[حديث: أن رسول الله وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه]
83# وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس ابن أخت مالك، (قال: حدثني) بالإفراد، (مالك) بن أنس الإمام، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (عن عيسى بن طلحة بن عُبيد الله) ؛ بالتصغير؛ بضم العين: القرشي التيمي التابعي، المتوفى سنة مئة.
(عن عبد الله بن عمرو بن العاصي) الجمهورُ على كتابته بالمثناة آخره، وهو الفصيح، والأعياص جمع عِيص؛ بكسر العين المهملة: الشجر الكثير الملتفُّ، والأعياص مِن قريش أولاد أُميَّة بن عبد شمس الأكبر؛ وهم أربعة: العاصي، وأبو العاصي، والعيص، وأبو العيص، والعيصان من معادن بلاد العرب.
(أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف) جملةٌ محلُّها الرفع خبر (أنَّ) ، (في حِجة) ؛ بكسر الحاء المهملة وفتحها، والمعروف من الرواية الفتح، (الوَداع) ؛ بفتح الواو، اسم: التوديع، ولا يجوز الكسر، خلافًا لما زعمه بعضهم، (بمنى) في محلِّ نصب على الحال، وهي قرية قرب مكة، يُذبح فيها الهدايا، وتُرمى فيها الجمرات، وهو مقصور بالصرف وعدمه، والأول أحسن كما تقدم.
(للناس) حال كونهم، (يسألونه) عليه السلام، فهو حال من ضمير وقف، ويَحتمل أن يكون من الناس؛ أي: وقف لهم حال كونهم سائلين منه، ويجوز أن يكون استئنافًا بيانيًا لعِلَّة الوقوف، كذا قرَّره في «عمدة القاري» .
(فجاءه رجل) قيل: لم يُعرف اسمه، وفي رواية: (فجاء رجل) ، (فقال) : يا رسول الله، (لم أشعُر) ؛ بضم العين؛ أي: لم أعلم؛ أي: لم أفطنه، (فحلقت) رأسي، و (الفاء) سببية، (قبل أن أذبح) ؛ أي: الهدي، (فقال) رسول الله عليه السلام، (اذبح) هديك، (ولا حرج) ؛ أي: ولا إثم عليك.
(فجاء آخر) ؛ أي: رجل غير الأول، (فقال) : يا رسول الله، (لم أشعُر) ؛ بضم العين؛ أي: لم أفطن، (فنحرت) هديي، من النحر في اللبة، مثل الذبح في الحلق، والفاء سببية أيضًا، كأنَّه جعل الحلق والنحر كلًّا منهما سببًا عن عدم شعوره، وكأنَّه يعتذر لتقصيره، (قبل أن أرمي) الجمرة، (أنْ) مصدريَّة: أي: قبل الرمي. (قال) عليه السلام، وفي رواية: (فقال) : (ارمِ) الجمرة، (ولا حرج) ، فـ (لا) لنفي الجنس، و (حرج) اسمُها مبنيٌّ على الفتح، وخبرُها محذوف تقديرُه: لا حرج عليك.
(فما سُئل) ؛ بصيغة المجهول، (النبيُّ) الأعظم (صلى الله عليه وسلم عن شيء) من أعمال يوم العيد؛ من الرمي، والنحر، والحلق، والطواف، (قُدِّمَ ولا أُخِّر) ؛ بضم أوَّلهما على صيغة المجهول، وفي الأول حذف؛ أي: لا قُدِّم ولا أُخِّر؛ لأنَّها لا تكون في الماضي إلَّا مكررة على الفصيح، وحسُن ذلك هنا؛ لأنَّه وقع في سياق النفي، وتمامه في «عمدة القاري» .
(إلَّا قال) عليه السلام للسائل: (افعل) ذلك كما فعلتَه قبلُ أو متى شئت، (ولا حرج) عليك، ولا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا؛ لأنَّكم فعلتموه على الجهل منكم لا على القصد منكم خلاف السُّنَّة، وكانت السُّنَّة خلاف هذا، وأسقط عنهم الحرج وأعذرهم؛ لأجل النسيان وعدم العلم، والدليل عليه قول السائل: (فلم أشعر) .
وجاء ذلك مصرَّحًا في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أخرجه الحافظ الطحاوي بإسناد صحيح: أنَّ رسول الله عليه السلام سأله رجل في حجته فقال: إنِّي رميت وأفضت ونسيت فلم أحلق، قال: «فاحلق ولا حرج» ، ثم جاء رجل آخر فقال: إنِّي رميت وحلقت ونسيت أن أنحر، فقال: «انحر ولا حرج» ، فدلَّ ذلك أنَّ الحرج الذي رفعه الله عنهم إنَّما كان لأجل النسيان والجهل بأمر المناسك؛ لأنَّ السائلين كانوا ناسًا أعرابًا لا عِلم لهم بالمناسك، فأجابهم عليه السلام بقوله: «لا حرج» ؛ يعني: فيما فعلتم بالنسيان وبالجهل، فإنَّه أباح لهم ذلك فيما بعدُ.
وممَّا يؤيِّد هذا قولُ حبْر الأُمَّة ابن عباس رضي الله عنهما: مَن قدَّم شيئًا من حجه أو أخَّره؛ فليُهرق لذلك دمًا، والحال أنَّه أحد رواة الحديث المذكور، فلو لم يكن معنى الحديث عنده على ما ذكرنا؛ لما قال بخلافه، والدليل على هذا ما رواه أبو سعيد الخدري كما أخرجه الحافظ الطحاوي، قال: سُئل رسول الله عليه السلام وهو بين الجمرتين عن رجل حلق قبل أن يرميَ، قال: «لا حرج» ،
[ص 54]
وعن رجل ذبح قبل أن يرميَ، قال: «لا حرج» ، ثم قال: «عباد الله؛ وضع الله عنكم الحرج والضيق، فتعلَّموا مناسككم؛ فإنَّها من دينكم» .
قال الحافظ الطحاوي: أفلا يرى إلى أنَّه أمرهم بتعلُّم مناسكهم؛ لأنَّهم كانوا لا يُحسنونها، فدل ذلك على أنَّ الحرج الذي رفعه الله عنهم هو لجهلهم بأمر المناسك لا لغير ذلك، فعلم ما قرَّرناه: أنَّ الترتيب في أعمال الحج واجبٌ يتعلَّق الدمُ بتركه، وهذا مذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل، والإمام مالك، وابن جُبير، والحسن، والنَّخَعي، وقتادة وغيرهم، فلو حلق قبل أن يذبح؛ فعليه دمٌ، وإن كان قارنًا؛ فعليه دمان عندنا.
وقال الإمام زفر: إذا حلق قبل أن ينحر؛ فعليه ثلاثة دماء؛ دمان [1] للقِران، ودم للحلق قبل النحر، وقال الإمام أبو يوسف والإمام محمد: عليه دمٌ واحد، وقال الإمام الشافعي وأحمد ابن حنبل: الترتيب في الأعمال المذكورة في الحديث سُنَّة، فلا شيء بتركه، واستدلا بالحديث المذكور، وقالا: معنى قوله: «لا حرج» ؛ أي: لا شيء عليك مطلقًا من الإثم، لا في الترتيب، ولا في ترك الفدية، ولا حجة لهما في الحديث؛ لما علمتَ أنَّه أسقط الحرج للنسيان وعدم العلم، ولعله لم يبلغهما الأحاديث الواردة في ذلك؛ فتأمَّل.
وفي الحديث جواز سؤال العالم راكبًا، وماشيًا، وواقفًا، وجواز الجلوس على الدابة وهي واقفة للحاجة، والله أعلم.
[1] في الأصل (دمين) والصواب أنها بدل من (ثلاثة) المبتدأ.