فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 860

[حديث: أن أزواج النبي كنَّ يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع]

146# وبه قال: (حدثنا يحيى بن بُكَير) ؛ بضم الموحدة وفتح الكاف، بالتصغير (قال: حدثنا الليث) ؛ أي: ابن سعد الفهمي من أتباع الإمام الأعظم على التحقيق (قال: حدثني) بالإفراد (عُقيل) ؛ بضم العين المهملة مصغرًا، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (عن عروة) : هو ابن الزبير، (عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها: (أنَّ أزواج النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) ؛ أي: ومنهن عائشة؛ بناء على أنَّ المتكلم يدخل في عموم كلامه أمرًا، أو نهيًا، أو خبرًا، لكن المرجح أنه لا يدخل، ولذا لو أمر الإمام بصيام ثلاثة؛ فيجب أو يندب صومها عليهم دونه؛ فتأمَّل، (كُنَّ) ؛ بتشديد النُّون، والجملة محلها الرفع خبر (أنَّ) (يخرجن) : جملة محلها النصب خبر (كان) (بالليل) : الباء ظرفية؛ أي: فيه (إذا) ظرفية (تبرَّزن) ؛ أي: إذا خرجن إلى البراز للبول والغائط، وأصله من (برَز) بفتح عين الفعل؛ إذا خرج إلى البَراز للغائط؛ وهو الفضاء الواسع (إلى المَناصِع) ؛ بفتح الميم وكسر الصَّاد المهملة، جمع مَنْصَع (مَفْعَل) كـ (مَقْعَد) من النصوع؛ وهو الخلوص، وهي المواضع خارج المدينة من جهة البقيع يتخلى فيها للحاجة، وسميت بالمناصع؛ لخلوصه عن الأبنية والأماكن، وتمامه في «عمدة القاري» ، والجار والمجرور يتعلق بـ (يخرجن) ، وقول الكرماني: إنه يتعلق بـ (تبرزن) ؛ بعيد وإن تبعه العجلوني تعصبًا؛ فافهم.

(وهو) مبتدأ؛ أي: المناصع (صعيدٌ) ؛ بالتنوين: التراب أو وجه الأرض (أَفْيَح) ؛ بفتح الهمزة، وسكون الفاء، وبالتحتية المفتوحة، وبالحاء المهملة، صفة وموصوف، خبر المبتدأ؛ أي: واسع، وأفرد الضمير مع رجوعه إلى المناصع؛ لأنَّها صارت علمًا للموضع، وهذه الجملة تفسير لـ (المناصع) ، وهو يحتمل أن يكون من عائشة، أو من عروة، أو ممن دونه من الرواة، كما في «عمدة القاري» ، واستظهر ابن حجر أنَّه من عائشة، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّه لا دليل على الظاهر؛ فافهم.

(فكان) بالفاء وفي رواية: بالواو (عمر) ؛ أي: ابن الخطاب رضي الله عنه (يقول) جملة محلها النصب خبر (كان) : (للنبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك) مقول القول؛ أي: امنعهن من الخروج من البيوت؛ بدليل قول عمر لسودة بعد نزول آية الحجاب: (قد عرفناك يا سودة) ، ويحتمل أنَّه أراد الأمر بستر وجوههن، فلما وقع الأمر على ما أراد؛ أحب أيضًا أن تحجب أشخاصهن مبالغة في التستر، فلم يُجَب؛ للضرورة، قال ابن حجر: وهذا أظهر الاحتمالين، واعترضه في «عمدة القاري» : بأنَّ هذا الاحتمال لا يدل عليه هذا الحديث؛ بل حديث آخر، وإنَّما الأظهر الاحتمال الأول بشهادة سياق الكلام، وأطال الكلام في ذلك؛ فراجعه فإنه في غاية التحقيق والتدقيق، ولعمري إنَّه الصواب؛ فافهم.

(فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل) ؛ أي: ما قاله عمر من حَجْبهن، والجملة محلها النصب خبر (كان) ، وفيه دليل على أنَّه عليه السلام كان ينتظر الوحي في الأمور الشرعية؛ لأنَّه لم يأمرهن بالحجاب مع وضوح الحاجة إليه حتى نزلت الآية، وكذا في الإذن لهنَّ بالخروج.

(فخرجت سودةُ بنتُ) ؛ بالرفع صفة لـ (سودة) (زَمَعَةَ) ؛ بالجرِّ على الإضافة ممنوع من الصرف؛ للعلمية والتأنيث، وهي بالزاي والميم والعين المهملة المفتوحات، وقال ابن الأثير في «النهاية» : وأكثر ما سمعنا أهل الحديث والفقهاء يقولونه بسكون الميم، ابن قيس القرشية العامرية (زوجُ النبي) الأعظم برفع (زوج) صفة، أو بدل، أو عطف بيان من (سودة) (صلى الله عليه وسلم) أسلمت قديمًا وبايعت، وكانت تحت ابن عمٍّ لها، يقال له: السكران بن عمرو، أسلم معها وهاجرا جميعًا إلى الحبشة، فلما قدما مكة؛ مات زوجها، فتزوجها النبي الأعظم عليه السلام ودخل بها بمكة، وذلك بعد موت خديجة، قبل

[ص 108]

أن يعقد [1] على عائشة رضي الله عنهما، وهاجرت إلى المدينة، فلما كبرت؛ أراد طلاقها، فسألته ألَّا يفعل، وجعلت يومها لعائشة فأمسكها، توفيت آخر خلافة عمر أو زمن معاوية رضي الله عنهما سنة أربع وخمسين بالمدينة، (ليلةً) ؛ بالنصب على الظرفية؛ أي: خرجت في ليلة (من الليالي عِشاءً) ؛ بكسر العين المهملة، وبالمد والنصب بدل من قوله (ليلة) ، والمراد به: ما بعد الغروب وقت العتمة، (وكانت) أي: سودة (امرأة طويلة) ؛ أي: فلا تخفى، (فناداها عمر) أي: ابن الخطاب بعد أن عرفها قائلًا في ندائه: (ألَا) ؛ بفتح الهمزة وتخفيف اللام: حرف استفتاح، ينبَّه بها على تحقق ما بعده (قد عرفناكِ) بكسر الكاف (يا سودةُ) منادى مفرد معرفة، مبني على الضم؛ (حِرصًا) ؛ بكسر الحاء المهملة؛ بالنصب على أنَّه مفعول له، والعامل فيه (فناداها) ، (على أن يُنزَل) ؛ بضم المثناة التحتية على صيغة المجهول، و (أن) مصدرية، وسقط لفظ (على) للأصيلي، وفي رواية: (أن يَنزِل) ؛ بفتح التحتية على صيغة المعلوم، و (أن) مصدرية؛ أي: على نزول (الحجابُ) ؛ بالرفع على الروايتين؛ أي: حكم احتجاب النساء عن الرجال، (فأنزل الله آية الحجاب) وفي رواية: (فأنزل الله الحجاب) ؛ أي: وتسترهن بالثياب، و (آية الحجاب) يحتمل أن يراد به: الجنس فيتناول الآيات الثلاثة؛ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ ... } الآية [الأحزاب: 59] ، وقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53] ، وقوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ... } [2] الآية [النور: 30] ، ويحتمل أن يراد بها العهد من واحدة من هذه الثلاث.

وقيل: المراد بـ (الحجاب) في قوله: (حرصًا على الحجاب) استتارهن بالثياب حتى لا يُرَى منهن شيء عند خروجهن، وأمَّا (الحجاب) الثاني؛ فهو إرخاؤهنَّ الحجاب بينهنَّ وبين الناس، انتهى.

وعليه فالمراد بـ (آية الحجاب) : قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا ... } الآية بخصوصها، لكن الأظهر أن يكون المراد بـ (آية الحجاب) ما في رواية أبي عوانة في «صحيحه» من طريق الزبيدي عن ابن شهاب: (فأنزل الله الحجاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ... } الآية [الأحزاب: 53] ) ، فهذه الرواية فسرت المراد من آية الحجاب صريحًا، وسيأتي أنَّ سبب نزولها قصة زينب بنت جحش لمَّا أوْلَمَ عليها وتأخر النفر الثلاثة في البيت، واستحى النبي الأعظم عليه السلام أن يأمرهم بالخروج، فنزلت آية الحجاب، وسيأتي أيضًا حديث عمر رضي الله عنه: (قلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهنَّ البرُّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب) ، وروى جرير في «تفسيره» من طريق مجاهد قال: (بينا النبي الأعظم عليه السلام يأكل ومعه بعض أصحابه وعائشة تأكل معهم؛ إذ أصابت يد رجل منهم يدها، فكره النبي الأعظم عليه السلام ذلك، فنزلت آية الحجاب) ، وطريق الجمع بين هذه أنَّ أسباب نزول الحجاب قد تعددت، وكانت قصة زينب آخرها للنص على قصتها في الآية، أو المراد بـ (آية الحجاب) في بعضها: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ} [الأحزاب: 59] .

والحجب ثلاثة؛ الأول: هو الأمر بستر وجوههن، يدل عليه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ ... } الآية، فالحجاب الذي خص به أمهات المؤمنين هو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادةٍ ولا غيرها.

الثاني: هو الأمر بإرخاء الحجاب بينهنَّ وبين الناس، يدل عليه قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} .

الثالث: هو الأمر بمنعهن من الخروج من البيوت إلا لضرورة شرعية، فإذا خرجن لا يظهر شخصهن كما فعلت حفصة يوم مات أبوها سترت شخصها حين خرجت، وزينب عملت لها قبة لما توفيت.

وكان لهن في التستر عند قضاء الحاجة ثلاث حالات؛ الأولى: بالظلمة؛ لأنَّهن كنَّ يخرجن بالليل دون النهار، كما قالت عائشة في هذا الحديث، وسيأتي في حديث عائشة في قصة الإفك: (فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع؛ وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلًا ... ) ؛ الحديث، ثم نزل الحجاب فتسترنَّ بالثياب، لكن ربما كانت أشخاصهنَّ تتميز، ولهذا قال عمر: (قد عرفناك يا سودة) ، وهذه هي الحالة الثانية، ثم لمَّا اتُّخذتِ الكنف في البيوت؛ منعنَّ عن الخروج منها وهي الحالة الثالثة، يدل عليه حديث عائشة أيضًا في قصة الإفك فإن فيها: (وذلك قبل أن تتخذ الكنف) ، وكانت قصة الإفك قبل نزول الحجاب.

وقال قتادة: الحجاب كان في السنة الخامسة، وقال أبو عبيد: في الثالثة، وقال ابن إسحاق: بعد أم سلمة، وقال ابن معبد: في السنة الرابعة في ذي القعدة، كذا قرره في «عمدة القاري» ، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (عقد) .

[2] في الأصل: {يغضضن من أبصارهن} ، والمثبت موافق للتلاوة.

[1] في الأصل: (عقد) .

[1] في الأصل: (عقد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت