فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 860

[حديث: أن رسول الله أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ]

207# وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) ؛ أي: التنيسي، (قال: أخبرنا مالك) ؛ أي: ابن أنس الأصبحي، (عن زيد بن أَسْلَم) ؛ بفتح الهمزة، وسكون السين المهملة، وفتح اللام: العدوي مولى عمر المدني، (عن عطاء) بالمد (بن يسار) ؛ بمثناة تحتية فمهملة مخففة، (عن عبد الله بن عباس) ، وفي رواية: (عن ابن عباس) رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كَتِف) بفتح الكاف وكسر المثناة الفوقية (شاة) ؛ أي: أكل لحم كتف شاة في بيت ضباعة بنت الحارث بن عبد المطلب، وهي بنت عم النبي الأعظم عليه السلام، وعند المؤلف في (الأطعمة) : (تعرَّق) ؛ أي: أكل ما على العَرْق _بفتح العين المهملة وسكون الرَّاء_ وهو العظم، ويقال له: العُراق _بالضم أيضًا_ وفي لفظ: (انتشل عرقًا من قدر) ، وعند مسلم: (أنه أكل عرقًا أو لحمًا، ثم صلى، ولم يتوضأ، ولم يمس ماء) ، ورواه أبو إسحاق السراج في «مسنده» بزيادة: (ولم يُمَضْمِضْ) ، وفي «مسند أحمد» : (انتهش من كتف) ، وعند المؤلف: (أكل من عظم أو تعرق من ضلع) ، وعند ابن ماجه وأبي داود: (فرأيته يسيل على لحيته أمشاج من دم وماء، ثم قام إلى الصلاة) .

(ثم صلى) عليه السلام صلاة الظهر، ثم أكل، وقام إلى صلاة العصر؛ كما سيأتي في قصة المرأة التي صنعت للنبي عليه السلام شاة، (ولم يتوضأ) ، وعند مسلم زيادة: (ولم يمس ماء) ، وزاد أبو إسحاق: (ولم يمضمض) ، كما سبق قريبًا، وهذا مذهب الأستاذ المعظم الإمام الأعظم، والثوري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، والليث، وإسحاق، وأبي ثور رضي الله عنهم، وتبعهم أحمد ابن حنبل إلا أنَّه يرى الوضوء من لحم الجزور فقط، وقال ابن المنذر: (كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء؛ لا يرون الوضوء مما مست النار) .

وقال الحسن البصري والزهري وعمر بن عبد العزيز: (يجب الوضوء مما غيرت النار) ، وهو قول زيد بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي موسى، وأبي هريرة، وأنس، وعائشة، وأم حبيبة، وأبي أيوب، واحتجُّوا بأحاديث؛ منها: حديث أبي طلحة صاحب النبي عليه السلام: (أنه أكل ثور أقط؛ فتوضأ منه) ، قال عمرو: (الثور: القطعة) ، رواه الحافظ الطحاوي بإسناد صحيح، والطبراني في «الكبير» ، ومنها: حديث زيد بن ثابت عن النبي عليه السلام قال: «توضؤوا مما غيرت النار» ، رواه الحافظ الطحاوي، والنسائي، والطبراني، ومنها: حديث أم حبيبة قالت: إن رسول الله عليه السلام قال: «توضؤا مما مست النار» ، رواه الحافظ الطحاوي بإسناد صحيح، وأحمد في «مسنده» ، وأبو داود، والنسائي، ومنها: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: «توضؤوا مما غيرت النار ولو من ثور أقط» ، رواه الحافظ الطحاوي بإسناد صحيح، والترمذي، والسراج، ومنها: حديث سهل ابن الحنظلية قال: قال رسول الله: «من أكل لحمًا؛ فليتوضأ» ، رواه الحافظ الطحاوي بإسناد حسن.

وأجيب: بأن هذه الأحاديث منسوخة بأحاديث كثيرة منها: حديث ابن عباس، وحديث عمرو بن أمية، وغيرهما، وبما روي عن جابر رضي الله عنه قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله عليه السلام هو ترك الوضوء مما مست النار) ، أخرجه الحافظ الطحاوي، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان في «صحيحه» .

وروى مسلم من حديث جابر بن سمرة أن رجلًا سأل رسول لله عليه السلام: أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت؛ فتوضأ، وإن شئت؛ فلا تتوضأ» ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم، توضأ من لحوم الإبل» ، وبه استدل أحمد على وجوب الوضوء من لحم الجَزور، وأجيب عنه وعن ما سبق: أن المراد بالوضوء في الأحاديث: غسل اليدين لا الوضوء الشرعي.

فإن قلت: روي: (توضأ) ، وروي: (لم يتوضأ) .

قلت: هو دائر بين الأمرين، وحديث جابر بيَّن أن المراد الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليد والمضمضة؛ لزيادة دسومة وزهومة لحم الإبل، وقد ورد النهي أن يبيت وفي يده أو فمه دسم؛ خوفًا من عقرب ونحوهما، وبأنه منسوخ بحديث جابر.

وضعَّف في «المجموع» الجوابين بأن الحمل على الوضوء الشرعي مقدم على اللغوي، وترك الوضوء مما مست النار عام، وخبر الوضوء من لحم الإبل خاص، والخاص مقدم على العامسواء كان قبله أو بعده.

وأجيب: بأن الحمل على الوضوء اللغوي صحيح؛ لأنَّه قد ورد الوضوء بمعناه اللغوي؛ كقوله عليه السلام: «الوضوء قبل الطعام بركة، وبعده ينفي اللمم» ، وبأن المعنى اللغوي أعم من المعنى الشرعي، فهو مقدَّم على الشرعي؛ للقرينة الدَّالة على ذلك، وهي الأكل، والإجماع قائم على أنه يسن غسل اليدين قبل الطعام وبعده، وقد حكى البيهقي عن عثمان الدارمي أنه قال: لما اختلفت أحاديث الباب، ولم يتبين الراجح منها؛ نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم أجمعين بعد النبي عليه السلام، فرجحنا به أحد الجانبين، وعدم لزوم الوضوء من ذلك، ولهذا صدَّر المؤلف حديث الباب بالأثر المنقول عن الخلفاء الثلاثة، وقد صحَّ أن النبي الأعظم عليه السلام قال: «إن يطع الناسَ أبا بكر وعمر يرشدوا» ، وقال النووي: (واستقر الإجماع على أنه لا وضوء مما مست النار) ، وسيأتي تمامه؛ فافهم.

[ص 183]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت