[حديث: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها]
62# وبالسند إليه قال:
[ص 40]
(حدثنا خالد بن مَخْلد) ؛ بفتح الميم وسكون الخاء: أبو الهيثم القَطَواني؛ بفتح القاف والطاء؛ نسبة لموضع بالكوفة، البجلي مولاهم، الكوفي، تُكُلِّم فيه، وقال ابن عدي: لا بأس به، المتوفى في المحرم سنة ثلاث عشرة ومئتينقال: (حدثنا سليمان) بن بلال أبو محمد التيمي القرشي المدني، الفقيه المشهور، وكان بربريًا حسنَ الهيئة، توفي سنة اثنتين وسبعين ومئة في خلافة هارون الرشيد بالمدينةقال: (حدثنا عبد الله بن دينار) القرشي العدوي المدني، (عن) عبد الله (ابن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما، (عن النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: (إن من الشجر) أي: من جنسه (شجرةً) بالنصب، وزاد المؤلف: (قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة فقال: كنا عند النبي عليه السلام فأُتي بجمارة، فقال: إنَّ من الشجر شجرة لا يسقط ورقها) صفة لـ (شجرة) مختصَّة بها دون غيرها، وفي رواية زيادة: (ولا يتحات) ، (وإنَّها) ؛ بكسر الهمزة، (مِثْل) ؛ بكسر الأول وسكون الثاني، وبفتحهما؛ على ما مرَّ؛ أي: شِبْه (المسلم) ، وفي رواية: «مثل المؤمن كمثل شجرة خضراء لا يسقط ورقها ولا يتحات» (حدِّثوني) بدون فاء؛ أي: إن عرفتموها؛ حدثوني (ما هي؟) مبتدأ وخبر (فوقع الناس في شجر البوادي) ؛ أي: ذهبت أفكارهم إليها دون النخلة، (قال) عبد الله بن عمر: (فوقع في نفسي) ؛ بالفاء، وفي السابقة بالواو، وفي رواية: (فألقى الله في روعي) (أنها النخلة) ، وفي رواية: (بينا نحن عند النبي عليه السلام جلوس؛ إذ أُتي بجمار نخلة، فقال عليه السلام: «إنَّ مِنَ الشجر لَمَا بركتُه كبركة المسلم» ، فظننتُ أنَّه يعني النخلة، فأردت أن أقول: هي النخلة يا رسول الله، ثم التفت فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم، فسكتُّ) ، وفي رواية: (فاستحييت) .
(ثم قالوا: حدِّثنا) المراد منه الطلب والسؤال (ما هي يا رسول الله؟) ، وفي رواية: (قال: كنا عند رسول الله عليه السلام ذات يوم، فقال: «إنَّ مثل المؤمن كمثل شجرة لا يسقط لها أنملة [1] أتدرون ما هي؟» قالوا: لا. قال: هي النخلة) ، زاد في هذه الرواية: «لا يسقط لها أنملة ولا يسقط لمؤمن دعوة» ، ووجه الشبه بين النخلة والمسلم؛ من حيث عدم سقوط الورق وعدم سقوط الدعوة، والبركة في كل منهما في جميع الأجزاء.
وفي الحديث استحباب إلقاء العالم المسألة على أصحابه؛ ليختبر أفهامهم، وفيه توقير الكبار وترك التكلم عندهم، واستحباب الحياء ما لم يؤدي إلى تفويت المصلحة، وفيه جواز اللغز مع بيانه، وما رواه أبو داود عن النبي عليه السلام: أنه نهى عن الأغلوطات
_أي: صعاب المسائل_ محمول على ما إذا خرج على سبيل تعنت المسؤول، أو تعجيزه، أو تخجيله، وفيه جواز طلب الأمثال، وفيه أن التشبيه لا عموم له، وفيه أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه مَن هو دونه.
وفيه دلالة على فضيلة النخل، قال المفسرون: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً} لا إله إلا الله {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} هي النخلة {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} في الأرض {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} ؛ أي: رأسها تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ [حِينٍ] } [إبراهيم: 24 - 25]
وقت، فشبه الله الإيمان بالنخلة؛ لثبات الإيمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في منبتها، وشبه ارتفاع عمله بارتفاع فروعها، وما يكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان بما ينال من ثمرة النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والثمر، وقد ورد ذلك صريحًا فيما رواه البزار عن ابن عمر قال: قرأ رسول الله عليه السلام فذكر هذه الآية، فقال: «أتدرون ما هي؟» قال ابن عمر: لم يَخْفَ عليَّ أنَّها النخلة، فمنعني أن أتكلَّم؛ لمكان سِنِّي، فقال عليه السلام: «هي النخلة» ، وروي في حديث مرفوع لكنه لم يثبت: أنَّ النخلة خلقت من بقية طينة آدم عليه السلام، فهي كالعمَّة للأناسيِّ، والله تعالى أعلم.