[حديث: ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوةَ الإيمان]
16# وبه قال: (حدثنا محمد بن المثنى) بالمثلثة ابن عبيد العنَزي؛ بفتح النون بعدها زاي؛ نسبة إلى عنَزة بن أسد؛ حي من ربيعة، البصري، المتوفى بها سنة اثنتين وخمسين ومئتين، (قال: حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد بن الصلت (الثقفي) بالمثلثة، بعدها قاف، ثم فاء؛ نسبة إلى ثقيف، البصري، المتوفى سنة أربع وتسعين ومئة.
(قال: حدثنا أيوب) بن أبي تميم، واسمه: كيسان السختياني؛ بفتح المهملة؛ نسبة لبيع السختيان؛ وهو الجلد، البصري، المتوفى بها سنة إحدى وثلاثين ومئة.
(عن أبي قِلابة) ؛ بكسر القاف وبالموحدة: عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر، البصري المتوفى بالشام سنة أربع ومئة، (عن أنس) وفي رواية: (ابن مالك) (رضي الله عنه عن النبي) الأعظم (صلى الله عليه وسلم) أنه (قال: ثلاث) ؛ أي: ثلاث خصال، مبتدأ خبره جملة (من كن فيه؛ وجد) ؛ أي: أصاب (حلاوة الإيمان) ؛ ولذلك اكتفى بمفعول واحد، والمراد بـ (حلاوة الإيمان) : استلذاذه بالطاعات وانشراح الصدر لها؛ بحيث يخالط لحمه ودمه، فيتنور وجهه، ويحصل له التوفيق الإلهي، فيترك المنهيات ويفعل المأمورات؛ (أن يكون الله) تعالى (ورسوله) عليه السلام (أحب) أفرد الضمير فيه؛ لأنَّه أفعل تفضيل، وهو إذا وُصل بـ (من) أفرد دائمًا (إليه مما) إنَّما قال: (مما) ولم يقل: (ممن) ؛ ليعم العاقل وغيره، (سواهما) عبر بالتثنية؛ إشارة إلى أن المعتبر: هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما؛ فإنَّها وحدها لاغية إذا لم تربط بالأخرى، ولا يعارض تثنية الضمير هنا بقصة
[ص 14]
الخطيب؛ حيث قال:
ومن يعصهما؛ فقد غوى، فقال له عليه السلام: «بئس الخطيب أنت» ، فأمره بالإفراد؛ إشعارًا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزامه الغواية، وقيل: إنه من الخصائص فيمتنع من غيره عليه السلام، والمراد بـ (الحب) هنا العقلي؛ وهو إيثار ما يقتضي العقل رجحانه، ويستدعي اختياره، وإن كان على خلاف هواه؛ فتأمل.
(وأن يحب) المتلبس بها (المَرء) بفتح الميم حال كونه (لا يحبه إلا لله) عز وجل، (وأن يكره) المكروه ضد المحبوب (أن يعود) ؛ أي: العود (في الكفر كما يكره أن يُقذَف) ؛ بضم أوله وفتح ثالثه؛ أي: مثل كرهه القذف (في النار) ؛ وهذا نتيجة حلاوة الإيمان بظهور نوره، وضياء محاسنه، وقبح الكفر وشينه، وإنما عَدَّى (العَوْد) بـ (في) ولم يُعَدِّه بـ (إلى) .
أجاب الإمام شهاب الدين الكرماني: بأنه ضمِّن معنى الاستقرار؛ كأنَّه قال: أن يعود مستقرًا فيه، وارتضاه ابن حجر العسقلاني وأجاب به، واعترضه الإمام بدر الدين العيني: بأنَّ هذا تعسف، وإنما (في) هنا؛ بمعنى (إلى) كقوله تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [إبراهيم: 13] ؛ أي: لتصيرنَّ إلى ملتنا، قلت: وهو وجيه، كما لا يخفى على من له أدنى حظ في العلم، فرحم الله هذا الإمام ما أعلمه في المنطوق، والمفهوم، والحجة، والبرهان، وما ذاك إلا من الحنان المنان، اللهم إنِّي أسألك بسيدنا النبي الأعظم عليه السلام وبقدوتنا الإمام الأعظم رضي الله عنه؛ أن يطيل عمري في طاعتك، ويرزقني العلم النافع، والرزق الواسع، ويقهر أعدائي قهرًا يمنع عنهم الراحة والقرار، ويضيِّق عليهم فسيح الأرض، وواسع الأقطار، وأن يدخلني الجنة، وأن يكثر أولادي ويجعلهم من الصالحين، آمين.