[حديث: كان النبي يغسل بالصاع إلى خمسة أمداد]
201# وبه قال: (حدثنا أبو نُعيم) ؛ بضم النُّون مصغرًا، هو الفضل بن دكين (قال: حدثنا مِسْعَر) ؛ بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح العين المهملة، ابن كِدَام _بكسر الكاف وبالدَّال المهملة المخففة_ أبو سلمة الكوفي، ثبت صدوق، قال شعبة: كنا نسمي مسعرًا المصحف؛ لصدقه، المتوفى سنة خمس أو ثلاث وخمسين ومئة (قال: حدثني) بالإفراد (بن جَبْر) ؛ بفتح الجيم وسكون الموحدة، والمراد به: سبط جبر؛ لأنَّه عبد الله بن عبد الله بن جبر بن عتيك الأنصاري، ونسبه لجده؛ لشهرته به، قال في «عمدة القاري» : (ومن قاله بالتصغير؛ فقد صحَّف؛ لأنَّ ابن جبير، وهو سعيد لا رواية له عن أنس في هذا الكتاب، وقد روى هذا الحديث الإسماعيلي من طريق أبي نعيم شيخ المؤلف قال: حدثني شيخ من الأنصار يقال له: ابن جبر، ويقال له: جابر بن عتيك) انتهى (قال: سمعت أنسًا) ؛ بالتنوين؛ لأنَّه منصرف مفعولًا، قال الكرماني: (وفي رواية: «أنس» بدون الألف منه في الكتابة؛ للتخفيف) ، واعترضه في «عمدة القاري» : (بأنه لا بد من التنوين، وإن كان الألف لا تكتب) ؛ فافهم. (يقول) ؛ أي: أنس بن مالك رضي الله عنه، والجملة محلها النصب على الحال، (كان النبي) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (صلى الله عليه وسلم) ، وأتى بـ (كان) ؛ لإفادتها الدوام والاستمرار، (يغسِل) ؛ بكسر السين المهملة؛ أي: جسده الشريف، فمفعول (يغسل) محذوف، (أو كان يغتسل) ؛ بزيادة التاء كـ (يفتعل) ، والفرق بين الغسل والاغتسال مثل الفرق بين الكسب والاكتساب، كذا في «عمدة القاري» (بالصاع) مكيال يسع ثمانية أرطال بالبغدادي عند العراقيين، وخمسة أرطال وثلث رطل عند الحجازيين، والشك من الراوي، قال الكرماني: (إنَّه من ابن جبر) ، وقال ابن حجر: (إنَّه من المؤلف أو من أبي نعيم) ، واعترضهما في «عمدة القاري» : (بأنَّ الظاهر أنَّ الشك من الناسخ؛ لأنَّ الإسماعيلي لم يَرْوِهِ بالشك، فَنِسْبَتُهُ إلى المؤلف أو إلى شيخه أو إلى ابن جبر ترجيح بلا مرجح، فلمَ لا يُنسَبُ إلى مِسْعَر؟) انتهى.
وقال الجوهري: (الصاع: هو الذي يكال به، وهو أربعة أمداد إلى خمسة أمداد) ، وقال ابن سيده: (الصاع: مكيال لأهل المدينة يأخذ أربعة أمداد، يذكر ويؤنث، وجمعه أصوع، وأصواع، وصيعان، والصواع: كالصاع) ، وقال ابن الأثير: (الصاع: مكيال يسع أربعة أمداد، والمد مختلف فيه) ، وفي «الجامع» : (تصغيره: صُويع فيمن ذكَّر، وصويعة فيمن أنَّث، وجمع التذكير: أصواع وأصوع، وصوع في التذكير، وأصوع في التأنيث) ، وفي «الجمهرة» : (أصوع في أدنى العدد) ، وقال ابن بري: (الصواب في جمع صاع: أصوع) ، قلت: وأصل الصاع: صوع، قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وفيه ثلاث لغات: صاع، وصوع على الأصل، وصواع، والجمع: أصوع، وإن شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة، كذا في «عمدة القاري» ؛ فليحفظ.
(إلى خمسة أمداد) ؛ يعني: ربما زاد النبي الأعظم عليه السلام الغسل على صاع، فاغتسل بخمسة أمداد، والمد: رطلان، والرطل: مئة وثلاثون درهمًا، وقيل: مئة وثمانية وعشرين درهمًا وأربعة أسباع درهم، وتمامه في «الحلية» ، قال شيخ شيخنا: والصاع العراقي: نحو نصف مد دمشقي، وأفاد الحديث: أنَّ التقدير غير لازم حتى من أسبغ بدون ذلك؛ أجزأه، وإن لم يكفه؛ زاد عليه؛ لأنَّ طباع الناس وأحوالهم تختلف، كذا في «البدائع» .
(و) كان النبي الأعظم عليه السلام (يتوضأ بالمد) الذي هو ربع الصاع، وعلى هذا؛ فالسنة ألا يَنْقُصَ ماء الوضوء عن مد، والغسل عن صاع، فإذا توضأ واغتسل به؛ فقد حصَّل السنة، وهو الأفضل، بل يغسل بقدر ما لا يؤدي إلى الوسواس، فإن أدى إليه؛ لا يستعمل إلا بقدر الحاجة رغمًا للشيطان، قال في «الخلاصة» : (والتقدير في الوضوء بالمد إذا كان لا يحتاج إلى الاستنجاء، فإن احتاج إليه؛ لا يكفيه، بل يستنجي برطل، أو يتوضأ بالمد، فإن كان لابس الخفين؛ يتوضأ برطل، والحاصل: أنَّ الرطل للاستنجاء، والرطل للقدمين، والرطل لسائر الأعضاء) انتهى.
واعلم أن الوضوء على أربعة أوجه: إمَّا ألَّا يستنجي ويمسح على الخفين، أو يستنجي ويمسح على الخفين، أو لا يستنجي ويغسل الرجلين، أو يستنجي ويغسل الرجلين، أمَّا الأول؛ فيكفيه رطل، وأمَّا الثاني؛ فاثنان؛ واحد للاستنجاء وآخر للوضوء، وأمَّا الثالث؛ فكذلك واحد للرجلين وواحد للبقية، وأدنى ما يكفي من الماء في الغسل في الغالب صاع، وفي الوضوء ربعه؛ وهو المد، وللاستنجاء ثمنه؛ وهو الرطل، وإن أراد أن يمسح على خفيه؛ كفاه في الوضوء رطل، كذا في «منهل الطلاب» .
وزعم ابن حجر: (أنَّ أنسًا رضي الله عنه لم يَطَّلِعْ على أنه عليه السلام لم يستعمل في الغسل أكثر من ذلك؛ لأنَّه جعلها النهاية، وسيأتي حديث عائشة: «أنَّها كانت تغتسل هي والنبي عليه السلام من إناء واحد وهو الفَرَق» ، وروى مسلم من حديث عائشة أيضًا: «أنه عليه السلام كان يغتسل من إناء يسع ثلاثة أمداد» ) ، وردَّه في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: أنس رضي الله عنه لم يجعل ما ذكره نهاية لا يتجاوز عنها ولا ينقص عنها، وإنما حكى ما شاهده، والحال يختلف بقدر اختلاف الحاجة، وحديث الفَرَق لا يدل على أن عائشة والنبي عليه السلام كانا [1] يغتسلان بجميع ما في الفَرَق، وغاية ما في الباب أنَّه يدل على أنَّهما كانا يغتسلان من إناء واحد يسمى فَرَقًا، وكونهما يغتسلان منه لا يستلزم استعمال جميع ما فيه من الماء، وكذلك الكلام في ثلاثة أمداد) .
وزعم أيضًا ابن حجر: (أنَّ فيه ردًّا على من قدَّر الوضوء والغسل بما ذكر في الحديث كابن شعبان من المالكية ومن قال به من الحنفية مع مخالفتهم له في مقدار المد والصاع) ، ورده أيضًا في «عمدة القاري» حيث قال:(قلت: لا ردَّ فيه على من قال به من الأئمة الحنفية؛ لأنَّه لم يقل بذلك على طريق الوجوبكما قال ابن شعبان بطريق الوجوب، فإنه قال: «لا يجزئ أقل من ذلك» ، وأمَّا من قال به من الأئمة الحنفية؛ فهو الإمام محمد بن الحسن، فإنَّه روي عنه أنه قال: «إن المغتسِل لا يمكن أن يعمَّ جسده بأقل من مد، وهذا يختلف باختلاف الأجساد والأشخاص» ، ولهذا جعل ابن عبد السلام للمتوضئ والمغتسل ثلاثة أحوال؛ أحدها: أن يكون معتدل الخلق كاعتدال خلقه عليه السلام، فيَقْتَدِي به في اجتناب النقص عن المد والصاع، والثانية: أن يكون ضئيلًا ونحيف الخلق بحيث لا يعادل جسده جسده عليه السلام، فيُسْتَحَبُّ أن يغتسل من الماء ما يكون نسبته إلى جسده
[ص 176]
كنسبة المد والصاع إلى جسده عليه السلام، والثالث: أن يكون متفاحش الخلق طولًا وعرضًا، وعظم البطن، وثخانة الأعضاء، فيستحب ألَّا ينقص عن مقدار يكون النسبة إلى بدنه كنسبة المد والصاع إلى النبي عليه السلام) .
ثم قال: (واعلم أن الروايات مختلفة في هذا الباب، ففي رواية أبي داود من حديث عائشة: «أنه عليه السلام كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد» ، ومن حديث جابر كذلك، ومن حديث أم عمارة: «أنَّه عليه السلام توضأ، فأتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد» ، وفي رواية عن أنس: «أنه عليه السلام كان يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع» ، وفي رواية ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» ، والحاكم في «مستدركه» من حديث عبد الله بن زيد: «أنَّه عليه السلام أتي بثلثي مد من ماء، فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه» ، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ، وقال الثوري: «حديث أم عمارة حسن» ، وفي رواية مسلم من حديث عائشة: «كانت تغتسل هي والنبي عليه السلام من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد» ، وفي رواية: «من إناء واحد تختلف أيدينا فيه» ، وفي رواية: «فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت فيه» ، وفي أخرى: «كانت تغتسل بخمسة مكاكيك وتتوضأ [2] بمكوك» ، وفي أخرى: «يغسله عليه السلام الصاع ويوضئه المد» ، وفي أخرى: «يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد» ، وفي رواية المؤلف: «نحوًا من صاع» ، وفي لفظ: «من قدح يقال له: الفَرَق» ، وعند النسائي: «نحو ثمانية أرطال» ، وفي «مسند أحمد بن منبع» : «حزرته ثمانية أو تسعة أو عشر أرطال» ، وعند ابن ماجه بسند ضعيف، عن عقيل، عن أبيه قال عليه السلام: «يجزئ من الوضوء مد ومن الغسل صاع» ، وكذا رواه الطبراني في «الأوسط» من حديث ابن عباس، وعند أبي نعيم في «المعرفة» من حديث أم سعيد بنت زيد بن ثابت ترفعه: «الوضوء مد والغسل صاع» ) انتهى.
قلت: وليس معنى الحديث على التوقيت: أنَّه لا يجوز أكثر منه ولا أقل منه، بل هو تقدير أدنى الكفاية عادة، وليس بلازم حتى من أسبغ بدون ذلك؛ أجزأه، وإن لم يكفه؛ زاد عليه؛ لأنَّ طباع الناس وأحوالهم تختلف، كما في [ما] قدمناه عن «البدائع» .
والجمع بين هذه الروايات: أنَّها كانت اغتسالات في أحوال وجد فيها أكثر ما استعمله وأقله، فدل ذلك على أنَّه لا حدَّ في قدر ماء الطهارة يجب استيفاؤه، والإجماع قائم على ذلك، فالقلة والكثرة باعتبار الأشخاص والأحوال؛ فليحفظ.
وقال في «عمدة القاري» : (والفَرَق: بفتح الفاء وفتح الرَّاء، وقال أبو زيد: «بفتح الرَّاء وسكونها» ، وزعم النووي أن الفتح أفصح، وزعم الباجي أنَّه الصواب، وليس كما قال، بل هما لغتان، وقال ابن الأثير: «الفرق _بالتحريك_ يسع ستة عشر رطلًا، وهي ثلاثة أصوع، وقيل: الفرق: خمسة [أقساط] ، وكل قسط نصف صاع، وأما الفرْق _بالسكون_ فمئة وعشرون رطلًا» ، وقال أبو داود: سمعت أحمد ابن حنبل يقول: «الفرق: ستة عشر رطلًا، والمكوك: إناء يسع المد المعروف عندهم» ، وقال ابن الأثير: «المكوك: المد، وقيل: الصاع» ، والأول أشبه؛ لأنَّه جاء في الحديث مفسرًا بالمد، وقال أيضًا: «المكوك: اسم للمكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد، ويجمع على مكاكي؛ بإبدال الياء من الكاف الأخيرة، ويجيء أيضًا على مكاكيك» ) ، انتهى، والله تعالى أعلم.
اللهم إنِّي أسألك بالنبي الأعظم عليه السلام وبآله وأصحابه رضي الله عنهم أن تفرِّج عنا وعن المسلمين، وأن تكشف عنَّا وعنهم الهموم والأحزان، وتبدلها أمنًا وسرورًا برحمتك يا أرحم الراحمين؛ لأنَّ في يوم الاثنين العاشر صفر سنة سبع وسبعين سكَّروا أبواب البلد، ووضعوا العساكر في الأسواق والطرقات، ومسكوا النظام، ففرَّ من فرَّ، وقرَّ من قرَّ، وضجَّ من ضجَّ، وهجَّ من هجَّ، وعزم من عزم، ودعا من دعا، وكبَّر من كبَّر، وأغلق من أغلق، وبات الناس في كرب عظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إنَّه على ما يشاء قدير، وأستغفر الله العظيم.
[1] في الأصل: (كان) .
[2] في الأصل: (يتوضأ) .
[1] في الأصل: (كان) .
[1] في الأصل: (كان) .