[حديث: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة]
66# وبه قال: (حدثنا إسماعيل) هو ابن أبي أويس المدني، (قال: حدثني) بالإفراد، (مالك) الإمام، (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري البخاري، ابن أخ أنس لأمه، التابعي المتوفى سنة اثنتين وثلاثين ومئة.
(أن أبا مُرَّة) ؛ بضم الميم وتشديد الراء، اسمه: يزيد، (مولى عقيل) ؛ بفتح العين، (بن أبي طالب) ، وقيل: مولى أخيه علي، وقيل: مولى أختهما أم هانئ، (أخبره عن أبي واقد) ؛ بالقاف المكسورة والدال المهملة، اسمه: الحارث بن عوف أو الحارث بن مالك، أو عوف بن الحارث والأول أصح، الصحابي (الليثي) ؛ بالمثلثة، البدري في قول، المتوفى بمكة سنة ثمان وستين، وصرَّح أبو مُرَّة عند النسائي فقال: (عن أبي مُرَّة: أنَّ أبا العالية واقد حدَّثه) (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما) أصله: (بين) زيدت فيه لفظة (ما) ، وهو من الظروف التي لزمت إضافتها إلى الجملة، وفي رواية: (بينا) بدون (ما) وأصلها: (بين) ، فأشبعت فتحة النون بالألف، والعامل فيه معنى المفاجأة (هو) مبتدأ، خبره (جالس) حال كونه (في المسجد) النبوي، (والناس معه) جملة حالية، (إذ أقبل) جواب (بينما) ، وقدَّمنا: أنَّ الأصمعيَّ لا يستفصح مجيء (إذ) و (إذا) في جواب (بين) ، (ثلاثة) فاعل (أقبل) ، (نفر) بالتحريك؛ عدة رجال، من الثلاثة إلى العشرة، والمراد: ثلاثة رجال من الطريق، فدخلوا المسجد كما في حديث أنس: (فإذا ثلاثةُ نفرٍ مارين) ، ولم يتعرف أسماؤهم ولا واحدًا.
(فأقبل اثنان) منهم (إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد) منهم، (قال: فوقفا على) مجلس (رسول الله صلى الله عليه وسلم) ؛ أي: اشترفا عليه، وقال ابن حجر: (على) بمعنى (عند) ، وردَّه في «عمدة القاري» : بأنَّها لم تجئ بمعناها؛ فليحفظ، وفي رواية: (فلما وقفا سلما) .
(فأمَّا) ؛ بفتح الهمزة وتشديد الميم: تفصيليَّة، (أحدهما) بالرفع مبتدأ، خبره قوله: (فرأى فُرجة) ؛ بضم الفاء، (في الحلقة فجلس فيها) وأتى بالفاء في (فرأى) ؛ لتضمُّن (أمَّا) معنى الشرط، وفي رواية: (فَرجة) ؛ بفتح الفاء، كما مرَّ.
(وأمَّا الآخَر) ؛ بفتح الخاء؛ أي: الثاني، (فجلس خلفَهم) بالنصب على الظرفية، لعلَّه لم يجد فرجة؛ فتأمَّل، (وأمَّا الثالث؛ فأدبر) من الإدبار؛ أي: التولِّي، حال كونه (ذاهبًا) ؛ أي: أدبر مستمرًا في ذهابه ولم يرجع.
(فلمَّا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم) مِن حديثه، (قال: ألَا) ؛ بالتخفيف حرف تنبيه، ويَحتمل أنْ تكون (الهمزة) للاستفهام و (لا) للنفي، (أُخبِرُكم عنِ النفر الثلاثة) ، فقالوا: أخبرنا عنهم يا رسول الله، فقال: (أمَّا) ؛ بالتشديد للتفصيل، (أحدُهم فآوى) بهمزة مقصورة؛ أي: لجأ، (إلى الله تعالى) ، أو دخل مجلس رسول الله عليه السلام (فآواه) ؛ بالمد، (الله إليه) ؛ أي: جازاه بنظير فِعْله، بأنْ جعله في رحمته ورضوانه، أو يؤويه يوم القيامة إلى ظِلِّ عرشه، فنسبة الإيواء إلى الله
[ص 44]
تعالى مجازٌ؛ لاستحالته في حقِّه تعالى، فالمراد لازِمُه، وهو إرادة إيصال الخير، ويسمَّى هذا المجاز: مشاكلةٌ ومقابلةٌ.
(وأمَّا الآخَر) ؛ بفتح الخاء، (فاستحى) ؛ أي ترك المزاحمة؛ حياءً من رسول الله عليه السلام ومن أصحابه، وعند الحاكم: ومضى الثاني قليلًا ثم جاء فجلس، قال في «عمدة القاري» : معناه: استحى مِنَ الذهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثالث، اهـ؛ فليحفظ.
(فاستحيى اللهُ منه) ؛ أي: جازاه بمثل فعله؛ بأنْ رحمه ولم يعاقبه، وهذا أيضًا من قبيل المشاكلة؛ لأنَّ الحياء تغيُّرٌ وانكسارٌ يَعتري الإنسان مِن خوفِ ما يُذَمُّ به، وهذا محالٌ على الخالق تبارك وتعالى، فيكون مَجازًا عن ترك العقاب للاستحياء، فيكون هذا من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم، كما في «عمدة القاري» .
(وأمَّا الآخَر) ؛ أي: الثالث، (فأعرض) عن مجلس النبي الأعظم عليه السلام ولم يلتفت إليه؛ بل ولَّى مُدبرًا، (فأعرض الله عنه) ؛ أي: جازاه؛ بأنْ سخط عليه، وهذا أيضًا من باب المشاكلة؛ لأنَّ الإعراض: هو التفات إلى جهة أخرى، وذاك لا يليق في حقِّ الله تعالى، فيكون مَجازًا عن السُّخط والغضب، المجاز عن إرادة الانتقام.
والمراد في مثل هذه الإطلاقات: غاياتها ولوازمها، والعلاقة بين الحقيقي والمجازي اللزوم، والقرينة الصارفة هو العقل، وفي رواية: ( «وأمَّا الآخَر؛ فاستغنى فاستغنى الله عنه» ) ، ويَحتمل أنَّه كان منافقًا، فاطلع النبي الأعظم عليه السلام عليه وعلى حاله وأمْره، وتمامُه في «عمدة القاري» ؛ فليحفظ.
وفي الحديث الثناءُ على مَن زاحم في طلب الخير، وجوازُ التخطِّي لسَدِّ الخلل ما لم يؤذ [1] ، وأنَّ مَن سبق إلى موضع من المسجد فهو أحقُّ به، وأنَّ من الأدب أن يجلس حيث ينتهي به المجلس، وأنَّ الإنسان إذا فعل قبيحًا؛ جاز أن يُنسب إليه، وأنَّ مَن أعرض عن مجالسة العلماء؛ فإنَّ اللهَ يُعرض عنه، وفيه استحبابُ التحلُّقِ للعلم والذِّكر وغير ذلك، والله أعلم.
[1] في الأصل: (يؤذي) .