[حديث: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ثم لينثر]
162# وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التِّنِّيسي (قال: أخبرنا مالك) : هو ابن أنس، (عن أبي الزِناد) ؛ بكسر الزاي، وبالنُّون: عبد الله بن ذكوان؛ بالذال المعجمة، (عن الأعرج) : هو عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة) ؛ هو عبد الرحمن بن صخر
[ص 125]
رضي الله عنه: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال) : جملة محلها رفع خبر (أنَّ) : (إذا) للشرط (توضأ) ؛ أي: أراد أن يشرع في الوضوء (أحدكم) وجواب الشرط مع الفاء قوله: (فليجعل في أنفه) ؛ أي: فيصير، يقال: جعلته كذا؛ أي: صيرته، وقيل: معناه: فليُلْقِ، والأول أظهر، وفي الكلام حذف المفعول؛ لدلالة الكلام عليه؛ والتقدير: فليجعل في أنفه ماء، وهي رواية الأكثر، وفي رواية أبي ذر: (فليجعل في أنفه ماء) ؛ بدون الحذف، وكذا اختلفت رواة «الموطأ» في إسقاطه وذكره، وثبت ذكره لمسلم من رواية سفيان عن أبي الزناد، (ثم لينْثُر) ؛ بضم المثلثة بعد النُّون الساكنة، من الثلاثي المجرد، وفي رواية: (ثم لينتثر) ؛ بزيادة مثناة فوقية بين النُّون والمثلثة، من باب الافتعال، وقد جاءت الروايتان في «الموطأ» ، قال الفراء: يقال: نثر الرجل، وانتثر، واستنثر؛ إذا حرك النثرة؛ وهي طرف الأنف في الطهارة، وقد سبق الكلام عليه، وهذه الجملة معطوفة على (فليجعل) ، أفاده في «عمدة القاري» ، (ومن استجمر) بالأحجار، والجملة شرطية، وجوابه قوله: (فليوتر) ؛ بواحد أو بثلاث أو بخمس إلى أن يحصل الإنقاء، فليس فيه عدد مسنون، بل المقصود إنقاء المحل، هذا مذهب الإمام الأعظم، والإمام مالك، والجمهور، كما سبق الكلام عليه.
وفيه: أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالمسح بالأحجار، بل يبقى نجسًا معفوًا عنه في حق الصلاة حتى إذا أصاب موضع المسح بللٌ وابتلَّ به سراويله أو قميصه؛ ينجسه، بناء على أن الحجر مخفف لا قالع، وهذا أحد قولين، وهو المعتمد، والثاني: أنَّه يطهر، ولو وقع في الماء؛ لا ينجسه.
(وإذا استيقظ) : الاستيقاظ بمعنى التيقظ، وهو لازم، وهو عطف على قوله: (إذا توضأ) ، والظاهر من سياق المؤلف أنَّه حديث واحد، لكن قال ابن حجر: إنَّه أخرجه أبو نعيم من «الموطأ» مفرقًا، وكذا فرَّقه الإسماعيلي، وأخرج مسلم الحديث الأول من طريق ابن عيينة، والثاني من طريق المغيرة، وردَّه في «عمدة القاري» : بأنَّه لا يلزم من ذلك كله ألَّا يكون الحديث واحدًا، وقد يجوز أن يُروَى حديث واحد مقطعًا من طرق مختلفة، فمثل ذلك وإن كان حديثين أو أكثر بحسب الظاهر؛ فهو في نفس الأمر حديث واحد؛ فافهم، انتهى.
(أحدكم من نومه) : ظرف لغو أو حال، قيد به؛ ليخرج النعاس والغفلة، وأضاف النوم إلى ضمير (أحدكم) ؛ ليخرج نومه عليه السلام، فإنَّه ينام عينه دون قلبه، واستدل بإطلاقه إمامنا الإمام الأعظم والجمهور: على أنَّ غمس اليدين في إناء الوضوء مكروه قبل غسلهما سواء كان عقيب نوم الليل أو نوم النهار، وخصَّ أحمد الكراهة بنوم الليل؛ لقوله: «أين باتت يده» ، والمبيت لا يكون إلا ليلًا، ولأنَّ الإنسان لا ينكشف لنوم النهار كما لنوم الليل، فتطوف يده في أطراف بدنه كما تطوف يد النائم ليلًا، فربَّما أصابت موضع العورة، وقد يكون هناك لوث من أثر النجاسة، ويؤيِّد ذلك ما في رواية أبي داود _ساق إسنادها مسلم_: «إذا قام أحدكم من الليل» ، وكذا للترمذي من وجه آخر صحيح، وفي رواية لأبي عوانة _ساق مسلم إسنادها_: «إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح» ، وأجابوا: بأن العلَّة تقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وتخصيص نوم الليل بالذكر للغلبة، وقال النووي: مذهبنا: أن الحكم ليس مخصوصًا بالقيام من النوم، بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها؛ يستحب غسلها سواء قام من النوم ليلًا أو نهارًا، أو لم يقم منه؛ لأنَّه عليه السلام نبه على العلَّة بقوله: «فإنَّه لا يدري» ؛ ومعناه: لا يأمن النجاسة على يده، وهذا عام؛ لاحتمال وجود النجاسة في النوم فيهما وفي اليقظة، انتهى.
وكلمة: (إذا) للشرط، وجوابه قوله: (فليغسل يده) ؛ بالإفراد؛ أي: ثلاثًا، كما صرح به مسلم، فغسل اليدين قبل الشروع في الوضوء سنة، وذلك لأنَّ أول الحديث يقتضي وجوب الغسل للنهي عن إدخال اليد في الإناء قبل الغسل، وآخر الحديث يقتضي استحباب الغسل للتعليل بقوله: «فإنَّه لا يدري أين باتت يده» ؛ يعني: في مكان طاهر من بدنه أو نجس، فلما انتفى الوجوب لمانع في التعليل المنصوص؛ ثبتت السنية؛ لأنَّها دون الوجوب، والقول بالسنية متوسط، والكراهة تنزيهية؛ لأنَّ النهي فيه مصروف عن التحريم بقوله: «فإنَّه لا يدري أين باتت يده» ، فالنهي محمول على الإناء الصغير، أو الكبير إذا كان معه إناء صغير؛ فلا يدخل يده فيه أصلًا، وفي الكبير على إدخال الكف، كذا في «المستصفى» ، لكن في «الخانية» : أنَّ المُحدِث أو الجنب إذا أدخل يده في الإناء للاغتراف وليس عليهما نجاسة؛ لا يفسد الماء، وكذا إذا وقع الكوز في الحُب فأدخل يده إلى المرفق؛ لا يصير الماء مستعملًا، انتهى.
وإنما لم يصر مستعملًا؛ لعدم النية، أمَّا لو نوى؛ فإنَّه يصير مستعملًا؛ لأنَّه ارتفع به الحدث، فالملاقى مستعمل، والكراهة باقية، وقيد الإمام القدوري والمرغيناني في «الهداية» الغسل بالمستيقظ، كما في الحديث، قال الشراح: وهذا القيد اتفاقي تبركًا بالحديث، والسنة تشمل المستيقظ وغيره، وعليه الجمهور، ومن المشايخ من قال: إنَّه قيد احترازي، وإنَّ غسلها لغير المستيقظ أدب، كما في «السراج» ، وإنَّ الحديث خرج مخرج العادة؛ لأنَّهم كانوا في العهد الأول ينامون بدون الاستنجاء، فربما تطوف اليد حالة النوم فتقع على نجاسة، وهو مفهوم من قوله: «فإنَّه لا يدري أين باتت يده» ، ثم اطرد الحكم في المستيقظ وغيره، قال الإمام العلَّامة المنلا علي القاري: (ولأن توهم النجاسة في اليد تكون للمستيقظ غالبًا، ولذا مع الاستيقاظ، وتوهم النجاسة آكد) انتهى.
وذكر نحوه في «البحر» ، وقال في «النهر» : (الأصح الذي عليه الأكثر أنَّه سنة مطلقًا، لكنه عند توهم النجاسة مؤكدة، كما إذا نام لا عن استنجاء أو كان على بدنه نجاسة، وغير مؤكدة عند عدم توهمها؛ كما إذا نام لا عن شيء من ذلك أو لم يكن مستيقظًا من نوم) انتهى، وهذا هو المعتمد، كما في «منهل الطلاب» ، فمذهب عامة أهل العلم: أنَّ الأمر محمول على السنية، وله أن يغمس يده في الإناء قبل غسلها، وأنَّ الماء طاهر ما لم يتيقن [1] نجاسة يده، روي ذلك عن ابن سيرين، والنخعي، وابن جبير، والبراء بن عازب، وهو مذهب الإمام الأعظم، وقال أحمد: إذا انتبه من النوم فأدخل يده في الماء قبل الغسل؛ أعجب أن يريق ذلك الماء إذا كان من نوم الليل، ولا يهراق في قول مالك، وعطاء، والأوزاعي، والشافعي، واختلف في المستيقظ من نوم النهار؛ فقال الحسن البصري: نوم النهار ونوم الليل واحد في غمس اليد، وهو مذهب الإمام الأعظم، وسهَّل أحمد في نوم النهار، ونهى عن ذلك في نوم الليل، وذهب داود والطبري إلى إيجاب ذلك، وأن الماء يجزئه إن لم تكن اليد مغسولة، قال ابن حزم: سواء تباعد ما بين نومه ووضوئه أو لم يتباعد، فلو صب على يديه من إناء دون أن يدخل يده فيه؛ لزمه غسل يده أيضًا ثلاثًا إن قام من نومه، وتمامه في «عمدة القاري» .
(قبل أن يدخلها في وَضوئه) ؛ بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ به، وفي رواية مسلم وابن خزيمة: (فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها) ، فقوله: (في الإناء) وإن كان عامًّا، لكن القرينة دلت على أنَّه إناء الماء؛ بدليل قوله في هذه الرواية: (في وضوئه) ، ولكن الحكم لا يختلف بينه وبين غيره من الأشياء الرطبة، وفي رواية البزار: (فلا يغمسنَّ) ؛ بنون التأكيد المشددة، ولم يقع هذا إلا في رواية البزار، والروايات التي فيها الغمس أبين في المراد من الروايات التي فيها الإدخال؛ لأنَّ مطلق الإدخال لا يترتب عليه كراهة كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن يلامس يده الماء، فالمراد بـ (الإناء) : هو الإناء الذي فيه الماء؛ كالبرك والحياض المنقطعة، أمَّا إذا كان الماء جاريًا أو كان منقطعًا لكنه يبلغ عشرًا في عشر، فإنَّه لو أدخل يده؛ لا يفسد الماء على تقدير نجاستها، فلا يشملها النهي، وظاهر قول مسلم:
[ص 126]
(في الإناء) اختصاص ذلك بإناء الوضوء، لكن يلتحق به إناء الغسل؛ لأنَّه وضوء وزيادة، وكذا باقي الآنية قياسًا، ففيه: دليل على أنَّ الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات؛ لأنَّ النبي الأعظم عليه السلام أمر للقائم من الليل بإفراغ الماء على يديه مرتين أو ثلاثًا؛ لأنَّهم كانوا يتغوطون ويبولون، ولا يستنجون بالماء، وربما كانت أيديهم تصيب المواضع النجسة فينجس، فإذا كانت الطهارة تحصل بهذا العدد من البول والغائط؛ وهو أغلظ النجاسات؛ كان أولى وأحرى أن يحصل مما دونهما من النجاسات، وهل تغسل اليدان مجتمعين أو متفرقين، فيه اختلاف؛ لما وقع في الاختلاف الوارد في الأحاديث، ففي بعض الطرق: (فغسل يديه مرتين مرتين) ، وهو يقتضي الإفراد، وفي بعض طرقه: (فغسل يديه مرتين) ، وهو يقتضي الجمع، وقدمنا أنَّ السنة الجمع؛ لأنَّه أكثر في الأحاديث.
فإن قلت: كان ينبغي ألَّا تُبْقى السنة؛ لأنَّهم كانوا يتوضؤون من الأتوار، فلذا أمرهم عليه السلام بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وأمَّا في هذا الزمان؛ فقد تغير ذلك؟
وأجيب: بأن السنة لما وقعت سنة في الابتداء؛ أبقيت ودامت وإن لم يبق ذلك المعنى؛ لأنَّ الأحكام إنَّما تحتاج إلى أسبابها حقيقة في ابتداء وجودها لا في بقائها؛ لأنَّ الأسباب تبقى حكمًا وإن لم تبق حقيقة؛ لأنَّ للشارع ولاية الإيجاد والإعدام، فجعلت الآنيات الشرعية بمنزلة الجواهر في بقائها حكمًا، وهذا كالرَّمَل في الحج وغيره؛ فليحفظ.
وقدمنا أن قوله: (في الإناء) محمول على ما إذا كانت الآنية صغيرة؛ كالكوز، أو كبيرة؛ كالحُب، أو معه آنية صغيرة، أمَّا إذا كانت الآنية كبيرة وليست معه آنية صغيرة؛ فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة، حتى لو أدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء دون الكف، ويرفع الماء من الحُب ويصب على يده اليمنى، ويدلك الأصابع بعضها في بعض، يفعل ذلك ثلاث مرات، ثم يدخل يده اليمنى بالغًا ما بلغ في الإناء إن شاء، وهذا اختيار علمائنا، وقال النووي: (وإذا كان الماء في الإناء وكان كبيرًا بحيث لا يمكن الصب منه، وليس معه إناء صغير يغترف به؛ فطريقه أن يأخذ الماء بفمه، ثم يغسل به كفيه، أو يأخذه بطرف ثوبه النظيف، أو يستعين بغيره) .
قلت: وما ذكره علماؤنا الأعلام أحسن من وجوه، ويلزم على ما ذكره النووي أنَّه لو عجز عن أخذه بفمه بأن كانت أسنانه مقلوعة ولم يعتمد على طهارة ثوبه، ولم يجد من يستعين به ماذا يفعل؟ على أنَّه في أخذه الماء بفمه عسر وحرج وهو مدفوع بالنص، وأيضًا فإنَّه يصير الماء مستعملًا؛ لأنَّه قد ارتفع الحدث عن فمه، وأخذه الماء بطرف ثوبه فيه إتلاف الثوب، وهو منهي عنه؛ لأنَّه إسراف، والاستعانة بغيره فيها عدم التواضع للعبادة، فما قاله علماؤنا خال عن هذه المنهيات؛ فافهم.
نعم؛ لو كانت يداه متنجستين؛ فإنَّه يفعل كما قاله النووي، وقد صرح به في «المضمرات» و «منهل الطلاب» حيث قالا: (فإنَّه يأمر غيره أن يغترف بيديه ليصب على يديه ليغسلهما، وإن لم يجد؛ يرسل في الماء منديلًا، ويأخذ طرفه بيده، ثم يخرجه من البئر، فيغسل يديه بالماء الذي يتقاطر ثلاثًا، فإذا لم يجد؛ يرفع الماء بفمه فيغسل يديه، وإن لم يقدر؛ فإنَّه يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه) انتهى.
وإنما أبحنا له الاستعانة بغيره وأخذه الماء بفيه، وأخذه بطرف ثوبه؛ لأنَّ غسل يديه من النجاسة المحققة فرض بالإجماع، فلو أدخل بعض إصبعه؛ تنجس الماء، وفي مسألة رفع الماء بفيه اختلاف، والصحيح: أنَّه يصير مستعملًا، وهو مزيل للخبث، كما في «البحر» ؛ فليحفظ.
(فإن أحدكم) : الفاء للتعليل؛ أي: فهو تعليل للأمر بغسل اليد، وهذا خطاب للعقلاء البالغين المسلمين، فإن كان القائم من النوم صبيًّا، أو مجنونًا، أو كافرًا؛ فذكر في «المغني» : أن فيه وجهين؛ أحدهما: أنَّه كالمسلم البالغ العاقل، والثاني: أنَّه لا يؤثر غمسه شيئًا؛ لأنَّ المنع من الغمس إنَّما يثبت بالخطاب، ولا خطاب في حق هؤلاء، وقال البيضاوي: فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة؛ لأنَّ الشارع إذا ذكر حكمًا وعقبه بعلة؛ دل على أن ثبوت الحكم لأجلها، ومثله قوله في حديث المحرم الذي سقط فمات: «فإنَّه يبعث ملبيًا» بعد نهيهم عن تطييبه نبه على علة النهي، وهي كونه محرمًا.
(لا يدري أين) : وهي للسؤال عن المكان، بنيت لتضمنها حرف الاستفهام (باتت يده) ؛ أي: من جسده، والمراد بها الجنس، وأن يكون الغسل ثلاثًا لرواية مسلم، وأبي داود، وغيرهما: (فليغسلها ثلاثًا) ، وفي رواية: (ثلاث مرات) ، فيستفاد منه استحباب غسل النجاسات ثلاثًا؛ لأنَّه إذا أمر به في المتوهمة؛ ففي المحققة أولى، ولم يرد شيء فوق الثلاث إلا في ولوغ الكلب، وسيجيء أنَّه عليه السلام أوجب فيه الثلاث، وخير فيما زاد، ويستفاد أيضًا منه أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل، ولا يؤثر فيها الرش؛ لأنَّه عليه السلام أمر بالغسل، ولم يأمر بالرش، ولأنَّ المقصود إزالة عين النجاسة، وهو لا يكون إلا بالغسل، وبالرش تتضمخ النجاسة وتزداد، فلا فائدة فيه، كما لا يخفى على أولي الألباب.
والمراد باليد هنا: الكف إلى الكوع دون ما زاد عليها اتفاقًا، وقال الشافعي: معنى «لا يدري أين باتت يده» : إن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم؛ عرق فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس، أو على بثرة أو قذر، وتعقبه الباجي: بأن ما قاله يستلزم الأمر بغسل ثوب النائم؛ لجواز ذلك عليه.
وأجيب عنه: بأنَّه محمول على ما إذا كان العرق في اليد دون المحل، وردَّ: بأن اليد التي منصوبة في الهوى إذا عرقت؛ فالمحل المستتر يعرق بالطريق الأولى على ما لا يخفى، فلا وجه حينئذٍ لاختصاص اليد بذلك، وقول من قال: إنَّه مختصٌّ بالمحلِّ؛ ينافيه ما رواه ابن خزيمة وغيره في هذا الحديث، وقال في آخره: (أين باتت يده منه) ، وأصله في مسلم دون قوله: (منه) ، وذكرها ابن منده، وتمامه في «عمدة القاري» .
واختلف في أن علة الأمر التنجس أو التعبد؛ فالجمهور على أن ذلك لاحتمال النجاسة، ومقتضاه إلحاق من شك في ذلك ولو كان مستيقظًا، ويفهم منه أن من درىأين باتت يده؛ كمن لفَّ عليها خرقة مثلًا فاستيقظ وهي على حالها؛ فلا كراهة وإن كان غُسلها مستحبًّا، كما في المستيقظ، وقال مالك: إن ذلك للتعبد؛ فعلى قوله لا يفرق بين شاك ومتيقن.
وقوله: (فليغسل يده) : يتناول ما إذا كانت يده مطلقة أو مشدودة بشيء أو جراب، أو كون النائم عليه سراويل أو لم يكن؛ لعموم اللفظ؛ فتأمل.
وفي الحديث: استحباب استعمال الكنايات في المواضع التي فيها استهجان، ولهذا قال عليه السلام: «فإنَّه لا يدري أين باتت يده» ، ولم يقل: فلعلَّ يده وقعت على دبره، أو ذكره، أو نجاسة، أو غير ذلك، وإن كان هذا معنى قوله عليه السلام، وهذا إذا علم أنَّ السامع يفهم بالكناية المقصودة، فإن لم يكن كذلك؛ فلا بد من التصريح؛ لينتفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحًا.
ويستفاد من الحديث: أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة وإن لم تغيره، وإلَّا؛ لا يكون للنهي فائدة.
وفيه: أن الماء يتنجس بورود النجاسة عليه، وهو بالإجماع، وأمَّا ورود الماء على النجاسة؛ ففيه خلاف قرره في «عمدة القاري» ، وينبغي للسامع عن النَّبيِّ الأعظم عليه السلام شيئًا من قول أو فعل أن يتلقاه بالقبول وعدم الإنكار، ففي «شرح مسلم» : أن بعض المبتدعة لما سمع هذا الحديث؛ قال متهكمًا: أنا أدري أين باتت يدي، باتت في الفراش، فأصبح وقد دخلت يده في دبره إلى ذراعه، وقيل: إنَّ رجلًا كان يسيء الاعتقاد في أهل الخير والصلاح، وله ابن يعتقدهم، فجاء ولده من
[ص 127]
عند شيخ صالح ومعه مسواك، فقال له والده مستهزءًا: أعطاك شيخك هذا السواك، فأخذه وأدخله في دبر نفسه؛ استحقارًا له، فبقي مدة، ثم ولد لذلك الرجل الذي استدخل السواك جرو قريب الشبه بالسمك، فقتله، ثم مات الرجل حالًا أو بعد يومين، انتهى، والله تعالى أعلم.
[1] في الأصل: (يتقن) ، وليس بصحيح.