[حديث أبي جحيفة: قلت لعلي: هل عندكم كتاب]
111# وبه قال: (حدثنا ابن سلَام) : محمد أبو عبد الله البيكندي، وهو بتخفيف اللام، وقد تشدد، وفي رواية: (محمد بن سلام) (قال: أخبرنا وكيع) : بن الجراح بن مليح الكوفي المفتي على مذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، قال حماد بن زيد: إنَّه أرجح من سفيان، المتوفى يوم عاشوراء سنة تسع وتسعين ومئة عن إحدى وسبعين سنة، (عن سفيان) : ابن عُيينة _بضم العين_ أو الثوري، وجزم بالأول في «عمدة القاري» ، وجزم بالثاني ابن حجر؛ لشهرة وكيع بالرواية عنه، وردَّ بأن وكيعًا مشهور بالرواية عن السفيانين كليهما، ونص في «الأطراف» على أنَّه ابن عيينة؛ فليحفظ.
(عن مُطَرِّف) ؛ بضم الميم، وفتح الطاء، وكسر الراء المشددة، آخره فاء: ابن طَريف _بطاء مهملة مفتوحة_، أبو بكر الكوفي الحارثي، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومئة، (عن الشَّعْبي) : عامر؛ بفتح المعجمة وسكون المهملة، (عن أبي جُحَيْفة) ؛ بضم الجيم، وفتح المهملة، وسكون التحتية، واسمه وهب بن عبد الله السُّوائي _بضم السين المهملة، وتخفيف الواو وبالمد_، الكوفي، وكان علي رضي الله عنه يكرمه ويحبه، وجعله على بيت المال، وهو من صغار الصحابة، المتوفى سنة اثنين وسبعين، (قال: قلت لعلي) : الصديق الأصغر، زاد الأصيلي: (ابن أبي طالب رضي الله عنه) .
(هل) : للاستفهام (عندكم) : الخطاب لعلي إما للتعظيم، أو لإرادته مع سائر أهل البيت النبوي، أو للالتفات من خطاب المفرد إلى خطاب الجمع (كتاب) ؛ بالرفع مبتدأ، وخبره: (عندكم) مقدمًا؛ أي: مكتوب أخذتموه عن النبي الأعظم عليه السلام مما أوحي إليه، ويدل لهذا ما عند المؤلف في (الجهاد) : (هل عندكم شيء من الوحي) ، وإنما سأله أبو جحيفة؛ لأنَّ الشيعة كانوا يزعمون أن النبي عليه السلام خص أهل البيت، لا سيما علي بأسرار من علم الوحي لم يذكرها لغيره.
(قال) علي: (لا) كتاب عندنا (إلا كتاب الله) ؛ بالرفع بدل من المستثنى منه، وهو استثناء متصل؛ لأنَّ المفهوم من الكتاب كتاب أيضًا؛ لأنَّه من جنسه، وما زعمه ابن حجر من أنه منقطع؛ رده في «عمدة القاري» ؛ فليحفظ.
(أو فهم) ؛ بالرفع عطفًا على (كتاب) ، ولو كان الاستثناء منقطعًا كما زعمه؛ لكان قوله: (أو فهم) منصوبًا، والرواية بالرفع؛ فليحفظ، والفهم: جودة الذهن بمعنى العلم (أعطيَه) ؛ بفتح التحتية على صيغة المجهول، أسند إلى قوله: (رجل) : مفعول أول نائب عن الفاعل، والضمير المنصوب مفعول ثان (مسلم) ؛ بالرفع صفة لـ (رجل) من فحوى الكلام ويدركه من بواطن المعاني التي هي غير الظاهر من نصه، كوجوه الأقيسة والمفاهيم وسائر الاستنباطات، وما قاله ابن المنير رده في «عمدة القاري» .
ويدل لهذا قوله: (أو ما) : عطف على (كتاب الله) ، و (ما) : موصولة مبتدأ بمعنى الذي، وقوله: (في هذه الصحيفة) : خبره؛ وهي الورقة المكتوبة، وكانت معلقة بقبضة سيفه إما احتياطًا أو استحضارًا، وإما لكونه منفردًا بسماع ذلك، وفي «النسائي» : (فأخرج كتابًا من قراب سيفه) ، واقتران الصحيفة بالسيف الإشعار بأن مصالح الدين ليست بالسيف وحده؛ بل بالقتل تارة، وبالدية أخرى، وبالعفو تارة أخرى.
(قال) أبو جحيفة: (قلت: وما) : وفي رواية: (فما) ، وكلاهما للعطف استفهام مبتدأ؛ أي: أي شيء (في هذه الصحيفة) : خبر المبتدأ (قال) الصديق الأصغر: (العقل) ؛ بالرفع مبتدأ حذف خبره؛ أي: فيها العقل، والمضاف فيه محذوف أيضًا؛ أي: حكم العقل؛ أي: الدية، وإنما سميت به؛ لأنَّهم كانوا يعطون فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال؛ وهو الحبل، والمراد أحكامها، ومقاديرها، وأصنافها، وأسنانها، كما في «عمدة القاري» .
وفي رواية «الصحيحين» من طريق يزيد التيمي: فإذا فيها: «المدينة حرام ... » ؛ الحديث، ولمسلم عن أبي الطفيل: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: «لعن الله من ذبح لغير الله ... » ؛ الحديث، وللنسائي من طريق الأشتر: فإذا فيها: «المؤمنون يتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم ... » ؛ الحديث، ولأحمد من طريق ابن شهاب: فإذا فيها: (فرائض الصدقة) ، والجمع بين هذه الأحاديث أنَّ الصحيفة كانت واحدة وكان جميع ذلك مكتوبًا فيها فنقل كل من
[ص 68]
الرواة ما حفظه.
(وفكاكُ) ؛ بالرفع عطف على (العقل) ، وهو بفتح الفاء وكسرها؛ هو ما يفتك ويخلص به (الأسير) : فعيل بمعنى المأسور من أسره؛ إذا شده بالأسارى؛ وهو القِد؛ بكسر القاف وبالمهملة، ويقال: القيد، والمراد حكمه والتَّرغيب في تخليصه، وأنَّه من أنواع البر فينبغي الاهتمام به.
(ولا يقتلُ) ؛ بضم اللام (مسلم بكافر) : وفي رواية: (وأن لا يقتل) ؛ بزيادة (أن) الناصبة، وهي مصدرية في محل رفع على الابتداء، والخبر محذوف؛ تقديره: وفيها أن لا يقتل؛ أي: وفيها عدم قتل مسلم بكافر؛ يعني: حرمة قصاص المسلم بالكافر، وعلى الرواية الأولى بحذف (أن) ، فإنَّه جملة فعلية معطوفة على جملة اسمية؛ أعني: قوله: (العقل) ؛ لأنَّ تقديره: وفيها العقل؛ والتقدير: وفيها العقل وفيها حرمة قصاص المسلم بالكافر، فهو عطف جملة على جملة.
استدل بظاهر الحديث مالك، والشافعي، وأحمد على أن المسلم لا يقتل بالكافر قصاصًا، وبه قال الأوزاعي، والليث، والثوري، وقال إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل والإمام أبو يوسف في رواية، والإمام محمد، والإمام زفر، والإمام الحسن بن زياد: يقتل المسلم بالكافر، وبه قال النخعي، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى، وعثمان البتِّي، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز.
وقالوا: ولا يقتل بالمستأمن والمعاهد لهم عمومات قول الله عز وجل: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] ، وقوله جل ذكره: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ} [البقرة: 178] ، وقوله سبحانه وتعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: 33] ، فإنَّ هذه الآيات تدل صريحًا على أن المسلم يقتل بالكافر؛ لأنَّ ذلك عام في شريعة من قبلنا وفي شريعتنا؛ لأنَّ الله تعالى قد قصه علينا وقرره النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم من غير إنكار ولا تخصيص، فلزمنا العمل به.
والمراد بالسلطان: القصاص في العمد، والدية في الخطأ، واتفق الإمام الأعظم، وأصحابه، والثوري، وابن أبي ليلى على أن الحر يقتل بالعبد، كما يقتل العبد به، وهو قول داود، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن مسعود رضي الله عنهما، وبه قال سعيد بن المسيب، والنخعي، وقتادة، والحكم؛ لما رواه الحسن بن سمرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل عبده؛ قتلناه» ، أخرجه أبو داود والنسائي، وهو حجة على منع ذلك، ولا دليل لهم في قوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا ... } ؛ الآية؛ لأنَّ المراد بالسلطان: القصاص، كما مر؛ فافهم.
وقول النبي الأعظم عليه السلام: «العمد قود» ، وما رواه الدارقطني عن ابن عمر: أن رسول الله عليه السلام أتي برجل من المسلمين قد قتل معاهدًا من أهل الذمة، فأمر به فقتل، وقال: «أنا أولى من وفَّى بذمته» ، واعترض بأن الدارقطني قال: لم يسنده إلَّا إبراهيم بن يحيى، وهو متروك، والصواب إرساله، وبأن المقتول كان عمرو بن أمية الضمري، وأنه عاش بعد النبي عليه السلام.
وأجيب: بأن الحديث رواه مالك في «الموطأ» ، واحتج به محمد، والمرسل حجة عندنا، وأمَّا المقتول؛ فيحتمل أنهما اثنان، قتل أحدهما، وعاش الآخر بعد النبي عليه السلام.
والمراد من قوله: (ولا يقتل مسلم بكافر) : الكافر: الحربي؛ لأنَّ الحديث لم يكن مفردًا لكنه كان موصولًا بغيره، وهو الذي رواه قيس بن عباد والأشتر، فإن في روايتهما: (لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده) ، وهذا لا يدل على ما قالوه؛ لأنَّ ذا العهد كافر، فدل على أن الكافر الذي منع النبي عليه السلام أن يقتل به مؤمن في الحديث المذكور هو الكافر الحربي الذي لا عهد له، وهذا لا خلاف فيه لأحد أن المؤمن لا يقتل بالكافر الحربي.
ويدل لذلك أن أصل الحديث كان في خطبته عليه السلام يوم فتح مكة، وكان رجل من خزاعة قتل رجلًا من هذيل في الجاهلية، فقال عليه السلام: «ألا كل دم كان لفي الجاهلية؛ فهو موضوع تحت قدميَّ هاتين، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» ، وعهد الذمة كان بعد فتح مكة، كما قاله أهل المغازي فكأنَّ قوله يوم الفتح: «لا يقتل مؤمن بكافر» ؛ منصرفًا إلى الكفار والمعاهدين؛ لأنَّه لم يكن هناك ذمي ينصرف إليه الكلام، ويدل لذلك: (ولا ذو عهد في عهده»، نعطف(ذو العهد) وهو الذمي على (المسلم) ؛ وتقديره: لا يقتل مسلم ولا ذو عهد بكافر حربي؛ لأنَّ الذمي إذا قتل ذميًا؛ يقتل به.
فعلم بهذا أن المراد به الحربي؛ إذ هو لا يقتل به مسلم ولا ذمي، ووقع الإجماع على أن المسلم تقطع يده إذا سرق من مال الذمي فكذا يقتل إذا قتله، وأن قوله: (ولا ذو عهد في عهده) من باب عطف الخاص على العام، وأنه يقتضي تخصيص العام؛ لأنَّ الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له، والأعلى وهو الذمي، فلا يبقى أحد يقتل به المعاهد إلَّا الحربي، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه.
واعترض بأن الواو ليست للعطف، بل للاستئناف، وما بعده جملة مستأنفة، وردَّ بأن الأصل في الواو العطف، ودعوى الاستئناف تحتاج إلى دليل ولا دليل، وأن ذو العهد مفرد وقد عطف على الجملة فيأخذ الحكم منها؛ لأنَّ المعطوف الناقص يأخذ الحكم من المعطوف عليه التام، وأنَّ المعنى يأبى ذلك فإنَّ المراد بسوق الكلام الأول نفي القتل قصاصًا لا نفي القتل مطلقًا، فكذا الثاني تحقيقًا للعطف؛ لأنَّه لا يجوز ذلك في المفرد، لا يقال: معناه: لا يقتل مسلم بكافر ولا بذي عهد؛ أي: لا يقتل بكافر حربي ولا بذي عهد؛ لأنَّا نقول: لو أريد ذلك المعنى؛ كان لحنًا، إذ لا يجوز عطف المرفوع على المجرور فلا يجوز نسبة الرسول عليه السلام إليه؛ لأنَّه أفصح العرب، ولا يقال: روي: (ذي عهد) ؛ بالجر في بعض طرقه، فيكون معطوفًا على الكافر؛ لأنَّا نقول: إن صح ذلك؛ فهو جر بالمجاورة لا بالعطف، ومثله جائز؛ كقوله عز وجل: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] ؛ بالجر للمجاورة، فحملناه عليه توفيقًا بين الروايتين، والله تعالى أعلم، وتمامه في «عمدة القاري» .