فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 860

[حديث: تخلف النبي عنا في سفرة سافرناها فأدركنا]

163# وبه قال: (حدثنا) ؛ بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (موسى) : هو ابن إسماعيل التبوذكي، (قال: حدثنا) : وفي رواية: (أخبرنا) (أبو عَوانة) ؛ بفتح العين المهملة: هو الوضاح اليشكري، (عن أبي بِشْر) ؛ بكسر الموحدة، وسكون المعجمة: جعفر بن أبي وحشية الواسطي، (عن يوسف بن ماهَِك) ؛ بكسر الهاء وفتحها، بالصرف وعدمه، (عن عبد الله بن عمرو) : هو ابن العاصي القرشي (قال: تخلَّف) ؛ بتشديد اللام؛ أي: تأخر خلفنا (النَّبيُّ) الأعظم (صلى الله عليه وسلم عنا في سَفرة) ؛ بفتح السين المهملة؛ أي: مرة من السفر (سافرناها) : وفي رواية إسقاط لفظ: (سافرناها) ، وظاهره أنَّ عبد الله بن عمرو كان في تلك السفرة، ووقع في رواية لمسلم أنَّها كانت من مكة إلى المدينة، ولم يقع ذلك لعبد الله محققًا إلا في حجة الوداع، أمَّا غزوة الفتح؛ فقد كان فيها، لكن ما رجع النَّبيُّ الأعظم عليه السلام فيها إلى المدينة من مكة، بل من الجعرانة، ويحتمل أن يكون عمرة القضاء، فإنَّ هجرة عبد الله بن عمرو كانت في ذلك الوقت أو قريبًا منه، كذا في «عمدة القاري» ، ومثله في «فتح الباري» .

وأقول: رجوعه من الجعرانة إلى المدينة كان بعد أن دخل مكة ورجع منها إلى الجعرانة، وحينئذٍ فيصدق عليه أنَّه رجع من مكة إلى المدينة؛ فتأمل.

(فأدركَنا) ؛ بفتح الكاف؛ أي: لحق بنا النَّبيُّ الأعظم عليه السلام (وقد أرهَقَنا العصر) ؛ بفتح الهاء والقاف، من الإرهاق، و (العصرُ) ؛ بالرفع فاعله؛ أي: أدركتنا صلاة العصر وغشينا وقتها، وفي رواية: بإسكان القاف، ونصب (العصر) على المفعولية؛ أي: أخرناها حتى دنا وقتها للغروب، ويقوي الأول رواية الأصيلي: (وقد أرهقتنا) ؛ بتأنيث الفعل، وبرفع (العصر) على الفاعلية، وكأنَّ الصحابة أخَّروا الصلاة عن أول الوقت؛ لكونهم على طهر، أو لرجاء الوصول إلى الماء، ويدل له رواية مسلم: (حتى إذا كنا بماء بالطريق؛ تعجل قوم عند العصر_أي: قرب دخول وقتها_ فتوضؤوا وهم عجال) ، أو طمعًا لأنَّ يلحقهم النَّبيُّ الأعظم عليه السلام، فيصلوا معه، فلما ضاق الوقت؛ بادروا إلى الوضوء، (فجعلنا نتوضأ ونمسح) ؛ أي: نغسل غسلًا خفيفًا؛ أي: مبقعًا حتى يرى كأنَّه مسح (على أرجلنا) ؛ لعجلتهم، فلم يسبغوه، فأدركهم النَّبيُّ الأعظم عليه السلام على ذلك، فأنكر عليهم، وهذا من مقابلة الجمع بالجمع فيقتضي القسمة على الرجال، ولكل رجل رجلان.

(فنادى) عليه السلام (بأعلى صوته: ويل) ؛ بالرفع مبتدأ، وإن كان نكرة؛ لأنَّه دعاء، واختلف في معناه على أقوال؛ أظهرها ما رواه ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «ويل: واد في جهنم» (للأعقاب) ؛ أي: لأصحابها المقصِّرين في غسلها (من النار) : ويحتمل أن يبقى على ظاهره فيختص العذاب بها إذا قصر في غسلها؛ لأنَّ مواضع الوضوء لا تمسها النار؛ كمواضع السجود، قال في «عمدة القاري» : (واللام في «للأعقاب» : للعهد؛ لأنَّ المراد المرئية من ذلك؛ أي: ويلحق بها ما يشاركها في ذلك) انتهى.

ومثله في «فتح الباري» .

وأقول: ولو حملت اللام على الجنس في الأعقاب المرئية وغيرها؛ لم يحتج إلى الإلحاق؛ فتأمل، والعقب: مؤخر القدم.

(مرتين أو ثلاثًا) : شك من عبد الله بن عمرو، وهو صفة لمصدر محذوف؛ أي: نادى نداء مرتين أو ثلاثًا، واستنبط من الحديث: الرد على الشيعة الروافض القائلين بأن الواجب المسح، أخذًا بظاهر قراءة الجَرِّ في: {وَأَرْجُلِكُمْ} [المائدة: 6] ؛ لأنَّه لو كان الفرض المسح؛ لما توعد عليه بالنار، واستدل الحافظ أبو جعفر الطحاوي على ذلك بأنَّه لما أمرهم بتعميم غسل الرِّجلين حتى لا يبقى منها لمعة؛ دل على أن فرضها الغسل، واعترضه ابن المنير بأن التعميم لا يستلزم الغسل، فالرأس يعم بالمسح وليس فرضه الغسل.

وأجيب كما في «عمدة القاري» : بأن هذا لا يرد عليه أصلًا؛ لأنَّ كلامه فيما يغسل، فأمره بالتعميم يدل على فرضية الغسل في المغسول، والرأس ليس بمغسول؛ فافهم.

وقد تواترت الأخبار عن النَّبيِّ الأعظم عليه السلام في صفة وضوئه أنَّه غسل رجليه، وهو المبين لأمر الله تعالى، وقد قال في حديث عمرو بن عبسة الذي رواه ابن خزيمة وغيره مطولًا في (فضل الوضوء) : (ثم يغسل قدميه كما أمره الله تعالى) ، ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي، وابن عباس، وأنس، وقد ثبت رجوعهم عنه، وروى سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: اجتمع أصحاب رسول الله عليه السلام على غسل القدمين، انتهى كلامه؛ فليحفظ.

وقال الحافظ الطحاوي: (إنَّ المسح عليها منسوخ) ، ومثله قال ابن حزم، وقد أشبعنا الكلام على ذلك فيما تقدم، والله تعالى أعلم.

[ص 128]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت