[حديث: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده]
114# وبه قال: (حدثنا يحيى بن سليمان) : ابن يحيى بن سعيد الجعفي الكوفي، أبو سعيد، سكن مصر ومات بها سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومئتين (قال حدثني) بالإفراد، (ابن وهب) : عبد الله المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي، (عن أبي شهاب) : محمد بن مسلم الزهري، (عن عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله) ؛ بالتكبير، ابن عُتبة_بضم العين_ابن مسعود، أبو عبد الله أحد الفقهاء السبعة.
(عن ابن عباس) : عبد الله رضي الله عنهما (قال: لما) : ظرف بمعنى: حين (اشتد) أي: قوي (بالنبيِّ) الأعظم (صلى الله عليه وسلم وجعه) ؛ بالرفع فاعل (اشتد) ؛ أي: في مرض موته، وللمؤلف أن ذلك كان يوم الخميس وهو قبل وفاته بأربعة أيام، (قال) : جواب (لما) : (ائتوني) : مقول القول (بكتاب) فيه حذف؛ لأنَّ الظاهر: أن يقال: ائتوني بما يكتب به الشيء؛ كالدواة والقلم، والكتاب بمعنى: الكتابة، والتقدير: ائتوني بأدوات الكتابة، أو يكون أراد بالكتاب ما من شأنه أن يكتب فيه نحو: الكاغد والكتف، وقد صرَّح مسلم بالتقدير المذكور والمراد بالكتف: عظمه؛ لأنَّهم كانوا يكتبون فيه؛ (أكتبْ لكم) : مجزوم؛ لأنَّه جواب الأمر، ويجوز الرفع على الاستئناف (كتابًا) بالنصب على المفعولية؛ أي: أمرنا بالكتابة، نحو: كسا الخليفة الكعبة؛ أي: أمر بالكسوة، ويحتمل أن يكون على حقيقته، وقد ثبت أنه عليه السلام كتب بيده، ولكن في «مسند أحمد» من حديث على أنه المأمور بذلك، ولفظه: أمرني النبيُّ الأعظم عليه السلام أن آتيه بطبق؛ أي: كتف يكتب ما لا تضل أمته بعده.
قلت: وفيه إشارة للرد على الروافض والشيعة؛ حيث كان المأمور عليًّا بالكتابة.
(لا تضلوا) وفي رواية: (لن تَضِلوا) ؛ بفتح أوله وكسر الضاد المعجمة، من الضلالة ضد: الرشاد، وعلى الرواية الأولى: نفي وليس بنهي، وحذفت منه النون؛ لأنَّه بدل من جواب الأمر (بعده) ؛ بالنصب على الظرفية، يحتمل أنه أراد أن ينص على الإمامة بعده فترتفع تلك الفتن؛ كحرب الجمل وصفين، أو أراد أن يبيِّن كتابًا فيه مهمات الأحكام؛ ليحصل الاتفاق على المنصوص عليه، ثم ظهر له عليه السلام أن المصلحة تركه أو أوحيإليه به، ويدل للأول: أنه عليه السلام قال في أوائل مرضه عند عائشة: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنَّى متمنٍّ ويقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» ، أخرجه مسلم، وللمؤلف معناه، ومع ذلك فلم يكتب.
(قال عمر) : ابن الخطاب لمن كان حاضرًا من الصحابة: (إنَّ النبيَّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع) : مقول قول عمر، جملة من الفعل، والمفعول والفاعل محلها رفع خبر (إن) ، (و) الحال (عندنا) خبر مقدم (كتاب الله) : مبتدأ مؤخر مضاف للجلالة؛ أي: القرآن (حسبنا) خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو حسبنا؛ أي: كافينا؛ فهو تبيان لكل شيء، فقصد عمر رضي الله عنه التخفيف على النبيِّ الأعظم عليه السلام حين غلبه الوجع، ولو كان مراده عليه السلام أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركهم لاختلافهم، أو خشي أن يكتب أمورًا يعجزونعنها؛ فيستحقون [1] العقوبة عليها؛ لأنَّها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها، أو خشي أن يكتب مما لا عزيمة له فيه؛ فيجد المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدين، وقد كانت الصحابة تراجعه في بعض الأمور؛ كما في يوم الحديبية والصلح بينه وبين قريش، فإذا أمر بالشيء أمر عزيمة؛ فلا يراجعه أحد.
وأكثر العلماء على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه فيه الوحي، وأجمعوا
[ص 71]
على أنه لا يقر عليه، ومعلوم أنه عليه السلام درجته فوق الخلق؛ فلم ينزه عن العوارض البشرية فقد سها في الصلاة؛ فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه؛ فيتوقف في هذه الحالة حتى يتبين حقيقته؛ فلهذا توقف عمر في ذلك وتركه عليه السلام ولم ينكر عليه، وهو دليل على استصوابه، فالأمر في (ائتوني) وإن كان حق المأمور أن يبادر للامتثال، لكن ظهر لعمر مع طائفة أنه ليس للوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الصلح، فكرهوا أن يكلِّفوه من ذلك ما يشقُّ عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38] ، ولهذا قال عمر: (حسبنا كتاب الله) .
(فاختلفوا) ؛ أي: الصحابة في ذلك وظهر لطائفة أخرى أن الأولى: أن يكتب لما فيه من امتثال أمره وما يتضمَّنه من زيادة الإيضاح، (وكثُر) ؛ بضم المثلثة، (اللَّغط) ؛ بتحريك اللام والغين المعجمة، الصوت والجلبة، فاختلفوا والحال أنهم قد كثر لغطهم بسبب ذلك فلما رأى عليه السلام ذلك؛ (قال) ، وفي رواية: (فقال) ؛ بفاء العطف، وفي أخرى: (وقال) ؛ بواوه: (قوموا عني) ؛ أي: قوموا متبعدين عن جهتي، (ولا ينبغي) لا يطلب، (عندي التنازعُ) ؛ بالرفع فاعل (ينبغي) ؛ أي: الاختلاف والتجادل، وهو دليل على أن أمره الأول كان على الاختيار وأن ما اختاره عمر صوابًا، ولهذا عاش عليه السلام بعد ذلك أيامًا، ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان واجبًا؛ لم يتركه؛ لاختلافهم؛ لأنَّه لم يترك التكليف؛ لمخالفة من خالف؛ فليحفظ.
(فخرج ابن عباس يقول) ظاهره: أن ابن عباس كان معهم، وأنه في تلك الحالة خرج قائلًا هذه المقالة، وليس كذلك؛ بل قول ابن عباس إنَّما كان تقوله عندما تحدث بهذا الحديث لما عند المؤلف في (الاعتصام) ، قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول وكذا لأحمد ولأبي نعيم، قال عبيد الله: فسمعت ابن عباس يقول، ووجه رواية حديث الباب أن ابن عباس لما حدث عبيد الله بهذا الحديث؛ خرج من المكان الذي كان فيه وهو يقول، وإنما تعين حمله على غير ظاهره؛ لأنَّ عبيد الله تابعي من الطبقة الثانية لم يدرك القصة في وقتها؛ لأنَّه ولد بعد النبي الأعظم عليه السلام بمدة طويلة ثم سمعها من ابن عباس بعد ذلك بمدة أخرى.
(إن الرَّزِيَّئة) ؛ بفتح الراء، وكسر الزاي، بعدها تحتية ثم همزة، وقد تسهل الهمزة وتشديد الياء التحتية ومعناها: المصيبة، (كل الرزيئة) ؛ بالنصب على النيابة عن المصدر، ومثل هذا يعد من المفاعيل المطلقة أو على التأكيد.
(ما) : موصولة؛ بمعنى: الذي، (حالُ) : صلتها محله الرفع خبر (إن) حجز؛ أي: صار حاجزًا، (بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه) ؛ فكان ابن عباس من الطائفة التي ظهر لها أن يكتب؛ لما فيه من الامتثال وزيادة الإيضاح.
وفيه: دليل على أن عمر أفقه من ابن عباس؛ حيث اكتفى بالقرآن.
وفيه: دليل على إباحة الاجتهاد؛ لأنَّه وكَّلهم إلى أنفسهم.
وفيه: بطلان ما زعمه الشيعة من وصاية النبي الأعظم عليه السلام بالإمامة؛ لأنَّه لو كان عند علي عهد من النبي عليه السلام؛ لأحال عليها.
وفيه: دلالة على أن للإمام أن يوصي عند موته بما يراه نظرًا للأمة وكذا غيره.
وفيه: دلالة على جواز كتابة الحديث، ويعارضه ما في مسلم مرفوعًا: «لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن» .
وأجيب: بأن النهي خاص بوقت نزول القرآن؛ خشية التِبَاسهِ بغيره والإذن في غير ذلك، أو الإذن ناسخ؛ للنهي عند الأمن من الالتباس، أو النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتاب دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك.
وكره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبُّوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوا حفظًا، لكن لما قصرت الهمم وخشي الضياع؛ دونوه، وأول من دوَّن الحديث: ابن شهاب الزهري على رأس المئة بأمر عمر بن عبد العزيز، وأوَّل من دوَّن الفقه ورتبه: إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل، ولما رآه مالك؛ شرع في «الموطأ» ودوَّنه ورتَّبه، وتبعه بعد ذلك المحدثون والفقهاء وغيرهم، ففضله عامٌّ على الجميع، وإنما يعرف الفضل من الناس ذووه، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة مسكنه ومأواه.
[1] في الأصل: (يعجزوا عنها فيستحقوا) ، وليس بصحيح.