[حديث: إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم]
212# وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) ؛ أي: التِّنِّيسي (قال: أخبرنا مالك) ؛ أي: ابن أنس الأصبحي، (عن هشام) ؛ أي: ابن عروة، كما في روايةٍ، (عن أبيه) ؛ أي: عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة) : أم المؤمنين رضي الله عنها: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا نَعَس) بفتح العين المهملة على صيغة الماضي (أحدكم) خطاب خاص أريد به عام (وهو يصلي) : جملة اسمية محلها نصب على الحال؛ (فليَرقُد) ؛ بفتح [التحتية وضم] القاف؛ أي: فلينم استحبابًا؛ أي: بعد فراغه وإتمامه صلاته، لكنه يتجوز، ويخفف فيها، وعند النسائي من طريق أيوب عن هشام: (فلينصرف) ؛ أي: بعد أن يتم صلاته لا أنه يقطعها بمجرد النعاس، كما زعمه المهلب حيث حمله على ظاهره، ويرده قوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] ، (حتى يذهب عنه النوم) : فالشرط سبب للجزاء، وهنا النعاس سبب للنوم، أو سبب للأمر بالنوم، واستظهر الأول الكرماني على حد: اضرب زيدًا تأديبًا، ولا ينافي ما ذكر من الأمر بالنوم ما جاء في حديث ابن عباس من نومه في بيت ميمونة، وأنه قال: (قمت إلى الصلاة، فجعلت إذا أغفيت؛ يأخذ بشحمة أذني) ، ولم يأمره بالنوم؛ لأنَّه جاء تلك الليلة ليتعلَّم، ففعل ذلك ليكون أثبت له؛ فتأمل.
واختلف في أن النوم عينه ناقض فيكون حدثًا، أو ما لا يخلو عنه النائم فيكون ليس بحدث؛ فقال في «المبسوط» وتبعه شراح «الهداية» بالثاني، وهو الصحيح، كما في «الفتاوى الشلبية» و «السراج» ، واختاره فخر الدين الزيلعي، وحكى الاتفاق عليه، ويدل له حديث أبي داود وغيره: «العينان وكاء السَّه، فمن نام؛ فليتوضأ» ، وقال بعضهم بالأول، وبه قال إسحاق، والحسن، والمزني، ويدل له عموم حديث صفوان المروي عند ابن خزيمة، وفيه: «إلا من غائط أو بول أو نوم» ، فسوَّى بينها في الحكم.
وفيه: أنه لا يلزم من اقترانها في اللفظ مساواتها في الحكم، وهذا في حقنا؛ أمَّا في حق النبي الأعظم عليه السلام؛ فمن خصائصه أنَّه لا ينتقض وضوءه بالنوم مطلقًا، وألحق به بقية الأنبياء عليهم السلام؛ لحديث ابن عباس المذكور في هذا «الصحيح» : (نام رسول الله عليه السلام حتى سمعت غطيطه، وصلى ولم يتوضأ) ، وللحديث المشهور: «نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا» .
وقوله: (فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس) ؛ بلفظ اسم الفاعل؛ (لا يدري لعلَّه يستغفر) ؛ أي: يريد أن يستغفر (فيسب نفسه) ؛
[ص 185]
أي: يدعو على نفسه، كما صرح به النسائي؛ تعليل للرقاد أو للأمر به، والفاء في (فيسب) : عاطفة على (يستغفر) ، فهو مرفوع، كهو على حذفها الموجود في بعض الأصول، قال ابن مالك: (جاء في «فيسب» الرفع، باعتبار عطف الفعل على الفعل، والنصب باعتبار أنه جواب لـ «لعلَّ» ، فإنها مثل «ليت» ) ، وجملة (وهو ناعس) : حالية أو معترضة؛ كقوله: (وهو يصلي) ، والفائدة في تغيير الأسلوب بين التركيبين حيث قال في الأول: (نعس) بالماضي، وهنا بلفظ اسم الفاعل، كما قال في «عمدة القاري» : (الدلالة على أنه لا يكفي تجدد أدنى نعاس وانقضاؤه في الحال، بل لا بدَّ من ثبوته بحيث يفضي إلى عدم درايته بما يقول ويقرأ، والفرق بينهما كالفرق بين ضرب زيد قائمًا وقام ضاربًا، وهو احتمال القيام بدون الضرب في الأول، والعكس في الثاني، وإنما اختار ما اختار في كل منهما؛ لأنَّ الحال قيد وفضلة، والأصل في الكلام ما له القيد، ففي الأول: لا شك أن النعاس هو علة الأمر بالرقاد لا الصلاة، فهو المقصود الأصلي في التركيب، وفي الثاني: الصلاة علة للاستغفار؛ لأنَّ تقدير الكلام: فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس؛ يستغفر، فلفظ(لعلَّه يستغفر) : خبر (إنَّ) ، ولفظ: (لا يدري) وقع موقع جزاء (إذا) إن جعلناها شرطية، وإلا؛ فخبر (إنَّ) هو جملة: (لا يدري) ، وجملة: (لعلَّه يستغفر) : معمول لـ (لا يدري) ، والمراد من (لعلَّه يستغفر) : يريد الاستغفار، فلا ينافي أنه يسب؛ أي: يدعو على نفسه، كما سبق؛ فافهم.
ويحتمل أن يكون علة النهي خشية أن يوافق ساعة الإجابة، والترجي هنا عائد إلى المصلي لا إلى المتكلم به؛ أي: لا يدري أمستغفر هو أم سابٌّ مترجيًّا الاستغفار؟ وهو في الواقع بضد ذلك، أو يستغفر؛ بمعنى: يتمكن من الاستغفار والسب؛ كما أن المترجي بين حصول المرجو وعدمه ومتمكن منهما لا على السوية.
ووجه الدلالة من الحديث على الترجمة: أنه أمره بالرقاد، فلولا أن صلاته في هذه الحالة قريبة للبطلان؛ لما أمره بذلك، فدلَّ على أن ما لا يخلو عنه النائم ناقض؛ لأنَّه علله بأنَّه يختلط، فلا يدري أيسب أم يستغفر؟ وذلك من النوم المزيل للعقل، فيكون بمنزلة من سكر، وقد قال الله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] ، ومن ثَمَّ أُلحِق بالنوم غيره من كل ما يزيل العقل؛ كالجنون والإغماء والسكر؛ لأنَّ ذلك أبلغ في الذهول من النوم الذي هو مظنة الحدث، وقد يقال: أشار المؤلف بذكر النوم في الترجمة إلى الحديث المشهور عن علي رضي الله عنه: «العينان وكاء السَّه، فمن نام؛ فليتوضأ» ، وأخرجه مسلم وأبو داود في (الصلاة) ؛ فتأمل.
وقال المهلب: (وفي قوله: «فإن أحدكم ... » إلخ: إشارة إلى العلَّة الموجبة لقطع الصلاة، فمن صار في هذه الحالة؛ فقد انتقض وضوءُه بالإجماع) ، واعترض بأن الإشارة إنَّما هي إلى جواز قطع الصلاة أو الانصراف إذا سلَّم منها، وأما النقض؛ فلا يتبين من الحديث؛ لأنَّ جريان ما ذكر على اللسان ممكن من الناعس، مع أنَّه قائل بأن قليل النوم لا ينقض، فكيف بالنعاس؟! وما ادعاه من الإجماع منقوض، فقد صح عن أبي موسى الأشعري، وابن عمر، وسعيد بن المسيب: أن النوم لا ينقض مطلقًا، انتهى.
وفيه نظر، فإن الإشارة في الحديث إلى التجوز والتخفيف في الصلاة لا إلى جواز قطعها؛ لأنَّه غير جائز، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] ، والصلاة خير الأعمال، فلا ريب في عدم جواز قطعها؛ فافهم.
واستظهر في «عمدة القاري» أن الإشارة إلى اقتصار إتمام ما هو فيه، وعدم استئناف صلاة أخرى، قال: (فتماديه على ما كان فيه يدل على أن النعاس اليسير لا ينافي الطهارة) ، وتمامه فيه.
اللهم إني أسألك بما في المؤلَّف من الأحاديث النبوية، وبجاهِ قائلها عليه السلام أن تفرج عنا وعن المسلمين، فإنه قد ضاق الحال، وطال المآل، آمين.