فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 860

[حديث حذيفة: ليته أمسك أتى الرسول سباطة]

226# وبالسَّند قال: (حدثنا محمَّد بن عَرْعَرَة) ؛ بعينين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة، ثم أخرى بعدها مفتوحة؛ لوقوع هاء التأنيث بعدها (قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج، (عن منصور) هو ابن المعتمر، (عن أبي وائل) هو شقيق الكوفي (قال: كان أبو موسى) هو عبد الله بن قَيْس (الأشعري) رضي الله تعالى عنه (يشدد في البول) : جملة محلها النصب خبر (كان) ؛ أي: أنه كان يحتاط احتياطًا عظيمًا في الاحتراز عن رشاش البول حتى إنه كان يبول في القارورة؛ خوفًا من أن يصيبه من رشاشه شيء، وأخرج ابن المُنْذِر من طريق عبد الرحمن بن الأسودعن أبيه: أنه سمع أبا موسى ورأى رجلًا يبول قائمًا، فقال: ويحك! أفلا قاعدًا؟ ثم ذكر قصة بني إسرائيل، (ويقول: إن بني إسرائيل) ؛ أي: أولاد يعقوب عليه السلام، وإسرائيل لقبه، ووجه تلقيب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام بإسرائيل ما قاله في «عمدة القاري» : (من أنه كان يعقوب وعيصوا أخوين [1] كانا في بطن [2] أمهما معًا، فلما جاء وقت وضعهما؛ اقتتلا في بطنها لأجل الخروج أولًا، فقال عيصو: والله لئن خرجت قبلي؛ لأعترض في بطن أمي لأقتلها، فتأخَّر يعقوب وخرج عيصو قبله فسمِّي عيصوا، وسُمِّي يعقوب؛ لأنَّه خرج آخرًا عقب عيصو، وكان يعقوب أكبرهما في البطن، وكان أحبهما إلى أمه، وكان عيصو أحبهما إلى أبيه، وكان صاحب صيد، فلما كبر أبوهما إسحاق وغشي على عينيه؛ قال لعيصو: يا بني؛ أطعمني لحم صيد أدعو لك بدعاء كان أبي دعا لي به، وكان أشعر، وكان يعقوب أجرد، فخرج عيصو إلى الصيد، فقالت أمه ليعقوب: خذ شاة واشوها، والبس جلدها، وقدمها إلى أبيك، وقل: أنا ابنك عيصو، ففعل فمسَّه إسحاق، فقال: المسُّ مسُّ عيصو، والريح ريح يعقوب، فقالت أمه: ابنك عيصو فادع له، فأكل منها، ودعا له بأن يجعل الله في ذريته الأنبياء والملوك، ثم جاء عيصو بالصيد فقال إسحاق: يا بني؛ لقد سبقك أخوك فغضب، وقال: والله لأقتلنه، فقال إسحاق: يا بني؛ قد بقيت دعوة، فدعا له بأن يكون ذريته عدد التراب ولا يملكهم أحد غيرهم، وقالت أمُّ يعقوب له: الحق بخالك، فكن عنده خشية أن يقتلك عيصو، فانطلق يعقوب إلى خاله لابان، فكان ببابل، وقيل: بحران، فكان يسري بالليل ويمكن بالنهار؛ فلذلك سمي إسرائيل، فأخذ من السرى والليل، وقيل: معناه: عبد الله؛ لأنَّ إيل اسم من أسماء الله تعالى بالسريانية، كما يقال: جبرائيل، وميكائيل [3] ) انتهى.

قلت: قيل: إن ذرية عيصو الإفرنج المشهورين بالروسية الموسكوف، وقال البغوي: (قال ابن عباس، ومُجَاهِد، وغيرهما: أقبل يعقوب من حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عيصو، وكان رجلًا قويًّا، فلقيه مَلَك، فظن يعقوب أنه لصٌّ فعالجه أن يصرعه، فغمز الملك فخذ يعقوب، ثم صعد إلى السماء ويعقوب ينظر إليه فهاج به عرق النسا، ولقي من ذلك شدة فكان لا ينام الليل من الوجع، ويبيت وله زقاء؛ أي: صياح، فحلف يعقوب لئن شفاه الله؛ لا يأكل عرقًا ولا طعامًا فيه عرق، فحرَّمه على نفسه، فكان بنوه بعد ذلك يتبعون العروق يخرجونها من اللحم) انتهى.

قلت: وهذا مشاهد معلوم من اليهود، فإن لهم جماعة عند الجزارين ينقُّون العروق، قيل: إن يعقوب لما استوطن في بيت المقدس وجاءه أولاده المذكورون [4] في القرآن العظيم وكبروا؛ ذهب عيصو يدِّور على أخيه إلى أن قرب إلى بيت المقدس، فأُخبِر يعقوب بمجيئه، فقال لأولاده: اذهبوا إلى باب البلد وقفوا عنده، فإذا جاء عيصو ومرَّ عليكم؛ فقبِّلوا يديه، وقولوا له: نحن عبيد عيصو، فإن سأل عني وعنكم؛ فأخبروه ففعلوا، فلما رآهم عيصو؛ سألهم، فأجابوه، فسألهم عن أبيهم يعقوب، فقالوا [5] : في محل كذا، فذهب إليه وقبَّلوا بعضهم بعضًا، وعفا عنه، ورضي، وتمامه في «عقود الجمان في أخبار الزمان» للشيخ بدر الدين العيني صاحب «عمدة القاري» قُدِّس سرُّه، فإنه كتاب لم أجد [من] سبقه إليه، جمع فيه فأوعى، وأودع فأغنى، وهو يبلغ نحوًا من عشرة مجلدات، وكان عندي منه مجلد واحد رضي الله عن هذا المؤلف ما أغزر علمه واطلاعه!

(كان) ؛ للشأن، وليس ضميرها يعود على (بني إسرائيل) حتى يرد أنهم جمع، وهو مفرد، بل هو ضمير الشأن، والجملة الشرطية من (كان) وخبرها خبر (إنَّ) ، ويحتمل عوده على (بني) ؛ لأنَّه بمعنى ولد أو سبط مثلًا، والأظهر الأول؛ فتأمل، (إذا أصاب) أي: البول (ثوبَ أحدهم) ؛ بنصب (ثوب) على المفعولية، ووقع في رواية مسلم: (إذا أصاب جلد أحدهم) ، قال القرطبيُّ: (مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها) ، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الأمر الذي حملوه، ويؤيده رواية أبي داود، عن عبد الرحمن بن حسنة، قال: انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبيِّ عليه السلام فخرج ومعه درقة، ثم استتر بها، ثم قال: فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمع ذلك فقال: ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول؛ قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم فعُذِّبَ في قبره، قال منصور، عن أبي وائل، عن أبي موسى: جلد أحدهم، وقال عاصم، عن أبي وائل، عن أبي موسى: جسد أحدهم).

وقوله: (انظروا يبول كما تبول المرأة) ، وهذا القول منهما وقع من غير قصد، أو وقع بطريق التعجب، أو بطريق الاستفسار عن هذا الفعل؛ فلذلك قال عليه السلام: «ألم تعلموا ... إلخ» ، ولم يقولا هذا بطريق الاستهزاء والاستخفاف؛ لأنَّ الصحابة براء [6] من هذا الكلام، وأراد بـ (صاحب بني إسرائيل) : موسى الكليم عليه السلام.

فإن قلت: كيف يترتب قوله على قوله: فنهاهم؟

قلت: فيه حذف؛ تقديره: فنهاهم عن إصابة البول ولم ينتهوا، فعذبهم الله، والفاء في (فعذب) فاء السببية؛ نحو قوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: 15] ، كذا في «عمدة القاري» .

(قَرَضَه) ؛ بفتح القاف والراء، والضاد المعجمة؛ أي: قطعه، وفي رواية الأصيلي، والإسماعيلي: (قرضه) بالمقراض، وهذه الرواية ترد قول من يقول: بالقرض الغسل بالماء، وهذا من الأمر المدفوع عن هذه الأمة، ورواية المؤلف هنا صريحة في أنَّ المراد: الجلد الملبوس؛ لتصريحه بالثياب، فلعل ما في «أبي داود» تصرُّف من بعض الرواة؛ لظنه أن المراد بالجلد الواقع في بعض الروايات: الجسد، وليس كذلك، كما علمت؛ فافهم وتأمل، (فقال حذيفة) أي: ابن اليمان، عن أبي موسى الأشعري: (ليته أمسك) ؛ أي: ليت أبا موسى أمسك نفسه عن هذا التشديد في أمر البول أو لسانه عن هذا القول، أو كليهما عن كليهما، ومقصوده: أن هذا التشديد خلاف السنة، فالإمساك عنه خير، (فقد أتى) بفتح الهمزة (النبيُّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم سُباطة) بضمِّ السين المهملة: كناسة (قوم) ؛ أي: جماعة من الأنصار، (فبال قائمًا) وفي رواية الإسماعيلي: (لوددت أن صاحبكم لا يشدِّد هذا التشديد) ؛ أي: ولا شك في كون القائم معرَّضًا للرشاش، ولم يلتفت عليه السلام إلى هذا الاحتمال ولم يتكلَّف البول في القارورة، قال ابن بطال: (وهذا الحديث حجة لمن رخَّص في يسير البول؛ لأنَّ المعهود ممن بال قائمًا أن يتطاير إليه مثل رؤوس الإبر، وفيه يسر وسماحة على هذه الأمة حيث لم يوجب القرض كما أوجب على بني إسرائيل) ، وقال سفيان الثوري: كانوا يرخِّصون في

[ص 204]

القليل من البول.

قلت: والمراد من رؤوس الإبر محل إدخال الخيط وإن امتلأ منه الثوب والبدن للضرورة؛ لأنَّه لا يمكن الاحتراز عنه، لا سيما في مهبِّ الريح، فسقط اعتباره، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذا، فقال: إنا لنرجو من الله تعالى أوسع من هذا، كما في «السراج الوهاج» ، فهذا حجة ودليل ظاهر لإمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم رضي الله عنه في قوله: إنه معفوٌّ عنه، وسهل فيها كما سهل في يسير كل النجاسات، وقال مالك: يغسلها استحبابًا وتنزُّهًا، وهو قول الإمام أبي يوسف، وشدد الأمر الشافعي، وقال: يجب غسل ما يدركه الطرف من سائر النجاسات، وهذا الحديث حجة عليه؛ لأنَّ الاحتراز عنه غير ممكن ضرورة، وفيه حرج بيِّنٌ وهو مدفوع، وروي عن محمَّد بن علي زين العابدين: أنه تكلَّف لبيت الخلاء ثوبًا، ثم تركه، وقال: لم يتكلَّف لهذا من هو خير مني؛ يعني: رسول الله عليه السلام، والخلفاء رضي الله عنهم، ويدل لذلك: حديث أبي هريرة السابق، وفيه: «فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» ، فهو يشير إلى عدم اعتبار نجاسة الرشاش من النجاسات؛ لأنَّه لو اعتبرناه نجسًا؛ لزال معنى التيسير المأمور به، ولثبت معنى التعسير وهو خلاف المأمور به، والله تعالى أعلم، اللهم؛ فرج عنا وعن المسلمين، واكشف يا ربنا هذا الهم والغم عن أمة نبيك محمَّد عليه السلام.

وقال القسطلاني: (وفي الاستدلال على الرخصة المذكورة ببوله عليه السلام قائمًا نظر؛ لأنَّه عليه السلام في تلك الحالة لم يصل إليه منه شيء) ، قال ابن حبَّان: (إنما بال قائمًا؛ لأنَّه لم يجد مكانًا يصلح للقعود، فقام لكون الطرف الذي يليه من السباطة عاليًا، فأمن من أن يرتد عليه شيء من بوله، أو كانت السباطة رخوة لا يرتد إلى البائل شيء من بوله) انتهى.

قلت: وهذا ممنوع، فإن بوله عليه السلام قائمًا وكذا غيره لا بدَّ وأن يصل إليه الرشاش من البول غالبًا، والغالب كالمتحقق.

وقوله: (لم يصل إليه منه شيء) دعوة باطلة؛ لتضمنها النفي وهو غير مقبول، ودعوانا مثبتة، والمثبت مقدم على النافي، على أنه لا دليل يدل على عدم الوصول، بل الظاهر المتبادر من هذه الحالة إنَّما هو الوصول لا غير.

وقوله: (لأنَّه لم يجد مكانًا يصلح للقعود) ممنوع، فإن الأرض واسعة صالحة للقعود، وليس لأحد إنكار ذلك، وإنكاره كإنكار وجود الشمس في السماء في رابعة النهار.

وقوله: (لكون الطرف الذي يليه من السباطة عاليًا ... ) إلخ ممنوع؛ لأنَّ السباطة على وجه الأرض في العادة ليست عالية ولا متسفلة، وأي دليل على أنها عالية؟ وإذا كانت ليست بعالية؛ فالطرف منها غير عالٍ ضرورة، وفي هذه الحالة إذا بال أحد؛ فلا ريب أنه يصله الرشاش، فدعوى عدم الوصول باطلة لا دليل عليها.

وقوله: (فأمن من أن يرتد ... ) إلخ ممنوع؛ لأنَّه لا دليل على ذلك، فإن السباطة ليس لها أطراف، وإنما هي مكان على وجه الأرض معد لرمي الأوساخ المجتمعة في البيوت، وهي تضمحل وتذهب بالريح أو يأخذها أرباب البساتين.

وقوله: (أو كانت السباطة رخوة ... ) إلخ ممنوع؛ فإن السباطة ليست ببناء ولا من غيره، وإنما هي أرض صلبة بدليل أنها في فناء البيوت، وفناؤها أرض صلبة غير رخوة، وتارة يكون محلها صخر أو جبل كما هو العادة في القرى والبلدان، فلا ريب أنه في الحالة المذكورة إذا بال؛ يرتد عليه شيء من الرشاش لما ذكرنا؛ لأنَّ الصخر والجبل لصلابته، وكذا الأرض المعهودة كذلك صلبة؛ لعدم ورود الماء عليها ودائمًا الشمس عليها صلبة، لا يستقر البول عليها، بل يتطاير على البائل غالبًا، والغالب كالمتحقق؛ فافهم.

ولا داعي لهذا التشديد حتى يدخل في تشديد بني إسرائيل، فإن الله تعالى أمر باليسر ونبيُّه عليه السلام كذلك كما علمت، وقال تعالى: { [اجْتَبَاكُمْ] وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78] ، ولا ريب أن اعتبار ذلك حرج بيِّنٌ، وقد أمرنا سبحانه وتعالى باجتنابه ورفعه عنا، فباعتباره إلزام الحرج علينا، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (أخوان) ، وليس بصحيح.

[2] زيد في الأصل: (واحد) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[3] في الأصل: (فجبرائل ومكائل) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[4] في الأصل: (المذكورين) ، وليس بصحيح.

[5] في الأصل: (فقال) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[6] في الأصل: (بريئات) .

[1] في الأصل: (أخوان) ، وليس بصحيح.

[2] زيد في الأصل: (واحد) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[3] في الأصل: (فجبرائل ومكائل) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[4] في الأصل: (المذكورين) ، وليس بصحيح.

[5] في الأصل: (فقال) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[1] في الأصل: (أخوان) ، وليس بصحيح.

[2] زيد في الأصل: (واحد) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[3] في الأصل: (فجبرائل ومكائل) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[4] في الأصل: (المذكورين) ، وليس بصحيح.

[5] في الأصل: (فقال) ، ولعل المثبت هو الصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت