فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 860

[حديث: أيُّها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف]

90# وبه قال: (حدثنا محمد بن كَثير) ؛ بفتح الكاف وبالمثلثة، العبْدي؛ بسكون الموحدة، البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومئتين (قال: أخبرنا) ولأبي ذر: (أخبرني) (سفيان) هو الثوري، (عن ابن أبي خالد) : هو إسماعيل البجلي الكوفي الأحمسي التابعي الطحان، (عن قيس بن أبي حازم) ؛ بالمهملة والزاي: أبو عبد الله الأحمسي الكوفي البجلي المخضرم، (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو (الأنصاري) الخزرجي البدري أنَّه (قال: قال رجل) قيل: هو حزم بن أبي كعب: (يا رسول الله؛ لا أكاد أدرك الصلاة) قال ابن الحاجب: إذا دخل النفي على (كاد) ؛ فهو كالأفعال على الأصح، (مما يطول بنا) (مِن) للتعليل، و (ما) : مصدريَّة، وفي رواية: (ممَّا يطول لنا) ، وفي أخرى: (ممَّا يطيل) ، فالأُولى من التطويل، وهذه من الإطالة (فلان) فاعله، كناية عن اسم سمَّى به المحدث عنه، ويقال لغير الآدمي: الفلان، بالتعريف، وهو معاذ بن جبل رضي الله عنه، وفي رواية المؤلف عن الفِريابي: (لأتأخَّر عن الصلاة) ، وجاء عند المؤلف أيضًا: (إنِّي لأدع الصلاة) ، فهاتان الروايتان يُنبئان أنَّ المعنى: أنِّي أتأخَّر عن الصلاة مع الجماعة، ولا أكاد أُدركها لأجل تطويل فلان، (فما رأيت النبيَّ) الأعظم (صلى الله عليه وسلم في موعظة أشدَّ غضبًا) بالنصب على التمييز (من يومئذٍ) وفي رواية: (منه من يومئذٍ) ، ولفظ (من) صلة (أشد) ، والضمير راجع إليه عليه السلام، فيلزم أن يكون المفضَّل والمفضَّل عليه شيئًا واحدًا، أُجيب: إنَّما جاز ذلك باعتبارين؛ فهو مفضَّل باعتبار يومئذٍ، ومفضَّل عليه باعتبار سائر الأيام، كذا في «عمدة القاري» .

(فقال) عليه السلام: (يا أيها الناس؛ إنَّكم منفِّرون) عن الجماعات، وفي رواية بإسقاط حرف النداء، وفي أخرى: (إنَّ منكم منفِّرين) ، وإنَّما خاطب الكلَّ ولم يُعيِّن المطوِّل؛ كرمًا ولطفًا به حتى لا يحصُل له الخجل، وكانت هذه عادته عليه السلام، (فمَن صلَّى بالناس) ؛ أي: ملتبسًا بهم إمامًا لهم؛ (فليخفف) جواب (مَن) الشرطيَّة، بأن يقتصر على الفاتحة وسورة من قصار المفصَّل، وهذا أدنى التخفيف، ويزيد على ذلك برضا القوم، (فإنَّ فيهم المريض) (الفاء) للتعليل، و (المريض) منصوب؛ لأنَّه اسم (إنَّ) وما بعده عطف عليه، وخبرها قوله: (فيهم) مقدَّمًا؛ وهو الذي ليس بصحيح، (والضعيف) ؛ أي: النحيف أو المسنُّ (وذا) بالنصب؛ أي: صاحب (الحاجة) وفي رواية: (وذو الحاجة) بالرفع: مبتدأٌ خبرُه محذوف، والجملة عطف على الجملة المتقدِّمة، أي: وذو الحاجة كذلك، وإنَّما غضب عليه السلام؛ لأنَّه كره التطويل في الصلاة من أجل أنَّ فيهم المريض ونحوه، فأراد الرِّفق والتيسير بأُمَّتِه، ولم يكن نهُيهه عن التطويل لحرمته؛ لأنَّه كان يصلِّي في مسجده ويقرأ بالطِّوال كـ (يوسف) ، وكان يقصر فيقرأ بالفجر المعوذتين لما سمع بكاء الصبي ونحوه.

فالمراد الإرشاد بأن يكون الإمام حكيمًا ينظر في القوم، فإن كان مرادُهم التخفيف؛ خفَّف، وإن كان مرادُهم التطويل؛ طوَّل، وإنَّما اقتصر على هذه الثلاثة؛ لأنَّه متناول لجميع الأنواع المقتضية للتخفيف؛ لأنَّه المقتضى له إما في نفسه أو لا، والأوَّل إمَّا بحسب ذاته وهو الضعيف، أو بحسب العارض وهو المريض، أو لا في نفسه؛ وهو ذو الحاجة.

وفي الحديث جواز التأخير عن صلاة الجماعة الأولى، وذكر الإنسان بفلان، والغضب لأمر منكر، والإنكار على مَن ارتكب منهيًّا، والتعزير على إطالة الصلاة إذا لم يرض القوم.

[ص 58]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت