فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 860

[حديث: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد]

99# وبه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى بن عمرو القرشي العامري الأويسي المديني (قال: حدثني) بالإفراد (سليمان) بن بلال أبو محمد التيمي القرشي المدني، (عن عَمرو بن أبي عَمرو) ؛ بفتح العين فيهما، ميسرة مولى المطلب المخزومي القرشي المدني، المتوفى في خلافة المنصور سنة ست وثلاثين ومئة، (عن سعيد بن أبي سعيد المقبَُري) ؛ بضم الموحدة وفتحها، (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه: (أنه) ؛ بفتح الهمزة (قال) جملة محلها الرفع خبر (أن) : (قيل: يا رسول الله) كذا في رواية أبي ذر وكريمة، وليس في رواية الباقين لفظة (قيل) ، وإنما هو: (أنه قال يا رسول الله) قال عياض: و (قيل) : وهم، والصواب سقوطها كما عند الأصيلي والقابسي؛ لأنَّ السائل هو أبو هريرة نفسه، واعتمده الشيخ الإمام بدر الدين العيني وأيَّده بما عند المؤلف في (الرقاق) : (أنه قال: قلت: يا رسول الله) ، فهذا يدل على أن لفظة (قلت) تصحفت بـ (قيل) ، وفي رواية: (أنه سأل) ، وفي أخرى: (أن أبا هريرة قال: يا رسول الله) : (من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟) بنصب (يوم) على الظرفية، و (من) استفهامية مبتدأ، وما بعده خبره؛ أي: الذين يدخلون الجنة بغير حساب أو برفع الدرجات فيها، فالاشتراك إنَّما هو في مطلق السعادة بالشفاعة، وأن أسعدهم بها المؤمن المخلص، فالتفضيل بحسب المراتب، (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد) (اللام) فيه جواب قسم محذوف؛ أي: والله، والأولى أن تكون لام التأكيد (ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألَُني) ؛ بضم اللام وفتحها على حد قوله: {وَحَسِبُوا أَلَّاتَكُونَ} [المائدة: 71] ؛ بالرفع والنصب لوقوع (أن) بعد الظن (عن هذا الحديث أحدٌ) ؛ بالرفع فاعل (يسألني) (أولُ منك) ؛ برفع (أولُ) على أنه صفة لـ (أحد) أو بدل منه، وبالنصب على الظرفية، وقال القاضي: على المفعول الثاني لـ (ظننت) ، قال في «المصابيح» : ولا وجه له، وقال الشيخ أبو البقاء: على الحال؛ أي: لا يسألني أحد سابقًا لك، ولا يضر كونه نكرة؛ لأنَّها في سياق النفي فتكون عامة، وتمامه في «عمدة القاري» ؛ (لِما رأيت) ؛ بكسر اللام؛ أي: الذي رأيته (من حرصكَ) ؛ بفتح الكاف (على الحديث) متعلق بالحرص، و (ما) موصولة، والعائد محذوف، و (من) بيانية؛ أي: للذي رأيته من حرصك، أو تكون (ما) مصدرية، و (من) تبعيضية ويكون مفعول (رأيت) ؛ أي: لرؤيتي بعض حرصك (أسعد الناس) التقييد به لا ينفي السعادة عن الجن والملك؛ لأنَّ مفهوم اللقب ليس بحجة عند الجمهور (بشفاعتي يوم القيامة) مبتدأ مضاف، والجار والمجرور متعلق بـ (أسعد) ، و (يوم) منصوب على الظرف، وقوله: (من قال) محله رفع خبر المبتدأ، و (من) موصولة؛ أي: الذي قال: (لا إله إلا الله) ؛ أي: مع محمد رسول الله، فالمراد: الكلمة بتمامها، والإيمان: التصديق القلبي على الأصح، وقول الكلمة لإجراء الأحكام عليه، فلو صدق بالقلب ولم يقل الكلمة؛ يكون سعيدًا بشفاعته إذا لم يكن مع التصديق مناف، فالمعتبر في الشرع: القول اللساني، والمعتبر عند الله: القول النفساني (خالصًا) وفي رواية: (مخلصًا) من الإخلاص: وهو في الإيمان ترك الشرك، وفي الطاعة ترك الرياء (من قلبه أو نفسه) الشك من أبي هريرة قاله الكرماني، وقال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: التعيين غير لازم؛ لأنَّه يحتمل أن يكون من أحد الرواة ممن هم دونه؛ فليحفظ.

فإن قلت: الإخلاص محلُّه القلب فما فائدة قوله: (من قلبه) ؟ أجيب: بأنَّه ذكر؛ للتأكيد، وفي الحديث: دليل على أن الشفاعة مختصة بأهل الإخلاص، وورد أنَّها لأهل الكبائر، فالمراد: أنها أقسام؛ لأنَّها تكون للإراحة من هول الموقف وإدخال قوم الجنة بغير حساب، وفي قوم استوجبوا النار، فيشفع بهم، فلا يدخلوها، وفي قوم دخلوا النار، فيشفع بهم، فيخرجون منها، وتكون لزيادة الدرجات في الجنة، ومذهب أهل السنة: جواز الشفاعة ووجوبها بصريح الآيات والأخبار المتواترة لمذنبي [1] المؤمنين، وأنكرها المعتزلة والخوارج؛ لقوله تعالى: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] ، قلنا: هي واردة في الكفار، وأما الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة؛ فأثبتها المعتزلة وسيأتي تمامه، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (لمذنبين) ، وليس بصحيح.

[ص 62]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت