فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 860

[حديث: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا]

100# وبه قال: (حدثنا إسماعيل بن أبي أُويس) بضم الهمزة والسين المهملة (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام، (عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة، (عن عبد الله بن عمرو بن العاصي) رضي الله عنهما: أنَّه (قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: كلامه حال كونه (يقول) : عبَّر بالمضارع حكاية لحال الماضي، وذلك في حجة الوداع كما عند أحمد والطبراني: (إنَّ الله لا يقبض العلم) : جملة محلها الرفع خبر (إنَّ) ؛ أي: من الناس (انتزاعًا) ؛ بالنصب على الحال أو المفعولية المطلقة (ينتزعه) _وفي رواية: (ينزعه) [1] _ بزيادة مثناة فوقية بين النون والزاي (من العباد) بأن يمحوه من صدورهم أو يرفعه إلى السماء، والمحو من الصدور جائز في القدرة، إلا أن هذا الحديث دل على عدم وقوعه، (ولكن يقبض العلم بقبض) أرواح (العلماء) وموت حملته، وهذا من قبيل إقامة الظاهر موضع المضمر؛ لزيادة التعظيم كما في قوله: {اللهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 2] بعد قوله: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، وكان مقتضى الظاهر: أن يقال: هو الصمد، ولكن يقبضه، (حتى) ابتدائية (إذا لم يُبقِ) ؛ بضم التحتية وكسر القاف: من الإبقاء، وفيه ضمير يرجع إلى الله تعالى؛ أي: حتى إذا لم يُبقِ الله تعالى (عالمًا) ؛ بالنصب على المفعولية، وفي رواية: (يَبق) ؛ بفتح التحتية، من البقاء، و (عالمٌ) ؛ بالرفع على الفاعلية، وفي رواية مسلم: (حتى إذا لم يترك عالمًا) .

فإن قلت: (إذا) للاستقبال، و (لم) لقلب المضارع ماضيًا، فكيف يجتمعان؟!

قلت: لما تعارضا؛ تساقطا فبقي على أصله، وهو المضارع، أو تعادلا، فيفيد الاستمرار.

(اتخذ الناسُ) ؛ بالرفع على الفاعلية (رُؤُوسًا) ؛ بضم الراء والهمزة، والتنوين، جمع: رأس، ولأبي ذر كما في «عمدة القاري» : (رُؤَسَاء) ؛ بفتح الهمزة، وفي آخره همزة آخر مفتوحة، جمع: رئيس، والأول: أشهر؛ فليحفظ (جُهَّالًا) ؛ بضم الجيم وتشديد الهاء، جمع: جاهل؛ بالنصب صفة لـ (رؤوسًا) ، (فسُئلوا) ؛ بضم السين المهملة، والضمير مفعول ناب عن الفاعل؛ أي: فسألهم السائلون، (فأفتوا) لهم (بغير علم) وعند المؤلف في (الاعتصام) : (فأفتوا برأيهم) (فضلُّوا) من الضلال؛ أي: في أنفسهم، (وأضلُّوا) من الإضلال؛ أي: أضلُّوا السائلين.

فإن قلت: الإضلال ظاهر، وأما الضلال؛ فإنما يلزم أن لو عُمل بما أُفتيَ وقد لا يعمل به؟

قلت: إن إضلاله للغير ضلال له، عمل بما أفتى به أو لم يعمل، والمراد بالجهل: القدر المشترك بين المركب؛ وهو عدم العلم بالشيء مع اعتقاد العلم به، وبين البسيط؛ وهو عدم العلم بالشيء لا مع اعتقاد العلم به المتناول لهما، وهو عامٌّ يتناول القضاة والنوَّاب؛ لأنَّ الحكم بالشيء مستلزم للفتوى به.

(قال الفرَبْري) ؛ بكسر الفاء وفتحها، مع فتح الراء وإسكان الموحدة، نسبة إلى فربر: قرية من قرى بخارى على طرق جيحون، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر، المتوفى سنة عشرين وثلاثمئة، عن تسع وثمانين سنة، فسمع من المؤلف مرتين: مرة بفربر، وأخرى ببخارى، وسمع من قتيبة، فشارك المؤلف في الرواية عنه: (حدثنا عباس) ؛ بالموحدة والمهملة، وفي رواية: بإسقاط (قال: الفربري) : (قال: حدثنا قتيبة) : ابن سعيد أحد مشايخ المؤلف: (قال: حدثنا جَرير) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد الضبي، أبو عبد الله الرازي الكوفي، (عن هشام) : ابن عروة بن الزبير بن العوام (نحوه) ؛ أي: نحو حديث مالك، ورواية الفربري هذه أخرجها مسلم عن قتيبة، عن جرير، عن هشام به، واستدل به بجواز خلوِّ الزمان عن المجتهد، وهو مذهب الجمهور خلافًا للحنابلة، وأن الرئاسة الحقيقية هو الفتوى، وهذا الحديث خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص؛ لقول النبيِّ الأعظم عليه السلام: «لا تزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله» ، وتمامه في «عمدة القاري» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت