنُّ أنَّهم أربعة، والكلُّ واحدٌ، الفهري القرشي المدني، المتوفى في آخر خلافة هشام، كذا في «عمدة القاري» ، (عن عطاء بن يسار) مولى ميمونة بنت الحارث، (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه أنه (قال: بينما) أصله (بين) فزيدت عليه (ما) ، وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة (النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم في مجلس) حال كونه (يحدِّث القوم) الجملة من الفعل والفاعل والمفعول خبر عن المبتدأ؛ وهو (النبي) ، و (القوم) : الرجال دون النساء وتدخلن تَبَعًا، وجمعه: أقوام، وجمع الجمع: أقاوم، والمفعول الثاني محذوف؛ أي: الحديث؛ (جاءه) ؛ أي: النبي عليه السلام (أعرابي) منسوب إلى الأعراب؛ بفتح الهمزة: سكَّان البادية، لا واحد له من لفظه، قال في «عمدة القاري» : ولم يُعرف اسم هذا الأعرابي، قلت: قيل: إنَّ اسمه رُفيع؛ فتأمَّل، وفيه استعمال (بينما) بدون (إذ) و (إذا) ؛ وهو فصيح، انتهى، (فقال: متى الساعة؟) استفهام عن الوقت التي تقوم فيه القيامة، وسميت بذلك؛ لأنَّها تَفْجَأ الناس في ساعة، فيموت [1] الخلق كلهم بصيحة واحدة، و (الساعة) : القيامة، وأصلها (سوعة) ، قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها.
(فمضى) أي: اشتغل (رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدِّث) ؛ أي: القوم، وفي رواية: (يحدثه) بالهاء؛ أي: يحدث القوم الحديث الذي كان فيه، فلا يعود الضمير المنصوب على الأعرابي، وفي رواية: (بحديثه) ، (فقال بعض القوم: سمع) عليه السلام (ما) أي: الذي (قال) ؛ أي: قاله الأعرابي، (فكره) عليه السلام (ما) أي: الذي (قال) ؛ أي: قاله الأعرابي، فحذف العائد، والجملة مفعول (سمع) ، ويجوز أن تكون (ما) مصدرية؛ أي: سمع قوله، (وقال بعضهم: بل لم يسمع) النبي عليه السلام قوله، و (بل) حرف للإضراب، وَلِيَها هنا جملة؛ أعني قوله: (لم يسمع) ؛ فكان الإضراب بمعنى الإبطال، والجملة اعتراض بين (فمضى) وبين قوله: (حتى إذا قضى) ؛ أي: كمَّل وتمَّم عليه السلام (حديثَه) ، وقوله: (حتى إذا) يتعلَّق بقوله: (فمضى يحدِّث) لا بقوله: (لم يسمع) ، وإنَّما لم يجبه عليه السلام؛ لأنَّه كان يكره السؤال عن هذه المسألة بخصوصها، أو كان ينتظر الوحي، أو كان مشغولًا بجواب سائل آخر، ويؤخذ منه أنه ينبغي للعالم، أو القاضي، أو المفتي رعاية تقدم الأسبق فالأسبق في السؤال.
(قال) عليه السلام: (أين أُراه) ؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: أظن أنَّه قال: أين (السائل) ؛ بالرفع مبتدأ مؤخر، خبره (أين) مقدمًا، و (أُراه) معترضة بين المبتدأ وخبره، وقول ابن حجر: إنَّه مرفوع على الحكاية، خطَّأه في «عمدة القاري» ؛ فليحفظ، (عن الساعة) ؛ أي: عن زمانها، والشكُّ من محمد بن فُليح، و (أين) سؤال عن المكان، بُنِيَ؛ لتضمُّنه حرف الاستفهام، (قال) الأعرابي: (ها أنا) السائل (يا رسول الله) ، فالسائل المقدر خبر المبتدأ الذي هو (أنا) ، و (ها) بالمد: حرف تنبيه، (قال) عليه السلام: (إذا ضُيِّعت الأمانة) (إذا) تتضمن معنى الشرط، ولذا جاء جوابها بالفاء وهو قوله: (فانتظر الساعة، قال) الأعرابي: (كيف إضاعتُها) ؛ أي: الأمانة يا رسول الله؟ (قال) عليه السلام مجيبًا له: (إذا وُسِّد) ؛ بضم الواو مع تشديد السين؛ أي: فُوِّض وأُسْنِد (الأمرُ) المتعلِّق بالدين كالخلافة، والقضاء، والإفتاء (إلى غير أهله) ؛ أي: بولاية غير أهل الدين والأمانات؛ لغلبة الجهل وضعف أهل الحق عن القيام به؛ (فانتظر الساعة) (الفاء) للتفريع أو جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كان الأمر كذلك؛ فانتظر الساعة، وليست هي جواب (إذا) التي في قوله: (إذا وُسِّد) ؛ لأنَّها لا تتضمَّن ههنا معنى الشرط، وإنَّما قال: (إلى غير أهله) ولم يقل: لغير أهله؛ ليدل على معنى تضمين الإسناد.
وفيه أنَّ الأئمة إذا قَلَّدوا الأمر لغير أهل الدين؛ فقد ضيَّعوا الأمانات؛ لأنَّ الله ائتمنهم على عباده وفرض عليهم النصح، وفيه أنَّ الساعة لا تقوم حتى يؤتمن الخائن، وفيه وجوب تعليم السائل ومراجعة العالم عند عدم فهم السائل، والله تعالى أعلم.
[1] في الأصل (فتموت) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[ص 39]