فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 860

[حديث: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة]

133# وبه قال: (حدثنا) ؛ بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (قُتيبة) ؛ بضم القاف، وفي رواية زاد: (ابن سعِيد) ؛ بكسر العين، (قال: حدثنا الليث) ، زاد في رواية: (ابن سعد) ، (قال: حدثنا نافع) بن سَرْجَس؛ بفتح السين المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، آخره سين أخرى، وهو (مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب) : أصله من المغرب، أو من نيسابور، أو من سبي كابل، أو من جبال طالقان، أصابه عبد الله بن عمر في بعض غزواته وبعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلمهم السنن، المتوفى بالمدينة سنة سبع عشرة ومئة.

(عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما (أن رجلًا) ، قال في «عمدة القاري» : لم أقف على اسمه، (قام في المسجد) ؛ أي: النبوي في محل رفع خبر (إن) ، (فقال: يا رسول الله؛ من أين) : استفهام عن المكان (تأمرنا أن نُهِلَّ) ؛ أي: بأن نهل، و (أن) مصدرية، والتقدير: بالإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية في الحج والمراد به هنا الإحرام مع التلبية، فالسؤال عن موضع الإحرام، وهو الميقات المكاني.

(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُهِلُّ) ؛ بضم أوله؛ أي: يحرم (أهل المدينة) : جملة وقعت مقول القول (من) ابتدائية؛ أي: ابتداء إهلالهم من (ذي الحُلَيفة) ؛ بضم الحاء المهملة وفتح اللام، تصغير الحلَفة؛ باللام المفتوحة؛ كالقصبة

[ص 86]

وهي تنبت في الماء، وجمعها: حلفاء، وقيل: هي سَلسَة غليظة المسِّ لا يكاد أحد يقبض عليها؛ مخافة أن تقطع يده، وقد تأكل منها الغنم والإبل أكلًا قليلًا، وهي أحب شجرة إلى البقر، والواحدة منها حلفاة، وهي موضع بينه وبين المدينة ميل أو ميلان، والميل: ثلث فرسخ، وهو أربعة آلاف ذراع، ومنه إلى مكة عشر مراحل، وهي الشجرة، وفي موضع آخر: منها إلى المدينة خمسة أميال ونصف مكتوب على الميل الذي وراءها: قريب من ستة أميال من البريد، ومن هذا البريد أهلَّ النبي الأعظم عليه السلام، وبذي الحليفة عدة آبار ومسجدان للنبي الأعظم عليه السلام، المسجد الكبير الذي يحرم منه الناس والآخر مسجد المعرس، وهي أبعد المواقيت من مكة؛ تعظيمًا لأجر النبي الأعظم عليه السلام.

(ويُهلُّ) ؛ بضم أوله؛ أي: يحرم (أهل الشام) : عطف على قوله: (يُهلُّ أهل المدينة) ، وكذا قوله: (ويُهلُّ أهل نجد) : عطف عليه، والتقدير في الكل: ليهل؛ لأنَّه وإن كان في الظاهر على صورة الخبر، ولكنه في المعنى على صورة الأمر، والشآم؛ بالهمز وتركه، وهو طولًا من العريش إلى الفرات، وعرضًا من أيلة إلى بحر الروم.

(من الجُحْفة) ؛ بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، موضع بين مكة والمدينة من الجانب الشامي يحاذي الحليفة، وكان اسمها مَهْيَعة؛ بفتح الميم، وسكون الهاء، وفتح التحتية، سماها النبي الأعظم عليه السلام بذلك فأجحف السيل بأهلها؛ أي: أذهبه فسميت جحفة، وهي على ستة أو سبعة مراحل من مكة، وكانت قرية كبيرة جامعة بها منبر بينها وبين البحر ستة أميال، وغدير خم على ثلاثة أميال منها، وهي ميقات المتوجهين من الشام، ومصر، والمغرب، وهي على ثمانية مراحل من المدينة، وكان أهلها العماليق بني عبيل، وهم أخوة عاد من يثرب.

(ويُهلُّ) ؛ بضم أوله؛ أي: يحرم (أهل نَجْد) ؛ بفتح النون وضمها لغتان، وسكون الجيم، آخره دال مهملة، لغة: ما أشرف من الأرض واستوى، وسمِّيت نجد؛ لعلوه، أو لصلابة أرضه، وكثرة حجارته، وصعوبته، أو لفزع من يدخله؛ لاستيحاشه، وهو مذكَّر، ولو أريد البلد؛ أنِّث، وهي سبعة مواضع: الحجاز: والشام، والعذيب، والطائف، والمدينة، واليمامة، والبحرين إلى عمان، ونجد المشهورة فيها خلاف والأكثر على أنَّها اسم للأرض التي أعلاها تهامة وأسفلها العراق والشام، وقيل: إن نجد ما ارتفع من أرض تهامة إلى أرض العراق، وتمامه في «عمدة القاري» .

(من قَرْن) ؛ بفتح القاف وسكون الراء، جبل مدور أملس كأنه هضبة مطلٌّ على عرفات، فمن جاء على طريق نجد من جميع البلاد؛ فميقاته قرن المنازل، وهو شرق مكة ومنه إلى مكة اثنان وأربعون ميلًا، وقيل: من قال: بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال: بالفتح أراد الطريق الذي يفرق منه.

وقال ابن الأثير: الفتح ليس بصحيح، فضبط الجوهري لها بفتح الراء خطأ، وزعم الجوهري أيضًا: أن أويسًا [1] القرني بفتح القاف منسوب إليه وهو خطأ أيضًا، والصواب: سكون الراء، وإن أويسًامنسوب إلى قبيلة يقال لها بنوا قرن؛ فليحفظ.

(وقال ابن عمر) : عطف على لفظ (عن عبد الله بن عمر) عطفًا من جهة المعنى كأنه قال: قال نافع: قال ابن عمر، وقال: (ويزعمون) : عطف على مقدر؛ وهو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، ولا بدَّ من هذا التقدير؛ لأنَّ الواو لا تدخل بين القول ومقوله، والمراد من الزعم: إما القول المحقق، أو المعنى المشهور له؛ لأنَّه لا يراد من هؤلاء الزاعمين إلا أهل الحجة والعلم بالسنة، ومحال أن يقولوا ذلك بآرائهم؛ لأنَّ هذا ليس مما يقال بالرأي، كذا قرَّره الإمام بدر الدين في «عمدة القاري» ؛ فليحفظ.

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم) ؛ بفتح الهمزة، فـ (أن) مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي (زعم) ، وفي رواية مالك قال: (وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، (قال: ويُهل) ؛ بضم أوله؛ أي: يحرم (أهل اليمن من يَلَمْلَم) ؛ بفتح الياء التحتية وفتح اللامين، جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة، فإن أريد الجبل؛ فمنصرف، وإن أريد البقعة؛ فغير منصرف ألبتة، بخلاف قرن، فإنه على إرادة البقعة يجوز صرفه؛ لأجل وسطه، وتمامه في «عمدة القاري» .

(وكان ابن عمر) رضي الله عنهما (يقول) : جملة محلها النصب خبر (كان) : (لم أفقه) ؛ أي: لم أفهم ولم أعرف، وفي رواية في (الحج) : (لم أسمع) (هذه) ؛ أي: هذه المقالة (من رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهي: (يُهلُّ أهل اليمن من يَلَمْلَم) ، ففي الحديث: بيان المواقيت الثلاثة بالقطع، والرابع شك فيه ابن عمر، وقد ثبت هذا أيضًا بالقطع في حديث ابن عباس أخرجه الشيخان وآخرون، وفي رواية مسلم عن جابر وزاد فيه مسلم: (ومهلُّ العراق ذات عرق) ، وهو قول الجمهور، وأخرج هذه الزيادة أبو داود بالجزم عن عائشة، وكذا أخرجه النسائي؛ كل منهما برجال ثقات، فصارت ذات عرق ميقاتًا لأهل العراق بالنصِّ القطعي.

وزعم قوم أن أهل العراق لا وقت لهم محتجين بالحديث، ورُدَّ بأن الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي أخرج في كون الميقات لأهل العراق ذات عرق أربعة أحاديث عن الصحابة؛ وهم ابن عمر، وأنس، وجابر، وعائشة، وفي الباب عن ابن عباس عند الترمذي، والحارث بن عمرو عند أبي داود، وعمرو بن العاص عند الدارقطني.

وقال الشافعي: ميقات أهل العراق من العقيق؛ لحديث الترمذي عن ابن عباس: (وقَّت النبي عليه السلام لأهل المشرق العقيق) ، ولا حجَّة فيه؛ لأنَّ في إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف لا يحتجُّ به.

وقال الشافعي في «الأم» : (ذات عرق لأهل العراق كان باجتهاد ابن عمر لا بالنص؛ لحديث الباب) ، ورُدَّ بأنه ثبت ذلك بالنصِّ لا بالاجتهاد، كما علمت من الأحاديث الطافحة الدالة على ثبوته بالنص، وفيه أيضًا من معجزات النبي الأعظم عليه السلام؛ حيث أخبر أنه سيكون عراق ولهم مهل، ويسلمون ويحجون فكان ذلك، ووقَّت لأهل الشام الجحفة ولم يكن فتح، وقطع بلد الخليل لتميم الداري وكتب له بذلك، ولم يكن الشام إذ ذاك؛ فكان ذلك.

وفي الحديث: أيضًا أن هذه المواقيت لا يجوز مجاوزتها بغير إحرام سواء أراد حجًّا أو عمرة، فإن جاوزها بغير إحرام؛ يلزمه دم ولا يفسد حجُّه، وسيأتي تمام الكلام على ذلك في (الحجِّ) إن شاء الله تعالى بعونه، وقوَّته، وتوفيقه، فهو القادر على كل شيء.

[1] في الأصل (أويس) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت