[حديث عبيد بن جريج: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعًا]
166# وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) ؛ أي: التنيسي (قال: أخبرنا مالك) ؛ أي: ابن أنس الأصبحي، (عن سعيد المقبري) ؛ بتثليث الموحدة، (عن عبيد بن جريج) ؛ بالجيم، والتصغير فيهما: المدني التيمي، والجرج: وعاء يشبه الخرج، وليس بينه وبين عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج_الفقيه المكي مولى بني أمية_ نسب، وقد يظن أن هذا عمه، وليس كذلك، كما في «عمدة القاري» : (أنَّه قال لعبد الله بن عمر) ؛ أي: ابن الخطاب رضي الله عنهما: (يا أبا عبد الرحمن) ؛ بإثبات الهمزة، وحذفها تخفيفًا، وهي كنية عبد الله بن عمر (رأيتك تصنع) : جملة من الفعل والفاعل في محل نصب على أنَّها مفعول ثان، ومفعول (تصنع) قوله: (أربعًا) ؛ أي: خصالًا أربعًا، أو أربع خصال (لم أر أحدًا من أصحابنا) : وفي رواية: (من أصحابك) ، والمراد: أصحاب النَّبيِّ الأعظم عليه السلام (يصنعها) ؛ أي: يفعلها كلها مجتمعة وإن كان يصنع بعضها، أو المراد أكثرهم، لكن الظاهر انفراد ابن عمر بما ذكر دون غيره ممن رآهم عبيد، وقد يدل على هذا السياق؛ فتأمل.
(فقال) : وفي رواية: (قال) ؛ أي: ابن عمر: (وما هي يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان) ؛ أي: من أركان الكعبة الأربعة (إلَّا) الركنين (اليمانيين) ؛ تثنية يمان؛ بتخفيف المثناة التحتية، هذا هو الفصيح، والنسبة إلى اليمن: رجل يمان، ويمني، ويماني، وقيل: يمان على غير قياس، والقياس: يمني، والألف عوض عن الياء التحتية؛ لأنَّه يدل عليه الياء، كما في «المغرب» وغيره، وبعضهم يقول: يمانيٌّ؛ بالتشديد، وقوم يمانون ويمانية، وسمِّيتْ اليمن يمنًا بيعرب، واسمه يمن بن قحطان بن عامر، وهو هود عليه السلام، فلذلك قيل: أرض يمن، وهو أول من قال الشعر ووزنه، كذا في «التيجان» ، وفي «المعجم» : سُمِّي اليمن قبل أن تعرف الكعبة المشرفة؛ لأنَّه عن يمين الشمس، وقال بعضهم: سميت بذلك؛ لأنَّها عن يمين الكعبة، وقيل: سميت اليمن؛ ليمنه، وتمامه في «عمدة القاري» ، قال: (واليمانِيَّيْن: الركن اليماني، والركن الذي فيه الحجر الأسود، ويقال له: الركن العراقي؛ لكونه من جهة العراق، والذي قبله يماني؛ لأنَّه من جهة اليمن، ويقال لهما: اليمانيان؛ تغليبًا لأحد الاسمين، وهما باقيان على قواعد إبراهيم عليه السلام، وإنما لم يقولوا: الأسودين على التغليب؛ لأنَّه لو قيل ذلك؛ ربما كان يشتبه على بعض العوام أنَّ في كل من هذين الركنين الحجر الأسود، وكان يفهم التثنية، ولا يفهم التغليب؛ لقصور فهم الجاهل بخلاف اليمانيين) انتهى.
ثم قال ابن جريج لابن عمر: (ورأيتك تَلبَس) ؛ بفتح المثناة الفوقية والموحدة (النِّعال) ؛ بكسر النُّون (السِّبْتية) ؛ بكسر السين المهملة، وسكون الموحدة، آخره مثناة فوقية، نسبة إلى سبت؛ وهو جلد البقر المدبوغ بالقرظ، أو كل مدبوغ، أو المدبوغة وغير المدبوغة، وقيل: السِّبتية: التي لا شعر عليها، أو التي عليها الشعر، وقيل: المدبوغ بالسُّبت_بالضم_: نبت يدبغ به، وعليه فالسُّبتية؛ بالضم، وقال الهروي: قيل لها سبتية؛ لأنَّها انسبتت؛ أي: لانت بالدباغ، وقال الأزهري: سميت سبتية؛ لأنَّ شعرها قد سبت عليها؛ أي: حلق وأزيل، يقال: سبت رأسه؛ إذا حلقته، وقال الداودي: نسبته إلى سوق السبت، انتهى؛ وعليه فهي بفتح السين، وإنما اعترض ابن جريج على ابن عمر بلبسها؛ لأنَّها لباس أهل النعيم، وقد كانت الصحابة تلبس النعال بالشعر غير مدبوغة رضي الله عنهم.
(ورأيتك تصبغ) ؛ بضم الموحدة، وفتحها، وكسرها؛ أي: شعرك أو ثوبك (بالصُّفرة) ؛ بضم الصَّاد المهملة، وهذا شامل لصبغ الثياب، وصبغ الشعر، واختلف في المراد منهما؛ فقال القاضي عياض: الأظهر أن المراد صبغ الثياب؛ لأنَّه أخبر أنَّه عليه السلام صبغ، ولم يقل: إنَّه صبغ شعره، قال في «عمدة القاري» : وقد جاءت آثار عن ابن عمر رضي الله عنهما بيَّن فيها أنَّه صفَّر لحيته، واحتج بأنَّه عليه السلام كان يصفر لحيته بالورس [1] والزعفران، أخرجه أبو داود، وذكر أيضًا في حديث آخر احتجاجه به: بأنَّه عليه السلام
[ص 130]
كان يصبغ بهما ثيابه حتى عمامته، وكان أكثر الصحابة والتابعين يخضب بالصفرة، منهم أبو هريرة وآخرون، ويروى ذلك عن علي رضي الله عنه، كذا في «عمدة القاري» .
(ورأيتك إذا كنت بمكة؛ أهلَّ الناس) ؛ من الإهلال: وهو رفع الصوت بالتلبية، وكل شيء ارتفع صوته؛ فقد استهل، يقال: أهلَّ بحجة أو عمرة، أو أحرم بها، وجرى على ألسنتهم؛ لأنَّهم أكثر ما كانوا يحجون إذا أهلَّ الهلال، وإهلال الهلال واستهلاله: رفع الصوت بالتكبير عند رؤيته، واستهلال الصبي: تصويته عند ولادته، وأهلَّ الهلال؛ إذا طلع، وأهلَّ واستهلَّ؛ إذا أبصر، وأهللته؛ إذا أبصرته (إذا رأوا الهلال) ؛ أي: هلال ذي الحجة، (ولم) : وللأصيلي: (فلم) (تهل أنت) : وكان القياس فيما ذكر في الأفعال الثلاثة السابقة أن يقول هنا: رأيتك لم تهل ... إلخ.
وأجيب: بأنَّه محذوف، والمذكور دليل عليه، أو بأن الشرطية قائمة مقامه، كذا قاله الكرماني، واعترضه في «عمدة القاري» بأن هذا السؤال لا وجه له هنا، وما وجه القياس الذي ذكره؟! انتهى.
قال العجلوني: و (رأى) هنا وفيما مر من المواضع: بصرية أو علمية، وظاهر كلام «عمدة القاري» : أن (رأى) الأولى، والثانية، والثالثة، والرابعة بمعنى الإبصار فقط، وأمَّا (رأى) الخامسة [2] ؛ فإنَّه يحتمل أن يكون بمعنى الإبصار، وبمعنى العلم، انتهى.
وهو الأظهر؛ فتأمل.
و (كنت) : يحتمل أن تكون تامة أو ناقصة، و (بمكة) : ظرف لغو أو مستقر، و (إذا) في الموضعين: تحتمل أن تكونا ظرفيتين، وأن تكون الأولى شرطية، والثانية ظرفية، وبالعكس، و (أهلَّ الناس) : إما حال أو جزاء (إذا) الأولى، و (إذا) الثانية مفسر له على مذهب الكوفيين، أو مفسر للجزاء الثاني على مذهب البصريين، كذا في «عمدة القاري» بزيادة: (حتى كان) : يحتمل أنَّها تامة أو ناقصة، فإن كانت تامة؛ يكون (يومُ) مرفوعًا؛ لأنَّه اسم (كان) ، وإن كانت ناقصة؛ يكون (يوم) خبر (كان) (التروية) : وهو يوم الثامن من ذي الحجة، واختلف في سبب تسميته بذلك، إمَّا لأنَّ جبريل عليه السلام أرى فيه إبراهيم عليه السلام أول المناسك، أو لأنَّ الناس يروون من الماء من زمزم؛ لأنَّه لم يكن بمنى ماء، ولا بعرفة ماء، أو لأنَّه اليوم الذي رأى فيه آدم حواء عليهما السلام، وعن ابن عباس: (لأن إبراهيم أتاه الوحي في منامه أن يذبح ابنه، فتروى في نفسه، من الله تعالى هذا أم من الشيطان؟ فأصبح صائمًا، فلما كان ليلة عرفة؛ أتاه الوحي فعرف أنَّه الحق من ربه، فسميت عرفة) ، رواه البيهقي، وروى أبو الطفيل عن ابن عباس: أنَّ إبراهيم عليه السلام لما ابتلي بذبح ابنه؛ أتاه جبريل عليه السلام فأراه مناسك الحج، ثم ذهب به إلى عرفة، قال: وقال ابن عباس: سميت عرفة؛ لأنَّ جبريل قال لإبراهيم عليهما السلام: هل عرفت؟ قال: نعم، فمن ثم سميت عرفة، كذا في «عمدة القاري» .
(قال عبد الله) ؛ أي: ابن عمر رضي الله عنهما مجيبًا لابن جريج: (أمَّا) : للتفصيل (الأركان) ؛ أي: الأربعة؛ (فإنِّي لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس) ؛ من مِست أمَس؛ بكسر الماضي، وفتح المستقبل، مسًّا ومسيسًا، وهو ما اختاره ثعلب وغيره، وحكى غيره: مِسسته؛ بالكسر، ومَسست؛ بالفتح، وبالكسر أفصح، وعن ابن جني: أمسه إياه، فعدَّاه إلى مفعولين، وعن ابن درستويه: إنَّ مَسست بالفتح خطأ مما يلحن فيه العامة؛ فتأمل.
(إلَّا) الركنين (اليمانيين) : واتفق الفقهاء على أن الركنين الشاميين _وهما مقابلا اليمانيين_ لا يستلمان، وإنما كان الخلاف فيه في العصر الأول بين بعض الصحابة، وبعض التابعين، ثم ذهب الخلاف، وتخصيص الركنين اليمانيين بالاستلام؛ لأنَّهما كانا على قواعد إبراهيم عليه السلام بخلاف الركنين الآخرين؛ لأنَّهما ليسا على قواعد إبراهيم عليه السلام، ولمَّا ردهما عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما على قواعد إبراهيم عليه السلام؛ استلمهما أيضًا، ولو بني كذلك؛ لاستلمت كلها ابتداء، به صرح القاضي عياض، وركن الحجر الأسود خُصَّ بشيئين: الاستلام والتقبيل، والركن الآخر خُصَّ بالاستلام فقط، والآخران لا يقبَّلان ولا يستلمان، وكان بعض الصحابة والتابعين رضي الله عنهم يمسحهما على وجه الاستحباب، وقال ابن عبد البر: روي عن جابر، وأنس، وابن الزبير، والحسن، والحسين رضي الله عنهم: أنَّهم كانوا يستلمون الأركان كلها، وعن عروة مثله، واختلف عن معاوية وابن عباس في ذلك؛ فقال أحدهما: ليس بشيء من البيت مهجورًا، والصحيح عن ابن عباس أنَّه كان يقول: إلَّا الركن الأسود واليماني، وهما المعروفان باليمانيين، ولمَّا رأى عبيد بن جريج جماعة يفعلون على خلاف ابن عمر؛ سأله عن ذلك؛ فليحفظ.
(وأما النِّعال) ؛ بكسر النُّون (السِّبْتية؛ فإنِّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَلبَس) ؛ بفتح التحتية والموحدة [3] (النِّعال) : وفي رواية: (النَّعل) ؛ بالإفراد، وزيادة: (السِّبْتية) (التي ليس فيها) : التأنيث على رواية (النعال) _بالجمع_ واضح، وكذا على رواية الإفراد؛ لأنَّ النعل مؤنثة (شعَر) ؛ بفتح العين المهملة على الأفصح، قال أبو عمر: لا أعلم خلافًا في جواز لبس النعال في غير المقابر؛ لقوله عليه السلام لذلك الماشي في المقابر: «ألق سبتك» ، وقال قوم: يجوز ذلك ولو كان في المقابر؛ لقوله عليه السلام: «إذا وقع الميت في قبره؛ إنَّه ليسمع قرع نعالهم» ، وقال الحكيم الترمذي: (إنَّه عليه السلام إنَّما قال لذلك الرجل: «ألق سبتك» ؛ لأنَّ الميت كان يُسأل، فلما صرَّ نعل ذلك الرجل؛ شغله عن جواب الملكين، فكاد يهلك لولا أن ثبته الله تعالى) انتهى.
(ويتوضأ فيها) ؛ أي: في النِّعال (فأنا) وفي رواية: (فإنِّي) (أحب أن ألبسها) ، ففيه تصريح بأنَّه عليه السلام كان يغسل رجليه وهما في نعليه، وهذا موضع المطابقة للترجمة؛ لأنَّ قوله: (فيها) ؛ أي: في النعال ظرف لقوله: (يتوضأ) ، قال ابن حجر: وبهذا يرد على من زعم ليس في الحديث الذي ذكره تصريح بذلك، وإنما هو من قوله: (يتوضأ فيها) ؛ لأنَّ الأصل في الوضوء الغسل.
قال في «عمدة القاري» : قلت: ما يريد هذا من التصريح أقوى من هذا، وقوله: (ولأنَّه فيها) يدل على الغسل، ولو أريد المسح؛ لقال: عليها، وهذا التعليل يرد عليه.
وقوله: (وليس في الحديث ... ) إلخ: وهذا من العجائب؛ حيث ادعى عدم التصريح، ثم أقام دليلًا على التصريح بذلك، وقد أشار المؤلف في الترجمة بقوله: (ولا يمسح على النعلين) إلى نفي ما ورد عن عليٍّ وغيره من الصحابة رضي الله عنهم: أنَّهم كانوا يمسحون على نعالهم، ثم يصلون، وروي ذلك في حديث مرفوع أخرجه أبو داود من حديث المغيرة بن شعبة في الوضوء، لكن ضعَّفه عبد الرحمن بن مهدي وغيره، وروي عن ابن عمر: (أنَّه كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه؛ مسح ظهور نعليه بيديه، ويقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع هكذا) ، أخرجه الحافظ الطحاوي والبزار، وروي في حديث رواه علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمِّه رفاعة بن رافع: أنَّه كان جالسًا عند النبي الأعظم عليه السلام، وفيه: (ومسح برأسه ورجليه) ، أخرجه الحافظ الطحاوي والطبراني في «الكبير» ، والجواب عن حديث ابن عمر: أنَّه كان في وضوء متطوع به لا في وضوء واجب عليه، وعن حديث رفاعة: أنَّ المراد به أنَّه مسح برأسه وخفيه على رجليه، وأجاب بعضهم بأنَّهم مسحوا عليها مع غسل أرجلهم فيها.
قلت: وهو بعيد؛ إذ ما فائدة مسحهم عليها مع غسل أرجلهم، والمناسب أن يقال في الجواب: بأنَّهم
[ص 131]
غسلوا أرجلهم غسلًا خفيفًا، فأطلق عليه مسحًا لذلك، وسمى الأرجل نعالًا من تسمية المحل باسم الحالِّ فيه، أو أن المراد بالنعلين: الخفاف، كما قلنا، واستدل الحافظ الطحاوي على عدم الإجزاء بالإجماع على أن الخفين إذا تخرقا حتى يبدوا القدمان أن المسح لا يجزئ عليهما، قال: فكذلك النعلان؛ لأنَّهما يغيبان القدمين، قال ابن حجر: هذا استدلال صحيح، ولكنه منازع في نقل الإجماع المذكور، انتهى.
ثم ذكر خلاف الشيعة وبعض الصحابة والتابعين في جواز المسح على الرِّجلين، وذكر ما للعلماء في تأويل قوله: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] ، وقدمناه مفصلًا.
وأقول: هذا لا يدل على خلاف في جواز مسح النعلين باقيين على معناهما الحقيقي والكلام فيه حتى يرد على الحافظ الطحاوي، وإنما يدل على خلاف في مسح الرجلين وليس الكلام فيه، ثم رأيت الشيخ الإمام بدر الدين العيني صاحب «عمدة القاري» نظر فيه بوجه آخر؛ حيث قال: (قلت: هذا غير منازع فيه؛ لأنَّ مذهب الجمهور: أن مخالفة الأقل لا تضر الإجماع، ولا يشترط فيه عدد التواتر عند الجمهور، وروى الحافظ الطحاوي عن عبد الملك قال: قلت لعطاء: أَبلغك عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه مسح على القدمين؟ قال: لا) انتهى كلامه، والله تعالى أعلم.
(وأمَّا الصُّفرة؛ فإنِّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصْبغ بها) ؛ من الصباغ، ويروى: (يصنع) ؛ بالمهملة، والأظهر: أنَّه بالمعجمة، وبالمهملة تصحيف، (فأنا أحب أن أصبغ بها) ، يحتمل صبغ ثيابه أو شعره كما تقدم، (وأمَّا الإهلال) ؛ أي: بالحج أوالعمرة؛ (فإنِّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُهل) بضم التحتية (حتى تنبعث) أي: تسير (به راحلته) ؛ أي: تستوي قائمة إلى طريقه، وهو كناية عن ابتداء شروعه في أفعال الحج، والراحلة: المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، واختلف في حكم الإهلال؛ فعند البعض: الأفضل أن يُهل من أول يوم من ذي الحجة، وعند مالك: الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم وأصحابه: إنَّه يحرم عقب الصلاة جالسًا قبل ركوب دابته وقبل قيامه؛ لما رواه أبو داود عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: يا أبا العباس؛ عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب، قال: إنِّي لأعلم الناس بذلك؛ إنها إنَّما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة، فمن هنالك اختلفوا، خَرَجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجًّا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه؛ أوجبه [4] في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام، فحفظته عنه، ثم ركب، فلمَّا استقلت به ناقته؛ أهلَّ وأدرك ذلك منه أقوام؛ لأنَّ الناس إنَّما كانوا يأتون أرسالًا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنَّما أهلَّ عليه السلام حين استقلت به ناقته، ثم مضى عليه السلام، فلمَّا علا على شرف البيداء؛ أهلَّ وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنَّما أهلَّ حين علا شرف البيداء، قال سعد: فمن أخذ بقول ابن عباس؛ أهلَّ في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه، وأخرجه الحاكم في «مستدركه» قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم مفسر في الباب، وأخرجه الحافظ الطحاوي، ثم قال: وبيَّن عليه السلام الوجه الذي جاء الاختلاف، وأن إهلاله عليه السلام الذي ابتدأ الحج ودخل به فيه كان في مصلاه، فبهذا نأخذ، فينبغي للرجل إذا أراد الإحرام؛ أن يصلي ركعتين، ثم يحرم في دبرهما كما فعل عليه السلام، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، ولا نسلِّم أنَّ إحرامه عليه السلام من البيداء يدل على استحباب ذلك، وأنَّه فضيلة؛ لأنَّه يجوز أن يكون ذلك لا لقصد أن للإحرام منها فضيلة على الإحرام من غيرها، وقد فعله عليه السلام في حجته في مواضع لا لفعل [5] قصده؛ من ذلك: نزوله بالمحصب، وروى عطاء عن ابن عباس قال: ليس المحصب بشيء، إنَّما هو منزل رسول الله عليه السلام، فلما حصب عليه السلام ولم يكن ذلك لأنَّه سنة؛ فكذلك يجوز أن يكون إحرامه من البيداء كذلك، وأنكر الزهري، وعبد الملك بن جريج، وعبد الله بن وهب أن يكون عليه السلام أحرم من البيداء، وقالوا: ما أحرم إلَّا من المسجد، ورووا في ذلك ما روى مالك عن موسى بن عقبة، عن [6] سالم، عن أبيه أنَّه قال: بيداؤكم [7] هذه التي تكذبون على رسول الله عليه السلام [أنه أهل] منها، ما أهلَّ عليه السلام إلا من عند المسجد؛ يعني: مسجد ذي الحليفة، أخرجه الحافظ الطحاوي، وأخرجه الترمذي أيضًا، وأخرج الترمذي أيضًا وحسنه: أنَّه عليه السلام أهلَّ بالحج حين فرغ من ركعتيه.
فإن قلت: كيف يجوز لابن عمر أن يطلق الكذب على الصحابة؟
قلت: الكذب يجيء بمعنى الخطأ؛ لأنَّه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق، افترقا من حيث النية والقصد؛ لأنَّ الكاذب يعلم أن الذي يقول كذب، والمخطئ لا يعلم، ولا يظن به أنَّه [8] كان ينسب الصحابة إلى الكذب.
قال الحافظ الطحاوي: فلمَّا جاء هذا الاختلاف؛ بيَّن ابن عباس الوجه الذي جاء فيه الاختلاف كما ذكرنا، وتمامه في «عمدة القاري» .
[1] في الأصل: (بالورث) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (الخامس) ، وليس بصحيح.
[3] في الأصل: (والنون) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] في الأصل: (أوجه) ، وهو تحريف.
[5] كذا في الأصل، ولعل المراد: (لا لفضل) .
[6] في الأصل: (بن) ، وهو تحريف.
[7] في الأصل: (ببيداء ولم) .