فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 860

[حديث: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين]

159# وبه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأُوَيْسي) ؛ بضم الهمزة، وفتح الواو، وسكون المثناة التحتية، بالتصغير (قال: حدثني) بالإفراد (إبراهيم بن سعد) ؛

[ص 119]

بسكون العين المهملة، سبط عبد الرحمن بن عوف، (عن ابن شهاب) : محمد بن مسلم الزهري: (أنَّ عطاء) بالمد (بن يزيد) : الليثي التابعي (أخبره) : جملة محلها الرفع خبر (أنَّ) ؛ أي: أخبر عطاءٌ ابنَ شهاب (أنَّ) ؛ بفتح الهمزة وتشديد النُّون؛ أي: بأنَّ، (حُمْران) _بضم الحاء المهملة، وسكون الميم، وبالرَّاء_ ابن أَبَان _بفتح الهمزة والموحدة المخففة_ ابن خالد بن عبد عمرو، من سبي عين التمر، سباه خالد بن الوليد، فوجده غلامًا فطنًا فوجهه إلى عثمان، فأعتقه، وكان كاتبه وحاجبه، وولِّي نيسابور من الحجَّاج، ثم أغرمه الحجَّاج مئة ألف لأجل الولاية السابقة، ثم ردَّها عليه بشفاعة عبد الملك، وقوله: (مولى عثمان) ؛ أي: ابن عفان، جملة محلها النصب؛ لأنَّه صفة لـ (حُمرانَ) منصوب؛ لأنَّه اسم (أنَّ) ، ومنع من الصرف؛ للعلمية وزيادة الألف والنُّون، وحديث حُمران صحيح، توفي سنة خمس وسبعين (أخبره) ؛ أي: أخبر حمرانُ عطاءً: (أنَّه) ؛ أي: بأنَّه (رأى) أي: أبصر (عثمان بن عفان) : أمير المؤمنين ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمُّه أروى بنت عمة رسول الله عليه السلام، وهو أصغر من النبي عليه السلام، وسمي بذي النورين؛ لأنَّه تزوج بنتي سيد الكونين عليه السلام؛ رقية فماتت عنده ثم أم كلثوم، وقال النبي الأعظم عليه السلام له: «لو أنَّ لي أربعين ابنة؛ زوَّجتك واحدة بعد واحدة حتى لا يبقى منهن واحدة، وما زوَّجته إلا بالوحي من الله عز وجل» ، ولم يتفق لغيره أنَّه تزوج بنتَي نبي غيره، استُخلِف أول يوم من محرم سنة أربع وعشرين، وقُتِل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، قتله الأسود التُّجِيْبي؛ بضم الفوقية، وكسر الجيم، وسكون التحتية، والموحدة، المصري، ودفن بالبقيع ليلة السبت، وعمره اثنان وثمانون سنة، وصلى عليه حكيم بن حزام، أو جبير بن مطعم، أو المسور بن مخرمة، والأصح الأول، وكثرت الأموال في خلافته حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمئة ألف، ونخلة بألف درهم، وليس في الصحابة من اسمه عثمان بن عفان غيره رضي الله تعالى عنه.

وجملة (دعا) أي: عثمان (بإناء) ؛ أي: بظرف فيه الماء للوضوء؛ حال من عثمان بتقدير: (قد) كما في قوله تعالى: {أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء: 90] ، وفي رواية مسلم ورواية شعيب الآتية قريبًا: (دعا بوَضوء) ؛ بفتح الواو، اسم للماء المعدِّ للتوضؤ، ففيه: جواز الاستعانة بغيره في إحضار الماء وهو غير مكروه بالإجماع، (فأفرغ) الفاء تفسيرية؛ أي: صبَّ، يقال: فرِغ الماء _بالكسر_ إذا انصب، وأفرغته أنا؛ أي: صببته، وتفريغ الظروف: إخلاؤها (على كفيه) ؛ أي: واحدة بعد واحدة لا عليهما معًا، كما بيَّنتْه الرواية الأخرى، وهي أنَّه: (أفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثمَّ غسلهما) (ثلاث مرات) ؛ بالفوقية آخره، وفي رواية: (ثلاثَ مرار) ؛ بالرَّاء آخره، وهو منصوب على أنَّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: إفراغًا ثلاث مرات، (فغسلهما) ؛ أي: كفيه إلى الرسغين.

والرسغ: منتهى الكف عند المفصل، وفي «الضياء» : الرسغ؛ بالغين المعجمة: مفصل الكف في الذراع والقدم في الساق، وأمَّا الكوع؛ فهو العظم الذي يلي الإبهام في رأس الزند، ويقابله الكرسوع؛ وهو العظم الذي يلي الخنصر من اليد في طرف الزند، والرسغ بينهما، والبوع؛ العظم الذي يلي إبهام الرجل، وقد نظم ذلك بعض الحذَّاق فقال:

وعظم يلي الإبهام كوع وما يلي ... لخنصره الكرسوع والرسغ ما وسط

وعظم يلي إبهام رجل ملقب ... ببوع فخذ بالعلم واحذر من الغلط

وفي غسل اليدين ابتداءً ثلاثة أقوال: قيل: إنَّه فرض وتقديمه سنة، واختاره المحقق في «فتح القدير» ، وقيل: إنَّه سنة تنوب عن الفرض، واختاره في «الكافي» ، وقال شمس الأئمة السرخسي: إنَّه سنة لا تنوب عن الفرض؛ فيعيد غسلهما ظاهرهما وباطنهما، واستشكله في «الذخيرة» ، وظاهر كلام الشرَّاح: أنَّ المذهب الأول.

قلت: والظاهر: أنَّه لا مخالفة بين الأقوال، فإنَّ القائل بالفرضيَّة أراد أنَّه يجزئ عن الفرض، وأن التقديم سنة، وهذا معنى القول: بأنَّه سنَّة تنوب عن الفرض، فالظاهر على هذين القولين: يسنُّ إعادة غسل اليدين عند غسل الذراعين؛ ليكون آتيًا بالفرض قصدًا، ولا ينوب الغسل الأول منابه من هذه الجهة، وإن ناب منابه من حيث إنَّه لو لم يعده؛ سقط الفرض، كما يسقط لو لم ينو أصلًا؛ فتأمل.

واختلف في أن غَسْلَهما قبل الاستنجاء أو بعده، فقيل: سنَّة قبله فقط، وقيل: بعده فقط، وقيل: قبله وبعده، وإليه ذهب الجمهور وصحَّحه الإمام قاضيخان، وصاحب «النهاية» ، وحِكْمَته قبل الاستنجاء: المبالغة في اليدين لئلا يتشرب الجسد من النجاسة إذا لم يُغْسلا، وكيفية غسلهما: أنَّه إذا كان الإناء صغيرًا بحيث يمكن رفعه لا يدخل يده فيه، بل يرفعه بشماله ويصبُّه على كفه اليمنى ويغسلها ثلاثًا، ثم يأخذ الإناء بيمينه ويصبُّه على كفه اليسرى ويغسلها ثلاثًا، وإن كان الإناء كبيرًا لا يمكن رفعه، فإن كان معه إناء صغير يفعل كما ذكرنا، وإن لم يكن

[ص 120]

عنده إناء صغير؛ فيدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء، ويصبُّ على كفه اليمنى ثم يدخل اليمنى في الإناء ويغسل اليسرى، وعلَّله في «المحيط» بأنَّ الجمع بين اليدين في كل مرة غير مسنون.

وقوله: (غسلهما) قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين أو متفرقتين، وقال في «الحلية» : إنَّ الجمع سنة كما تفيده الأحاديث، والظَّاهر: أنَّ تقديم اليمنى على اليسرى؛ لأجل التيامن لا لما ذكره في «المحيط» ، ثم قال في «الحلية» : وظاهر الأحاديث: الجمع بينهما، وأنَّه لا يستحبُّ التيامن هنا، كما في غسل الخدين، والمنخرين، ومسح الأذنين، والخفين إلا إذا تعذَّر ذلك؛ فحينئذٍ يقدِّم اليمنى منها، انتهى.

قلت: ويدل لذلك قوله: (فغسلهما ثلاثًا) ؛ لأنَّه لو أراد التفريق لقال: غسلهما ثلاثًا ثلاثًا، ولا يرد نقل البلَّة؛ لأنَّهما كالعضو الواحد، ولأنَّها جائزة هنا لظاهر الأحاديث؛ فتأمل.

ومحلُّ غسلهما قبل إدخالهما الإناء الذي فيه الماء، ولو لم يكن عقب النوم، وهو الأصح، كما في «النهر» .

(ثم أدخل يمينه في الإناء) أي: للاغتراف بها منه، ففيه: أنَّه يسنُّ الاغتراف باليمين، وفيه: دلالة على عدم اشتراط نية الاغتراف نفيًا وإثباتًا؛ لأنَّ الحدث قد ارتفع بالغسل الأول، حتى قال في «الخانية» : المحدِث أو الجنب إذا أدخل يده في الإناء للاغتراف وليس عليهما نجاسة؛ لا يفسد الماء، وكذا إذا وقع الكوز في الحُب فأدخل يده إلى المرفق؛ لا يصير الماء مستعملًا، انتهى.

قلت: وإنَّما لم يصر الماء مستعملًا؛ لعدم النية، أمَّا لو نوى؛ صار الماء مستعملًا؛ لأنَّه ارتفع به الحدث، فالملاقى مستعمل؛ فافهم.

(فمضمض) وللأصيلي: (فتمضمض) ؛ بفوقية بعد الفاء، وهو عطف على مقدَّر؛ أي: فأخذ الماء من الإناء وأدخله في فيه فمضمض، والفاء: تفصيحية، وهي لغة: التحريك، وعند الفقهاء: استيعاب الماء جميع الفم سواء مجَّه أو لا؛ لكن الأفضل أن يمجَّه؛ لأنَّه ماء مستعمل كما في «البحر» ، وفي «فتح القدير» : لو شرب الماء عبًّا؛ أجزأه عن المضمضة، وإن مصًّا؛ لا يجزئه، فالمجُّ ليس بشرط على الأصحِّ، انتهى.

وقال القهستاني: (وهل يدخل إصبعه في فمه وأنفه؟ الأولى نعم) انتهى، وبه قال الإمام الزندوستي، كما في «المحيط» ، وقال الصدر الشهيد: المبالغة في المضمضة بالغرغرة، والاستنشاق بمجاوزة المارن سنَّة لغير الصائم.

قلت: لا يقال: (لا فائدة فيه؛ لأنَّه استاك قبله) ، لأنَّا نقول: بل فيه فائدة وهو وجود أثر الطعام الذي لا يخرجه السواك أو يتحلَّل من أجزاء السواك شيء لا يخرجه إلا الإصبع، وأمَّا الأنف؛ فظاهر؛ لأنَّه يوجد فيه بعض وسخ لزج لا يخرجه الماء، بل الإصبع، والله أعلم.

(واستنشق) ، وفي رواية: (واستنثر) ؛ بالمثلثة والرَّاء، بدل: (واستنشق) ، وثبتتا في رواية شعيب الآتية، قال ابن الأعرابي وابن قتيبة: الاستنثار: هو الاستنشاق، وقال النووي: الاستنثار: إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، قال: وهو الصواب، ويدلُّ عليه الرواية الأخرى: (استنشق واستنثر) ؛ فجمع بينهما، واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّ الصواب ما قاله ابن الأعرابي: من أنهما بمعنًى، وقوله: (ويدل عليه ... ) إلخ، لا يدلُّ على ما ادَّعاه؛ لأنَّ المراد منالاستنثار في هذه الرواية: الامتخاط؛ وهو أن يمتخط بعد الاستنشاق.

وقال ابن سيدة: استنثر: إذا استنشق الماء ثم استخرجه بنَفَسِ الأنف، والنثرة: الخيشوم وما ولاه، وتنشق واستنشق الماء في أنفه: صبه فيه، انتهى، ومثله في «القاموس» ، فالاستنثار يستلزم الاستنشاق من غير عكس فهو أخص لا أعم، خلافًا لما زعمه ابن حجر؛ فافهم.

قال في «عمدة القاري» : (وليس في طريق هذا الحديث تقييد المضمضة والاستنشاق بعدد غير طريق يونس عن الزهري فيما ذكره ابن المنذر، وكذا فيما ذكره أبو داود من وجهين آخرين عن عثمان رضي الله عنه فإنَّ في أحدهما: «فتمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا» ، وفي الأخرى: «ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا» ) انتهى.

قلت: والمضمضة والاستنشاق سنتان مشتملتان على سنن؛ منها: تقدم المضمضة على الاستنشاق بالإجماع؛ لاتفاق الروايات على ذلك، ومنها: التثليث في حق كل واحد بالإجماع، وأخذ ماء جديد في التثليث سنَّة عندنا، وإزالة المخاط باليسرى، كما في «المعراج» وفي «المبسوط» ، وفعلهما باليمين سنَّة، لكن في «المنية» أنه يستنشق باليسرى، والصحيح: أنَّه يستنشق بيمينه ويستنثر بيساره، كما في «شرح النقاية» للعلامة المنلا علي القاري.

(ثم غسل وجهه ثلاثًا) ؛ بالنصب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: غسلًا ثلاث مرات، والوجه حدُّه: طولًا من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن، وعرضًا ما بين شحمتي الأذنين، وعطف بكلمة (ثم) ؛ لأنَّها تقتضي الترتيب والمهلة، كما في «عمدة القاري» .

قلت: والترتيب والمهلة في كل شيء بحسبه، فلا حاجة أن يقال: إنَّ (ثمَّ) ؛ بمعنى الفاء؛ فافهم.

والحكمة في تأخير غسل الوجه عن المضمضة والاستنشاق: اعتبار أوصاف الماء؛ لأنَّ اللون يدرك بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف، فيقدَّم الأقوى منها، وهو الطعم، ثم الريح، ثم اللون، وهذا شامل لتخليل اللحية، وقد دلَّ عليه ما رواه الطبراني وأبي داود عن أنس قال: (وضأتُ النبيَّ عليه السلام فتوضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، وخلَّل لحيته مرتين أو ثلاثًا) ، وتمامه في «عمدة القاري» ؛ فافهم.

(و) غسل (يديه) كل واحدة (إلى) أي: مع (المَرفِقين) ؛ بفتح الميم وكسر الفاء وبالعكس لغتان مشهورتان (ثلاث مرار) ؛ بتكرار الرَّاء، وقد جاء ذلك مبيَّنًا في كتاب (الصوم) وعند مسلم، وفيهما تقديم اليمنى على اليسرى، والتعبير في كلٍّ منهما بكلمة (ثمَّ) ، وكذا في (الرجلين) أيضًا، والمرفق: موصل الذراع في العضد، واختلف في وجوب إدخال المرفقين في الغسل على قولين؛ فذهبت الأئمة الأربعة والجمهور: إلى الوجوب، وذهب الإمام زفر وأبو بكر بن داود: إلى عدم الوجوب، ورواه أشهب عن مالك، ومنشأ الخلاف من كلمة (إلى) ، كما سبق الكلام عليه.

تتمة: المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء _كما ذكرنا_ فرضان في الغسل، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، وسفيان الثوري، وقال عطاء، وابن أبي ليلى، وحماد، والزهري: المضمضة في الوضوء فرض فلو تركها؛ يعيد الوضوء.

وقال أحمد وأبو عبيد وأبو ثور: الاستنشاق في الوضوء فرض، فلو تركها؛ أعاده، والمضمضة ليست بفرض، قال ابن المنذر: وبقول أحمد أقول، وقال ابن حزم: هذا هو الحق؛ لأنَّ المضمضة ليست فرضًا، وإن تركها؛ فوضوؤه تامٌّ عامدًا أو ناسيًا؛ لأنَّه لم يصحَّ عنه عليه السلام فيها أمر، وإنَّما هي فعل، وأفعاله ليست فرضًا.

قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ الأمر بالمضمضة صحيح على شرطه، أخرجه أبو داود من حديث عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه مرفوعًا: «إذا توضأت؛ فمضمض» ، وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، وأخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، وقال البغوي: صحيح، وصحَّح إسناده الطبري والدولابي، وقال الحاكم: (صحيح ولم يخرِّجاه، وله شاهد من حديث ابن عباس) انتهى، وفيه نظر؛ لأنَّهما لم يشترطا ما ذكره؛ لذكرهما في كتابيهما أحاديث جماعة بهذه المثابة، ولئن سلَّمنا قوله؛ كان لقيط هذا خارجًا عمَّا ذكره؛ لرواية جماعة عنه، وأمَّا حديث ابن عباس؛ فذكره أبو نعيم الأصبهاني من حديث الربيع بن بدر، عن ابن جريج، عن عطاء، عنه يرفعه: «مضمضوا واستنشقوا» ، وقال حديث غريب، وأخرج البيهقي من حديث أبي هريرة عنه عليه السلام: (أنَّه أمر بالمضمضة والاستنشاق) ، وصحِّح إسناده.

وأخرج من

[ص 121]

حديث عائشة ترفعه: «المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بدَّ منه» ، وعند الدارقطني مرفوعًا: «من توضَّأ؛ فليمضمض» ، وتمامه في «عمدة القاري» .

وما قدَّمناه: من أنَّه يسنُّ التثليث في حقِّ كلِّ واحد منهما، فيفصل بينهما بغرفتين؛ يتمضمض بثلاث وكذا يستنشَّق بثلاث، ودليله: ما رواه الترمذي عن أبي حيَّة قال: رأيت عليًّا الصدِّيق الأصغر توضَّأ فغسل كفَّيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه مرَّة، ثمَّ غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثم قال: (أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله عليه السلام) ، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ومدلوله ظاهر؛ وهو أنه يتمضمض ثلاثًا؛ يأخذ لكلِّ مرَّة ماء جديدًا، ثم يستنشق كذلك، وهو رواية البويطي عن الشافعي، وفي رواية غيره: أنَّه يغرف غرفة يتمضمض منها ويستنشق، ثم يغرف غرفة يتمضمض منها ويستنشق، ثم يغرف ثالثة كذلك، فيجمع في كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق، واختلف نصه في الكيفيتين، فنصَّ في «الأمِّ» : أنَّ الجمع أفضل، ونصَّ البويطي: أنَّ الفصل أفضل، ووجه الفصل _كما هو مذهبنا_ ما رواه الطبراني عن كعب بن عمرو اليمامي: (أنَّه عليه السلام توضأ فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، فأخذ لكلِّ واحدة ماءً جديدًا) ، وكذا رواه أبو داود في «سننه» وسكت عنه، وهو دليل رضاه بالصحَّة.

وما روي في الأحاديث: أنَّه تمضمض واستنشق من كفٍّ واحد، فيحتمل أنَّه تمضمض واستنشق بكفٍّ واحدٍ بماءٍ واحد، ويحتمل أنَّه فعل ذلك بكف واحد بمياه، والمحتمل لا تقوم به صحة، أو يُرَدُّ هذا المحتمل إلى المحكم الذي ذكرناه؛ توفيقًا بين الدليلين، وقد يقال: إنَّ المراد استعمال الكف الواحد بدون الاستعانة بالكفين كما في الوجه، وقد يقال: إنَّه فعلهما باليد اليمنى ردًّا على من يقول: يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى؛ لأنَّ الأنف موضع الأذى كموضع الاستنجاء، كذا في «المبسوط» ، وقد يقال: إنَّ كل ما روي من ذلك في هذا الباب فهو محمول على الجواز، وتمامه في «عمدة القاري» ؛ فليحفظ.

(ثم مسح برأسه) ، وسقط: (ثم) في رواية، وكذا الموحَّدة في روايتي مسلم والمؤلف في (الصوم) ؛ فيفيد استيعاب المسح للرأس، بخلافه مع الباء الموحدة، ومذهب الإمام الأعظم: أن فرض المسح ربع الرأس، وقال مالك وأحمد: جميع الرأس، وقال الشافعي: بعضه؛ وهو يطلق بشعرة، وأمَّا المسنون في مسحه؛ فظاهر الحديث يدلُّ على استيعاب الرأس بالمسح مرة واحدة؛ لأنَّه لم يوجد شيء من طرقه في «الصحيحين» ذِكْرُ عدد للمسح؛ فيقتصر فيه على مرة واحدة، وبه قال الإمام الأعظم، ومالك، وأحمد، والجمهور.

وقال الشافعي: المسنون تثليث مسحه كغيره من الأعضاء؛ لظاهر رواية مسلم: أنَّه عليه السلام توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا.

وأجيب: بأنَّه مجمل وقد تبيَّن في الروايات الصحيحة أنَّ المسح لم يتكرر، فيحمل على الغالب أو يُخصُّ بالمغسول، قال أبو داود في «السنن» : أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة، وكذا قال ابن المنذر: إنَّ الثابت عنه عليه السلام في المسح مرة واحدة، وبأن المسح مبني على التخفيف؛ فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأنَّ العدد لو اعتبر في المسح؛ لصار في صورة الغسل؛ لأنَّ حقيقة الغسل جريان الماء.

وبالغ أبو عبيد القاسم بن سلام، فقال: لا نعلم أحدًا من السلف استحبَّ تثليث مسح الرأس إلا إبراهيم التيمي، قال في «عمدة القاري» : وفيه نظر؛ لأنَّ ابن أبي شيبة حكى ذلك عن أنس، وابن جبير، وعطاء، وميسرة؛ أنهم كانوا إذا توضَّؤوا؛ مسحوا رؤوسهم ثلاثًا، وفي «سنن أبي داود» بسند صحيح عن حُمران وفيه: (ومسح رأسه ثلاثًا) ، وفيه أيضًا من حديث علي رفعه: (ومسح برأسه ثلاثًا) ، وسنده صحيح.

وفي «سنن الدارقطني» : عن عمر ووصف وضوء النبي عليه السلام وقال: (ومسح برأسه ثلاثًا) ، وروى الدارقطني في «سننه» أيضًا: عن محمد بن محمود الواسطي، عن شعيب بن أيوب، عن أبي يحيى الحماني، عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي: (أنَّه توضَّأ ... ) الحديث، وفيه: (ومسح برأسه ثلاثًا) ثم قال: هكذا رواه أبو حنيفة عن علقمة بن خالد، وخالفه بعض الحفاظ فرووه عن خالد بن علقمة فقالوا فيه: (ومسح رأسه مرة واحدة) ، ومع خلافه إياهم قال: إنَّ السنة مسح الرأس مرة واحدة.

وأجيب: بأنَّ الزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما من مثل الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وسيدهم.

وأمَّا قوله: (فقد خالف في حكم المسح) ؛ فخطأ غير صحيح؛ لأنَّ تكرار المسح ثلاثًا مسنون عند الإمام الأعظم وأصحابه، وكتب مذهبه طافحة بذلك، ولكن بماء واحد؛ لظاهر الأحاديث التي ذكرناها.

وأما كيفية المسح؛ فعند النسائي من حديث عبد الله بن زيد: (ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه) ، وعند الطبراني: (بدأ بمؤخر رأسه، ثمَّ جرَّه إلى قفاه، ثم جرَّه إلى مؤخره) ، وعند أبي داود: (بدأ بمؤخره، ثم بمقدمه، وبأذنيه كليهما) ، وعند أبي داود عن أنس: (أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه) ، وفي كتاب ابن السكن: (فمسح باطن لحيته وقفاه) ، وفي «سنن أبي داود» : عن ابن عباس وصف وضوء علي بن أبي طالب قال: (وأخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء، فصبها على ناصيته، فتركها تستن على وجهه) ، وفيه من حديث معاوية مرفوعًا: (فلما بلغ رأسه؛ غرف غرفة من ماء، فتلقَّاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كان يقطر) ، وبهذا يُرَدُّ على من قال: لو كرَّر المسح؛ لصار غسلًا؛ فخرج عن وظيفة المسح، ويردُّ أيضًا بأنَّ المسح ثلاثًا بماء واحد لايسع أحدًا أن يقول: إنَّه يصير غسلًا، أمَّا لو كرَّره ثلاثًا بمياه ثلاثة _كما يقول الشافعي_؛ فلا ريب أنَّه يصير غسلًا، ويخرج عن وظيفة المسح، ولأنه لم يوجد في الأحاديث أنه كرر بمياه ثلاثة، ولا شكَّ أنه إسراف منهي عنه؛ فليحفظ.

(ثم غسل رجليه) غسلًا (ثلاثَ مرار) ؛ بتكرار الرَّاء، فهو منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: غسلًا ثلاث مرار (إلى) أي: مع (الكعبين) ؛ وهما العظمان المرتفعان عند آخر مفصل الساق والقدم.

وفي الحديث: الترتيب بين المسنون والمفروض؛ وهما المضمضة وغسل الوجه، فيفيد أن الترتيب سنة، وهو مذهب الإمام الأعظم رضي الله عنه، ويدلُّ لذلك الآية المعهودة؛ كما مر الكلام عليه، ومذهب مالك: أن الترتيب في المفروض دون المسنون واجب، والمشهور عنه أنَّه سنة، ومذهب الشافعي: وجوبه، وقال المزني من أصحابه: إنَّه غير واجب، واختاره ابن المنذر، وحكاه البغوي عن أكثر المشايخ؛ فليحفظ.

(ثم قال) أي: عثمان رضي الله عنه: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من) موصولة فيها معنى الشرط في محل رفع على الابتداء، وقوله: (توضأ) جملة وقعت صلة للموصول (نحوَ وضوء) كلام إضافي منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: من توضأ وضوءًا نحو وضوء، (هذا) ، والإشارة إلى وضوئه ثلاثًا ثلاثًا، ولفظ: (نحو) ؛ بمعنى: مقارب، لا مماثل.

قال النووي: وإنما قال: نحو وضوء، ولم يقل: مثل؛ لأنَّ حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره، انتهى، وفيه نظر؛ لأنَّ المثلية ثبت التعبير بها في رواية للمؤلف في (الرقاق) ، ولفظها: (من توضأ مثل هذا الوضوء) ، وعند مسلم: (من توضأ مثل وضوئي هذا) ، وكلُّ واحد من لفظة: (نحو) و (مثل)

[ص 122]

من أداة التشبيه، والتشبيه لا عموم له سواء قال: نحو وضوئي أو مثل وضوئي، فلا يلزم ما ذكره النووي، وحينئذٍ فلا فرق في التعبير بين (نحو) و (مثل) .

وقول ابن حجر: (فالتعبير بـ «نحو» من تصرف الرواة؛ لأنَّها تطلق على المثلية مجازًا) ؛ ليس بشيء؛ لأنَّه قد ثبت في اللغة مجيء (نحو) بمعنى: مثل، يقال: هذا نحو ذلك؛ أي: مثله؛ فافهم، ذكره في «عمدة القاري» ؛ فليحفظ.

(ثم صلى ركعتين) : قبل جفافه، ولو صلى عقبه فريضة؛ حصلت له هذه الفضيلة كما تحصل تحية المسجد بذلك، كما في «شرح المشكاة» ، ومحل هذه الصلاة في كل وقت إلا الأوقات المنهية من طلوع الشمس إلى أن ترتفع، وعند استوائها إلى أن تزول، وعند اصفرارها إلى أن تغرب، وقال مالك: ليست هذه الصلاة من السنن، والحديث حجة عليه، والله أعلم.

(لا يحدِّث فيهما) أي: في الركعتين (نفسه) ، وحديث النفس قسمان: ما يهجم عليها ويتعذر دفعه [1] ، وما يسترسل معها ويمكن قطعه، فيحمل الحديث عليه دون الأول؛ لعسر اعتباره.

وقوله: (يحدث) من باب التفعيل، وهو يقتضي التكسُّب من أحاديث النفس، ودفع هذا ممكن، وأمَّا ما يهجم من الخواطر والوساوس؛ فإنَّه يتعذر دفعه؛ فيُعفَى عنه، ونقل عياض: أن المراد: من لم يحصل له حديث النفس أصلًا ورأسًا، وتعقَّبه النووي فقال: حصول هذه الفضيلة مع طرآن الخواطر العارضة غير المستقرة، نعم؛ من اتفق أن يحصل له عدم حديث النفس أصلًا أعلى درجة بلا ريب، ثم حديث النفس يعمُّ الخواطر الدنيوية والأخروية، والحديث محمول على المعلَّق بالدنيا فقط؛ لما جاء في رواية في هذا الحديث ذكره الحكيم الترمذي في (الصلاة) بلفظ: «لا يحدِّث فيهما نفسه بشيء من الدنيا ثم دعا؛ إلا استجيب له» ، انتهى، فإذا حدَّث نفسه فيما يتعلق بأمور الآخرة كالفكر في معاني المتلوِّ من القرآن، والمذكور من الدعوات والأذكار، أو في أمر محمود، أو مندوب إليه؛ فلا يضره ذلك، وقد ورد عن عمر بن الخطاب أنَّه قال: (لأجهِّز الجيش وأنا في الصلاة) ، كذا في «عمدة القاري» .

وفي هذا دليل واضح على أن الخشوع في الصلاة وغيرها غير شرط للصحة، بل هو مندوب ولا يسعنا غيره، خلافًا لمن زعم أنَّه شرط؛ فليحفظ.

وجواب الشرط قوله: (غُفِر له) ؛ بضم الغين المعجمة بالبناء للمفعول، وفي رواية: (غفر الله له) ، والجملة محلُّها رفع على الخبرية (ما تقدم) : في محل رفع؛ لأنَّه مفعول ناب عن الفاعل (مِن) : للبيان (ذنبه) ؛ يعني: من الصغائر دون الكبائر، كذا هو مبيَّن في «مسلم» ، وظاهر الحديث يعم جميع الذنوب، ولكنَّه خصَّ بالصغائر؛ لوروده مقيَّدًا باستثناء الكبائر في غير هذه الرواية، وأمَّا الكبائر؛ فإنَّما تُكفَّر بالتوبة، وكذلك مظالم العباد.

فإن قيل: حديث عثمان رضي الله عنه الآخر الذي فيه: «خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» مرتَّب على الوضوء وحده، فلو لم يكن المراد بما تقدم من ذنبه من هذا الحديث العموم والصغائر في ذلك؛ لكان الشيء مع غيره كالشيء لا مع غيره، فإنَّ فيه الوضوء والصلاة، وفي الأول الوضوء وحده وذلك لا يجوز.

وأجيب: بأن قوله: (خرجت خطاياه) لا يدل على خروج جميع ما تقدم له من الخطايا، فيكون بالنسبة إلى يومه أو إلى وقت دون وقت، وأمَّا قوله: (ما تقدم من ذنبه) ؛ هو عام بمعناه وليس له بعض متيقن؛ كالثلاثة في الجمع؛ أعني: الخطايا، فيحمل على العموم في الصغائر.

وقال ابن حجر: وهو في حقِّ من له صغائر وكبائر، ومن ليس له إلا صغائر؛ كُفِّرت عنه، ومن ليس له إلا كبائر؛ خُفِّف عنه منها بمقدار ما لصاحب الصغائر، ومن [ليس] له صغائر ولا كبائر له؛ يزاد في حسناته بنظير ذلك.

ورده في «عمدة القاري» : (بأن الأقسام الثلاثة الأخيرة غير صحيحة، أما الذي ليس له إلا صغائر؛ فله كبائر أيضًا؛ لأنَّ كل صغيرة تحتها صغيرة فهي كبيرة، وأمَّا الذي ليس له إلا كبائر؛ فله صغائر؛ لأنَّ كل كبيرة تحتها صغيرة، وإلا؛ لا تكون كبيرة، وأمَّا الذي ليس له [2] صغائر؛ فله كبائر أيضًا؛ لأنَّ ما فوق الصغيرة التي ليس تحتها صغيرة؛ فهي كبائر؛ فافهم) انتهى كلامه، وتمامه مبسوط في «كشف الحجاب عن العوام» .

ثم قال في «عمدة القاري» : (والثواب الموعود به مرتب على أمرين؛ الأول: وضوءُه على النحو المذكور، والثاني: صلاته ركعتين عقيبه بالوصف المذكور في الحديث، والمرتَّب على مجموع أمرين لا يلزم ترتُّبه على أحدهما إلا بدليل خارج، وقد يكون للشيء فضيلة بوجود أحد جزئيه، فيصح كلام من أدخل هذا الحديث في فضل الوضوء فقط؛ لحصول مطلق الثواب، لا الثواب المخصوص على مجموع الوضوء على النحو المذكور والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور) انتهى، والله أعلم.

160# (وعن إبراهيم) ؛ أي: ابن سعد السابق، فهو معطوف على قوله: (حدثني إبراهيم) ، فهو موصول وليس بتعليق، كما زعم مغلطاي، والكرماني، وغيرهما، فقد أخرجه مسلم والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بالإسنادين معًا وإن كانا جميعًا عند يعقوب؛ فلا مانع أن يكون عند الأويسي، ثم وجدت الحديث الثاني عند أبي عوانة في «صحيحه» من حديث الأويسي المذكور، قاله ابن حجر.

واعترضه في «عمدة القاري» بأنَّه لا يلزم من إخراج مسلم والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن سعد موصولًا أن يكون كذلك عند المؤلف، غاية ما في الباب أنَّه يحتمل أن يكون معقَّبًا بحديث إبراهيم الأول؛ فيكون موصولًا، وبمجرَّد الاحتمال لا يتعيَّن نفي كونه معلقًا، والحال: أنَّ صورته صورة التعليق وإليه أقرب، وكذا لا يلزم من كونه عند أبي عوانة من حديث الأويسي أن يكون موصولًا عند المؤلف؛ لاحتمال عدم السماع منه، كما لا يخفى، وتمامه فيه؛ فليحفظ.

(قال: قال صالح بن كَيْسان) ؛ بفتح الكاف وسكون المثناة التحتية، (قال ابن شهاب) : محمد بن مسلم الزهري، فإبراهيم هنا يروي عن ابن شهاب بالواسطة؛ وهو صالح، وروى عنه في أول الباب بلا واسطة (ولكن عروة) أي: ابن الزبير بن العوام (يحدث عن حُمْرَان) ؛ بضم الحاء المهملة، وهذا استدراك من ابن شهاب، وأشار إلى أنَّ شيخَي ابن شهاب في هذا الحديث؛ وهما عطاء بن يزيد وعروة بن الزبير اختلفا في روايتهما عن حُمران عن عثمان بن عفان؛ فحدَّث به عطاء على وجه، وعروة على وجه، وليس ذلك باختلاف؛ لأنَّهما حديثان متغايران، وقد رواهما معًا عن حُمران معاذ بن عبد الرحمن، فأخرج المؤلف من طريقه نحو سياق عطاء، ومسلم من طريقه نحو سياق عروة، وأخرجه أيضًا من طريق هشام بن عروة عن أبيه، كذا في «عمدة القاري» .

وقال القسطلاني: فأمَّا صفة تحديث عطاء؛ فتقدَّمت، وأمَّا صفة تحديث عروة؛ فأشار إليها بقوله: (قال: فلما توضأ عثمان) رضي الله عنه، وسقط في رواية لفظة: (قال) ، وهذا عطف على محذوف؛ تقديره: عن حمران أنَّه رأى عثمان دعا بإناء؛ فأفرغ على كفيه إلى أن قال: ثم غسل رجليه إلى الكعبين، فلمَّا توضَّأ؛ (قال: ألا) بفتح الهمزة، للتنبيه (أحدِّثكم) ، وفي رواية الأربعة: (لأحدثَّنكم) : جواب قسم محذوف؛ أي: والله لأحدثنَّكم (حديثًا) ؛ بالنصب على أنه مفعول ثان لـ (أحدثنكم) (لولا) ؛ لربط امتناع الثانية لوجود الأولى، نحو: لولا زيد؛ لأكرمتك؛ أي: لولا زيد موجود؛ لأكرمتك (آيةٌ) : مبتدأ وخبره محذوف هنا وجوبًا؛ والتقدير: لولا آية ثابتة، وفي «مسلم» : (لولا آية في كتاب الله) ، وقال القاضي عياض: (لولا آية) : هكذا

[ص 123]

هو بالمدِّ والياء المثناة التحتية، ورواه الباجي: (لولا أنَّه) ؛ بالنُّون؛ يعني: لولا أنَّ معنى ما أحدثكم به في كتاب الله؛ ما حدثتكم، وفي «المطالع» : قول عثمان: (لولا أنَّه في كتاب الله) ؛ بالنُّونفيرواية يحيى، وجماعة معه، وكذا لابن ماهان في «مسلم» ، وعند ابن مصعب، وابن وهب، وآخرين من رواية «الموطأ» : (لولا آية) ، وهي رواية الجلودي في «مسلم» ، وبهذا ظهر بطلان قول ابن حجر: صحَّف بعض رواته (آية) ، فجعلها (أنَّه) ؛ بالنُّون المشددة، وبهاء الشأن؛ فافهم.

وقوله: (ما حدثتكموه) : جواب (لولا) ، واللام محذوفة منه؛ ومعناه: لولا أنَّ الله تعالى أوجب على من علم علمًا إبلاغه؛ لما [3] كنت حريصًا على تحديثكم، ولما كنت مكترثًا [4] بتحديثكم، (سمعت النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) حال كونه (يقول) فالجملة محلها نصب على الحال: (لا يتوضأ) ، وفي رواية: (لايتوضَّأنَّ) ؛ بنون التوكيد الثقيلة (رجل) ومثله المرأة (فيحسن) ، وفي رواية: بدون الفاء؛ أي: يحسن (وضوءه) ؛ من الإحسان، ومعنى إحسان الوضوء: الإتيان به تامًّا بصفته، وآدابه، وتكميل سننه، وهو بالرفع عطف على قوله: (لا يتوضأ) ، وكلمة الفاء هنا؛ بمعنى (ثم) ؛ لأنَّ إحسان الوضوء ليس متأخِّرًا عن الوضوء حتى يعطف عليه بالفاء التعقيبية، وإنَّما موقعها موقع (ثم) التي هي لبيان المرتبة وشرفها، دلالة على أن الإحسان في الوضوء والإجادة فيه من محافظة السنن ومراعاة الآداب أفضل من أداء ما وجب مطلقًا، ولا شك أن الوضوء المحسنَ فيه أعلى رتبة من الغير المحسنِ فيه؛ فليحفظ.

(ويصلي الصلاة) ؛ أي: المكتوبة، وفي رواية لمسلم: (فيصلي هذه الصلوات الخمس) (إلا غُفِر) ؛ بضم الغين المعجمة، مبني للمفعول (له) ؛ أي: لا يتوضأ رجل إلا رجل غفر له، فالمستثنى محذوف؛ لأنَّ الفعل لا يقع مستثنى، أو التقدير: لا يتوضَّأ رجل في حال إلا في حال المغفرة، فيكون الاستثناء من أعمِّ عام الأحوال (ما بينه وبين الصلاة) ؛ أي: التي تليها، كما صرَّح به مسلم في رواية هشام بن عروة (حتى يصليها) ؛ أي: يفرغ منها، ولفظة: (حتى) غاية لحصول [5] المقدَّر العامل في الظرف؛ لأنَّ الغفران لا غاية له، وقال ابن حجر: (معناه: أن يشرع في الصلاة الثانية) ، وردَّه في «عمدة القاري» ؛ حيث قال: وهذا معنى فاسد؛ لأنَّ قوله: «ما بينه وبين الصلاة» : يحتمل أن يراد به بين الشروع في الصلاة وبين الفراغ منها، ولمَّا كان المراد الفراغ منها؛ أشار عليه بقوله: «حتى يصليها» ، ولهذا لم يكتف بقوله: «بين الصلاة» ؛ لأنَّه لا يغني عن ذكر «حتى يصليها» ؛ لما ذكرنا، انتهى، وتمامه في «كشف الحجاب عن العوام» ، ثم قال في «عمدة القاري» : والمراد بهذا وأمثاله غفران الصغائر، كما سبق، وجاء في «مسلم» : «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها؛ إلا كانت كفَّارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة» ، وفي الحديث الآخر: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفِّرات لما بينهنَّ إذا اجتنبت الكبائر» ، لا يقال: إذا كفَّر الوضوء؛ فماذا تكفِّر الصلاة؟! وإذا كفَّرت الصلاة؛ فماذا تكفِّر الجمعات ورمضان؟! وكذا صيام عرفة يكفِّر سنتين، ويوم عاشوراء كفَّارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه؛ لأنَّا نقول: المراد: أنَّ كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفِّره من الصغائر؛ كفَّره، وإن لم يصادف صغيرة؛ رجي أن يخفف من الكبائر، والله تعالى أعلم.

(قال عروة: الآية) : هي قوله تعالى: ( {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا} ) ، زاد في رواية: ( {مِنَ البَيِّنَاتِ} ) ، وفي رواية: ( {مَا أَنزَلْنَا .. } ... ؛ الآية) ؛ أي: التي في سورة (البقرة) إلى قوله: { ... اللَّاعِنُونَ} ، كما صرَّح به مسلم، وقد روى مالك في «الموطأ» هذا الحديث عن هشام بن عروة، ولم يقع في روايته تعيين الآية، فقال من نفسه: [6] أراه يريد: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] ، والصواب: قول عروة؛ يعني: لئلَّا يتكل الناس، فكيف بالنهي عن الكتمان أوجب عليه الحديث؛ مخافة الكتمان؟! والآية وإن كانت نزلت في أهل الكتاب، ولكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فدخل فيها كل من علَّم علمًا تعبَّد اللهُ العبادَ بمعرفته، ولزمه من تبليغه ما لزم أهل الكتاب منه، ففيه: أن الفرض على العالم تبليغ ما عنده من العلم؛ لأنَّ الله تعالى قد توعَّد الذين يكتمون ما أنزل الله باللعنة، وظاهر الحديث: يدل على أن المغفرة المذكورة لا تحصل إلا بالوصف المذكور وإحسانه والصلاة، وفي «الصحيح» من حديث أبي هريرة: «إذا توضأ العبد المسلم؛ خرجت خطاياه» ، ففيه: أن الخطايا تخرج مع آخر الوضوء حتى يفرغ من الوضوء نقيًّا من الذنوب، وليس فيه ذكر الصلاة؛ فيحتمل أن يحمل حديث أبي هريرة عليها، لكن يبعده أنَّ في رواية لمسلم في حديث عثمان: «وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة» ، ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص، فشخص يحصل له ذلك عند الوضوء، وآخر عند تمام الوضوء، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (دفعها) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] زيد في الأصل: (إلا) ، ولعل حذفها هو الصواب

[3] في الأصل: (كما) .

[4] في الأصل: (متكثرًا) ، ولعله تحريف عن المثبت.

[5] في الأصل: (لحصل) .

[6] في الأصل:.

[1] في الأصل: (دفعها) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] زيد في الأصل: (إلا) ، ولعل حذفها هو الصواب

[3] في الأصل: (كما) .

[4] في الأصل: (متكثرًا) ، ولعله تحريف عن المثبت.

[5] في الأصل: (لحصل) .

[1] في الأصل: (دفعها) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] زيد في الأصل: (إلا) ، ولعل حذفها هو الصواب

[3] في الأصل: (كما) .

[4] في الأصل: (متكثرًا) ، ولعله تحريف عن المثبت.

[5] في الأصل: (لحصل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت