فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 860

[حديث أبي جحيفة في وضوء النبي صلى الله عليه وسلم]

187# وبه قال: (حدثنا آدم) ؛ هو ابن أبي إياس؛ بكسر الهمزة (قال: حدثنا شعبة) ؛ أي: ابن الحجاج (قال: حدثنا الحَكَم) ؛ بفتحتين؛ أي: ابن عُتَيْبَة _بضم العين المهملة، وفتح المثناة الفوقية، وسكون التحتية، وفتح الموحدة_ فهو تابعي صغير، وليس له سماع من أحد من الصحابة إلا أبا جحيفة، وقيل: روى عن ابن أبي أوفى أيضًا، كما في «عمدة القاري» (قال: سمعت أبا جُحَيْفة) ؛ بضم الجيم، وفتح الحاء المهملة، وسكون التحتية، بعدها فاء، واسمه: وهب بن عبد الله الثقفي الكوفي السُّوائي _بضم المهملة_ المتوفى سنة أربع وسبعين (يقول) ؛ جملة محلها النصب على أنها مفعول ثان لـ (سمعت) على قول من يقول: إن السماع يستدعي مفعولين، والأظهر: أنها حال، كذا في «عمدة القاري» : (خرج علينا النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (صلى الله عليه وسلم) (من قُبَّةٍ حمراءَ من أدم بالأبطح بمكة) ، كما صرح به في رواية، (بالهاجرة) ؛ أي: في الهاجرة، فالباء فيه ظرفية بمعنى: (في) ، وهي نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو عند زوال الشمس إلى العصر، وقيل في كل ذلك: إنه شدة الحر، وفي «الأنواء» : (الهاجرة: بالصيف قبل الظهيرة بقليل أو بعدها بقليل، والهويجرة: قبل العصر بقليل، وسميت: الهاجرة؛ لهروب كل شيء منها) ، وفي «المغيث» : الهاجرة؛ بمعنى: المهجورة؛ لأنَّ السير هجر فيها كـ {مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق: 6] ؛ بمعنى: مدفوق، وأما قول النبي الأعظم عليه السلام: «والمُهَجِّر كالمُهْدِي بدنة» ؛ فالمراد: التبكير إلى كلِّ الصلوات، وعن الخليل: (التهجير إلى الجمعة: التبكير، وهي لغة حجازية) ، وتمامه في «عمدة القاري» .

(فأُتِي) ؛ بضم الهمزة وكسر التاء (بوَضوء) ؛ بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ منه، (فتوضأ) ؛ أي: من ذلك الماء، (فجعل الناس) أي: الصحابة (يأخذون) في محل

[ص 161]

النصب على أنه خبر (جعل) الذي هو من أفعال المقاربة (من فضل وَضوئه) ؛ بفتح الواو: الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء، وكأنَّهم اقتسموه بينهم، أو أنَّهم كانوا يتناولون ما سال من أعضائه عليه السلام، (فيتمسحون به) ؛ أي: بذلك الماء، فإن كان المراد المعنى الأول؛ فلا دلالة فيه على طهارة الماء المستعمل؛ لأنَّهم أخذوا [1] ما فضل من وضوئه في الإناء، فيكون المراد منه: التبرك بذلك، والماء طاهر، فازداد طهارة ببركة وضع النبي الأعظم عليه السلام يده المباركة فيه، وإن كان المراد المعنى الثاني؛ فلا دلالة فيه أيضًا على طهارة الماء المستعمل؛ لأنَّ الماء لا يُحْكَم عليه بالاستعمال إلا إذا انفصل عن العضو واستقر في مكان، وهنا ليس كذلك، على أنَّ ظاهر اللفظ يدل على الأول، فإن جُعِل (الوضوء) اسمًا لمطلق الماء؛ فلا دلالة فيه على الطهارة، وإن أُريدَ بـ (وضوئه) : فضل مائه الذي توضأ ببعضه ولم يستعمله في أعضائه؛ فلا دلالة أيضًا، ومع هذه الاحتمالات لا يثبت دليل الطهارة، فتثبت النجاسة، وأخذ الصحابة ذلك الماء للتبرك؛ لأنَّه لا شكَّ في طهارته؛ لأنَّ إمامنا الأعظم رضي الله عنه قال بطهارة فضلاته، فكيف بماء وضوئه؟! بالأولى.

والتمسيح: من باب (التفعيل) ، وهي تأتي لمعان، ومعناها هنا: العمل؛ ليدل على أن أصل الفعل حصل مرة بعد مرة؛ نحو: تَجَرَّعَهُ؛ أي: شربه جرعة بعد جرعة، والمعنى هنا كذلك؛ لأنَّ كل واحد منهم يمسح به وجهه ويديه مرة بعد أخرى، ويحتمل أن تكون للتكلف [2] ؛ لأنَّ كل واحد منهم لشدة الازدحام على فضل وضوئه كان يتعانى لتحصيله كـ (تشجع) و (تصبَّر) .

(فصلى النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين، والعصر ركعتين) مقصورتين؛ لأنَّه كان في السفر، (وبين يديه) خبر مقدم، والجملة حالية، وقوله: (عَنَزَة) ؛ بالرفع مبتدأ مؤخر، وهي بفتحات: أقصر من الرمح وأطول من العصا، وفيه زج كزج الرمح، وإنما صلَّى إليها؛ لأنَّه عليه السلام كان في الصحراء.

وفي الحديث: دلالة على جواز التبرك بآثار الصالحين، وفيه: قصر الرباعية في السفر، وفيه: نصب العَنَزَةَ بين يدي المصلي إذا كان في الصحراء، والله أعلم.

188# (وقال أبو موسى) ؛ أي: عبد الله بن قيس الأشعري، مما وصله المؤلف في (المغازي) وأوله: عن أبي موسى قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ومعه بلال، فأتاه أعرابي فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ قال: «أبشر» ... ؛ الحديث، وفيه ما اقتصر عليه المؤلف هنا على موضع الاستشهاد، فقال: (دعا النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم بقَدَح) ؛ بفتحتين: الإناء الذي يؤكل فيه، قاله ابن الأثير، وقال في «عمدة القاري» : (في استعمال الناس اليوم: الإناء الذي يشرب فيه) ؛ فتأمل، (فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه) أي: في الإناء، (ومج فيه) ؛ أي: صبَّ ما تناوله من الماء بفيه في الإناء، (ثم قال) عليه السلام (لهما) ؛ أي: لبلال وأبي موسى، وكان بلال مع أبي موسى حاضرًا عند النبي الأعظم عليه السلام، كما دل عليه الحديث في (المغازي) : (اشربا) ؛ بهمزة وصل من (شرب) (منه) ؛ أي: من ذلك الماء، (وأَفرِغا) ؛ بهمزة قطع مفتوحة من الرباعي؛ أي: صُبَّا من الماء (على وجوهكما ونحوركما) ؛ بالنُّون، جمع نحر، وهو الصدر.

قال الإسماعيلي: (ليس هذا من الوضوء في شيء، وإنما هو مثل من استشفى بالغسل له، فغسل) ، قال في «عمدة القاري» : (أراد بهذا الكلام أنه لا مطابقة له للترجمة، ولكن فيه مطابقة من حيث إنه عليه السلام لمَّا غسل يديه ووجهه في القدح؛ صار الماء مستعملًا، ولكنَّه طاهر؛ لأنَّه لو لم يكن طاهرًا؛ لما أمر بشربه وإفراغه على الوجه والنحر، وهذا الماء طاهر وطهور أيضًا بلا خلاف، ولكن إذا وقع مثل هذا من غيره عليه السلام؛ يكون الماء على حاله طاهرًا، ولكن لا يكون مطهِّرًا على ما عُرِف) .

وقال الكرماني: (فيه دلالة على طهارة الماء المستعمل، وفيه جواز المج في الماء) ، قال في «عمدة القاري» : (هذا في حق النبي الأعظم عليه السلام؛ لأنَّ لعابه أطيب من المسك، ومن غيره مُتَقَذَّر؛ ولهذا كرهه العلماء، والنبي عليه السلام لعابه أعظم، وكانوا يتدافقون على نخامته ويدلكون بها وجوههم؛ لبركتها وطيبها، وخَلوفه ما كان يشابه خَلوفَ غيره، وذلك لمناجاته الملائكة، فطيَّبَ الله نكهته، وخَلوفَ فمه، وجميع رائحته) .

وقال ابن القطاع: (فيه دليل على أن لعاب البشر ليس بنجس، ولا بقيَّة شربه، وذلك يدل على أنَّ نهيه عليه السلام عن النفخ في الطعام والشراب ليس على سبيل أنَّ ما تطاير فيه من اللعاب نجس، وإنَّما هو خشية أن يتقذَّره الآكل منه والشارب، فأمر بالتأدُّب في ذلك، وحديث أبي موسى يحتمل أن يكون عليه السلام أمر بالشرب من الذي مجَّ فيه والإفراغ على الوجوه والنحور من أجل مرض أو شيء أصابهما) ، واعترضه الكرماني: (بأنه لم يكن ذلك من أجل ما ذكره، بل كان لمجرد التيمُّن والتبرك) ، قال في «عمدة القاري» : فعلى هذا لا تطابق بينه وبين ترجمة الباب، وقد قدمنا وجه المطابقة؛ فافهم، والله أعلم.

[1] في الأصل: (أخذ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت