فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 860

[حديث: أن النبي نام حتى نفخ ثم صلى]

138# وبه قال: (حدثنا) بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (علي بن عبد الله) المديني (قال: حدثنا سفيان) : هو ابن عيينة، (عن عَمرو) : هو ابن دينار المكي أنَّه (قال: أخبرني) بالإفراد (كُرَيْب) ؛ بضم الكاف، وفتح الرَّاء، وسكون التحتية، آخره موحدة: ابن أبي مسلم القرشي، مولى عبد الله بن عباس، المكنى بأبي رِشْدِيْن _بكسر الرَّاء، وسكون الشين المعجمة، وكسر الدَّال المهملة، وسكون التحتية، آخره نون_، المتوفى بالمدينة سنة ثمان وتسعين، وهو من أفراد الكتب الستة؛ فافهم، (عن ابن عباس) رضي الله عنهما: (أنَّ النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم نام) : جملة محلها الرفع خبر (أنَّ) ؛ أي: مضجعًا (حتى) للغاية؛ أي: إلى أن (نَفَخ) ؛ بفتح النُّون والخاء؛ أي: خيشومه وهو المعبر عنه بالغطيط، (ثم صلى) : وفي رواية: بإسقاط (ثم صلى) (وربما) : أصله للتقليل، وقد تستعمل للتكثير، وهنا تحتمل الأمرين، (قال) أي: سفيان: (اضطجع) عليه السلام (حتى) أي: إلى أن (نفخ، ثم قام فصلى) : والاضطجاع: وضع الجنب بالأرض لغة، والمراد به: النوم، فبين قوله: (نام حتى نفخ) وبين قوله: (اضطجع حتى نفخ) مساواة، والمراد أنَّ سفيان قال: (اضطجع حتى نفخ) بدل قوله: (نام حتى نفخ) ، ولفظة (قام) لا بد منها في الروايتين؛ لأنَّ التقدير في الأولى: نام حتى نفخ ثم قام فصلى، وتقدير الثانية: اضطجع حتى نفخ ثم قام فصلى، فما زعمه الكرماني وابن حجر ليس بشيء، كما لا يخفى.

قال ابن المديني: (ثم حدثنا به) ؛ أي: بالحديث (سفيان) ابن عيينة تحديثًا (مرةً بعد مرة) ؛ فهو بالنصب صفة لمصدر محذوف، وقوله: (بعد مرة) : كلام إضافي صفة لـ (مرة) ؛ يعني: أنَّه كان يحدثهم به تارة مختصرًا وتارة مطولًا، (عن عَمرو) أي: ابن دينار، (عن كُريب) : مولى ابن عباس، (عن ابن عباس) رضي الله عنهماأنَّه (قال: بِتُّ) ؛ بكسر الباء الموحدة، من بات يبيت بيتوتة (عند خالتي) : أم المؤمنين (ميمونة) : غير منصرفة؛ للعلمية والتأنيث، بنت الحارث الهلالية، وأختها لُبابة _بضم اللام وبالموحدتين_ زوجة العباس عم النبي الأعظم عليه السلام أم عبد الله والفضل وغيرهما (ليلةً) ؛ بالنصب على الظرفية، (فقام النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) مبتدئًا (من الليل) : فمعنى (من) الابتداء، أو قام من مضيِّ زمن من الليل، وفي رواية: (فنام) من النوم، وصوبها القاضي عياض؛ لقوله: (فلمَّا) : الفاء للعطف المحض، خلافًا لما زعمه ابن حجر (كان) ؛ أي: وجد، فهي تامة (في) : وفي رواية: (من) (بعض الليل) : ولفظة (في) زائدة؛ كقوله تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا} [هود: 41] ؛ أي: اركبوها، ولفظة: (من) في الرواية الأخرى زائدة أيضًا، وجواب (لمَّا) قوله: (قام النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (صلى الله عليه وسلم) : وقيل: إنَّ (كان) ناقصة، واسمها عائد لـ (الرسول) .

(فتوضأ) : وضوءه للصلاة (من شَنٍّ) ؛ بفتح الشين المعجمة وتشديد النُّون؛ أي: من قربة خلقة (معلقٍ) ؛ بالجر صفة لـ (شَنٍّ) على تأويله بالجلد، وفي رواية: (معلقة) ؛ بالتأنيث؛ لتأويله بالقربة (وضوءًا خفيفًا) ؛ بنصب الأول على المصدرية، ونصب الثاني على أنَّه صفته، (يخففه عَمرو) ؛ أي: ابن دينار، وهذا إدراج من سفيان بين كلام ابن عباس، والمراد به أن يكون بين الوضوءين، وليس المراد منه ترك الإسباغ، بل الاكتفاء بالمرة الواحدة مع الإسباغ، (ويقلله) ؛ أي: عمرو [1] بالاقتصار على مرة مرة، فالتخفيف يقابله التثقيل، فهو من باب الكيف، والتقليل يقابله التكثير، فهو من باب الكمِّ، وليس فيه دليل على وجوب الدلك كما زعمه ابن بطال؛ لأنَّ قوله: (يخففه) ينافي الدلك، فكيف يكون فيه دليل على وجوبه؟ ولا شك أنَّ وجوب الدلك زيادة على النص؛ وهو غير جائز، فلا يعول عليه، والجملتان محلهما النصب صفتان لقوله: (خفيفًا) .

(وقام) عليه السلام (يصلي) : وفي رواية: (فصلى) ، والجملة محلها النصب على الحال من الضمير الذي في (قام) (فتوضأت) ؛ أي: وضوءًا خفيفًا (نحوًا) ؛ بالنصب صفة لمصدر محذوف؛ أي: توضأ نحوًا (مما توضأ) عليه السلام، و (ما) يجوز أن تكون موصولة أو أن تكون مصدرية، وفي رواية تأتي: (فقمت فصنعت مثل ما صنع) ، وهي ترُدُّ على الكرماني؛ حيث زعم هنا أنَّه لم يقل: (مثلًا) ؛ لأنَّ حقيقة مماثلته عليه السلام لا يقدر عليها أحد غيره، انتهى.

ولا يلزم من إطلاق المثلية المساواة من كل وجه؛ فافهم.

قال ابن عباس: (ثم جئت فقمت عن يساره) ؛ أي: مجاوزًا، فمعنى (عن) : المجاوزة وتحتمل الظرفية، (وربما قال سفيان) ابن عيينة: (عن شِماله) ؛ بكسر الشين المعجمة: الجارحة، خلاف اليمين، وبالفتح: الريح التي تهب من ناحية القطب، وهي خلاف الجنوب، وهذا إدراج من علي ابن المديني، (فحولني) ؛ بالحاء المهملة، من التحويل؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام (فجعلني عن يمينه، ثم صلى) عليه السلام (ما شاء الله) : وذلك بأن جذبه فأداره من خلفه لا من قدامه؛ لئلا يمر بين يديه فإنَّه مكروه، ولم يذكر كيفية التحويل، ففي رواية: (أخذ برأسه فجعله عن يمينه) ، وفي أخرى: (وضع يده اليمنى على رأسي، فأخذ بأذني يفتلها) ، وفي أخرى: (فأخذ برأسي من ورائي) ، وفي بعضها: (بيدي أو عضدي) ، والرواية الثانية جامعة لهذه الروايات، وكلها عند المؤلف، فيستفاد منه أنَّ السُّنة أن يقوم المقتدي الواحد عن يمين الإمام، وهو مذهب الإمام الأعظم كما هو المنصوص عليه في كتب المذهب متونًا وشروحًا وفتاوًى، فإن وقف عن يساره أو خلفه؛ جاز ويكون مسيئًا، فما زعمه ابن بطال من أنَّ مذهب الإمام الأعظم: أن يقوم الواحد خلف الإمام؛ خطأ ظاهر، ووهم عاهر، وافتراء وجرأة، وسوء أدب، وجهل بالأحكام، وهو دليل على قلة علمه وأدبه.

(ثم اضطجع) عليه السلام (فنام حتى) أي: إلى أن (نفخ ثم أتاه المنادِي) ؛ بكسر الدَّال؛ أي: المؤذن بلال أو غيره (فآذنه) ؛ بالمد؛ أي: أعلمه، وفي رواية: (يؤذنه) ؛ بلفظ المضارع بدون الفاء، وفي أخرى: (فناداه) (بالصلاة) ؛ أي: صلاة الفجر، كما لا يخفى، (فقام) أي: المنادِي (معه) عليه السلام (إلى الصلاة) : ويجوز أن يقال: فقام النبي عليه السلام مع المنادي إلى الصلاة، وما زعمه الكرماني؛ فليس بشيء، (فصلى) عليه السلام (ولم يتوضأ) من النوم، قال سفيان بن عيينة: (قلنا لعمرو) أي: ابن دينار: (إن ناسًا) ؛ بغير همز في الأول؛ أي: جماعة (يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه) ؛ أي: ليعي الوحي إذا أوحي إليه في المنام، وهذا حديث صحيح كما سيأتي من وجه آخر، ففيه: دليل على أنَّ النوم ليس حدثًا، بل مظنته والنبي الأعظم عليه السلام كان لا ينام قلبه، فلو أحدث؛ لعلم بذلك، ولهذا تارة كان يتوضأ إذا قام من النوم، وتارة لا يتوضأ.

(قال عمرو) المذكور: (سمعت عبيد بن عمير) ؛ بالتصغير فيهما؛ أي: ابن قتادة الليثي المكي، قاضي مكة، مات قبل ابن عمر، وعبيد هذا من كبار التابعين، وقيل: إنَّه رأى النبي الأعظم عليه السلام، وعمير من الصحابة (يقول: رؤيا الأنبياء وحي) : رواه مسلم مرفوعًا عن أنس في (التوحيد) ، والرؤيا: مصدر؛ كـ (الرجعى) ، تختص برؤيا المنام، كما اختص الرأي بالقلب والرؤية بالعين، فإذا كانت وحيًا؛ فيترتب عليها ما يترتب على الوحي يقظة؛ لأنَّها حق.

(ثم قرأ) أي: عبيد بن عمير:(إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي

[ص 99]

أَذْبَحُكَ) [الصافات: 102] : وجه الاستدلال بالآية من جهة أنَّ الرؤيا لو لم تكن وحيًا؛ لما جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدام على ذبح ولده؛ لأنَّه محرَّم، فلولا أنَّه أبيح له في الرؤيا بالوحي؛ لما ارتكب الحرام؛ لأنَّه معصوم عنه كغيره من الأنبياء.

واختلف في الذبيح؛ فقيل: إنَّه إسحاق، وقيل: إسماعيل وهو الأصح، وقال الداودي: قول ابن عمير لا تعلق له بالباب، ورُدَّ بأنَّه ما زاده إلا لأجل أنَّ فيه من نوم العين دون نوم القلب، ولم يلتزم المؤلف ألَّا يذكر من الحديث إلا ما يتعلق بالترجمة فقط، وهذا لم يشترطه أحد.

وفي الحديث: أنَّ نومه عليه السلام مضطجعًا لا ينقض الوضوء، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام؛ لأنَّ يقظة قلوبهم تمنع عنهم الحدث، وما روي أنَّه عليه السلام توضأ بعد النوم؛ فذلك لعلمه أنَّه استثقل يومًا فاحتاج إلى الوضوء معه، أو أنَّه أحس بالحدث.

وفيه: جواز مبيت من لم يحتلم عند مَحرَمِه.

وفيه: مبيته عند الرجل مع أهله، وقد روي: أنَّها كانت حائضًا.

وفيه: جواز الإمامة في النافلة وصحة الجماعة فيها.

وفيه: جواز ائتمام واحد بواحد، وجواز ائتمام صبي ببالغ.

وفيه: أنَّ أقل الوضوء المجزئ إذا أسبغ مرة مرة مع التقاطر ولو قطرة واحدة.

وفيه: التعليم بالصلاة إذا كان بحركة، لا بحركات، فإنَّه مبطل.

وقال الداودي: فيه: أنَّ النوم الخفيف غير ناقض، ورُدَّ بأنَّه لا دلالة على ما قاله، فإنَّ نومه عليه السلام ليس خفيفًا، بل هو نوم معتاد وهو ناقض في حقِّنا.

وفيه: أنَّ النافلة كالفريضة في تحريم الكلام؛ لأنَّه عليه السلام لم يتكلم.

وفيه: دليل على منع الكلام في الصلاة مطلقًا ولو حرفًا واحدًا مفهمًا، وهو مذهب الإمام الأعظم، وهو حجة على الشافعي في إباحته الكلمة؛ لأنَّه لا دليل عليه.

وفيه: أنَّ الأدب أن يمشي الصغير عن يمين الكبير، والمفضول عن يمين الفاضل، وتمامه في «عمدة القاري» .

[1] في الأصل: (عمر) ، وليس بصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت