فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 860

[حديث: ألقوها وما حولها فاطرحوه]

235# وبه قال: (حدثنا إسماعيل) : هو ابن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) : هو ابن أنس الأصبحي، (عن ابن شهاب) : زاد في الرواية: (الزُّهري) ؛ أي: محمَّد بن مسلم، (عن عُبيد الله) ؛ بالتصغير، بضمِّ العين (بن عبد الله) ؛ بالتكبير، زاد في رواية: (ابن عُتْبَة بن مسعود) ، (عن ابن عباس) رضي الله عنهما، (عن ميمونة) : أم المؤمنين بنت الحارث خالة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سُئل) ؛ بضمِّ السين المهملة، مبنيًّا للمفعول، قال القسطلاني: ويحتمل أن يكون السائل ميمونة.

قلت: وهذا الاحتمال بعيد؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لقالت: قلت: يا رسول الله عليه السَّلام، ولم تقل: (سُئل) ؛ بالبناء للمجهول؛ لأنَّها لو كانت هي السائلة؛ يلزم منها بالإبهام صفة الكبر والعجب، وهي وأمثالها منزهة عن ذلك؛ فليحفظ، فالتحقيق أنه لم يعلم السائل، (عن فأْرة) ؛ بهمزة ساكنة، وجمعها: فأر؛ بالهمز أيضًا، وقد تبدل الهمزة ألفًا (سقطت) ؛ أي: وقعت (في سمن) ؛ أي: جامد، كما في رواية النسائي عن مالك، وزاد المؤلف في (الذبائح) : (فماتت) ؛ لأنَّها في حال حياتها طاهرة، وهو مذهب الإمام الأعظم وأصحابه جميعًا بلا خلاف بينهم، وهو مذهب مالك والجمهور، وعند الشافعي: هي نجسة، كما زعمه ابن العربي؛ فافهم، (فقال) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: (أَلقوها) ؛ أي: الفأرة؛ بقطع الهمزة المفتوحة؛ أي: ارموها (وما حولها) ؛ أي: وما حول الفأرة من السمن، ويعلم من هذه الرواية: أن السمن كان جامدًا، كما صرح به في الرواية الأخرى؛ لأنَّ المائع لا حوله [1] له؛ إذ الكل حوله، قاله صاحب «عمدة القاري» رحمه الله، ورضي الله عنه، وقوله: (فاطرحوه) : ثبت في رواية؛ ومعناه: اطرحوا الملقي [2] من الفأرة وما حولها، وهذا مراد من عبر بـ (اطرحوا) بالجميع، ويكون تأكيدًا لما قبله، (وكلوا سمنكم) ؛ أي: الباقي؛ لعدم تنجسه بسريان النَّجاسة إليه؛ لأنَّه جامد؛ لأنَّ الجامد لا يسري بعضه إلى بعض، بخلاف المائع، قال في «عمدة القاري» : وفي الحديث: أن السمن الجامد إذا وقعت فيه فأرة أو نحوها؛ تُطْرَحُ الفأرة، ويؤخذ ما حولها من

[ص 223]

السمن، وتُرْمَى به، ولكن إذا تحقق أن شيئًا منها إذا لم يصل إلى شيء خارج عما حولها، والباقي يُؤْكَل، ويقاس على هذا نحو العسل والدبس إذا كان جامدًا؛ فيجري فيه هذا الحكم، وأما المائع؛ فقد اختلفوا فيه؛ فذهب الجمهور إلى أنَّه ينجس كله قليلًا كان أو كثيرًا، وقد شذَّ قوم؛ فجعلوا المائع كله كالماء، ولا يعتبر ذلك؛ لأنَّهم ليسوا عند أهل العلم ممن يعتد لهم بخلاف، فلا وجه للاشتغال برده، وسلك داود بن علي الظاهري مسلكهم إلا في السمن الجامد والذائب، فإنه تبع فيه ظاهر هذا الحديث، وخالف معناه في العسل والخل وسائر المائعات، فجعلها كلها في لحوق النَّجاسة إياها بما ظهر فيها، فشذ أيضًا، ويلزمه ألَّا يتعدى الفأرة، كما لا يتعدى السمن، قال: واختلف العلماء في الاستصباح به بعد إجماعهم على نجاسته، فقالت طائفة: لا يستصبح به، ولا ينتفع بشيء منه، وممن قال بذلك الحسن بن صالح وأحمد ابن حنبل محتجين بالرواية المذكورة، وإن كان مائعًا؛ فلا تقربوه، وبعموم النهي عن الميتة في الكتاب العزيز، وقال آخرون: يجوز الاستصباح به والانتفاع في كل شيء إلا الأكل والبيع، وهو قول مالك بن أنس، ومحمَّد بن إدريس، والثوري، أما الأكل؛ فمجمع على تحريمه إلا الشذوذ الذي قدمناه، وأما الاستصباح؛ فروي عن علي وابن عمر رضي الله عنهم: أنهما أجازا ذلك، ومن حجتهم في تحريم بيعه قوله عليه السَّلام: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها، وأكلوا ثمنها، إن الله إذا حرم أكل شيء؛ حرم ثمنه» ، وقال الجمهور منهم: يجوز أن ينتفع به، ويجوز بيعه، ولا يؤكل، وممن قال بذلك: الإمام الأعظم، والإمام أبو يوسف، والإمام محمَّد، وأصحابه، والليث بن سعد، وقد روي ذلك عن أبي موسى الأشعري، والقاسم، وسلام محتجين بالرواية الأخرى وإن كان مائعًا، فاستصبحوا به، وانتفعوا به، والبيع من باب الانتفاع.

وأما قوله في حديث عبد الرزاق: (وإن كان مائعًا؛ فلا تقربوه) ؛ فيحتمل أن يراد به الأكل، وقد أجرى صلَّى الله عليه وسلَّم التحريم في شحوم الميتة من كل وجه، ومنع الانتفاع بشيء منها غير الأكل، ومن حجة النظر: أن شحوم الميتة محرمة العين والذات، وأما الزيت ونحوه إذا وقعت فيه الفأرة الميتة؛ فإنما يَنْجُس بالمجاورة، وما يَنْجُس بالمجاورة؛ فبيعه جائز؛ كالثوب تصيبه النَّجاسة من الدم وغيره؛ فيصح بيعه.

وأما قوله عليه السَّلام: «إن الله إذا حرم أكل شيء؛ حرم ثمنه» ؛ فإنما حرم على لحوم الميتة التي حرم أكلها، ولم يُبَحِ الانتفاع بشيء منها، وكذلك الخمر، وأجاز عبد الله بن نافع: غسل الزيت وشبهه تقع فيه الميتة، وروي عن مالك أيضًا، وصفته: أن يعمد إلى ثلاثة أوان أو أكثر، فيجعل النجس في واحدة منها حتى يكون نصفها أو نحوه، ثم ينصَبُّ عليه الماء حتى يمتلئ، ثم يؤخذ الزيت من أعلى الماء، ثم يجعل في آخر، ويعمل به كذلك، ثم في آخر، وهو قول ليس لقائله سلف فيه، ولا تسكن النفس إليه.

وقال الإمام أبو يوسف رضي الله عنه: يطهر ما لا ينعصر بالعصر بغسله ثلاثًا، وتجفيفه في كل مرة، وذلك كالحنطة، والخرقة الجديدة، والحصير، أو السكين المموه بالماء النجس، واللحم المغلي بالماء النجس، فالطريق فيه أن تُغْسَلَ الحنطة ثلاثًا، وتجفف في كل مرة، وكذلك الحصير، وتغسل الخرقة حتى لا يبقى له بعد ذلك طعم، ولا لون، ولا رائحة، وتُمَوَّه السكين بالماء الطاهر ثلاث مرات، ويُطْبَخ اللحم ثلاث مرات، ويجفف في كل مرة، ويرد من الطبخ، وأما العسل، واللبن، ونحوهما إذا ماتت فيه فأرة ونحوها؛ فتجعل في الإناء، وتصب فيه الماء، ويطبخ حتى يعود إلى ما كان، هكذا يفعل ثلاث مرات.

وقال الإمام محمَّد بن الحسن رضي الله عنه: ما لا ينعصر بالعصر إذا تنجس؛ لا يطهر أبدًا، وقد روي ذلك عن عطاء، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عنه قال: ذكروا أنه يُدْهَنُ به السفن، ولا يمس ذلك، ولكن يؤخذ بعود، فقلت: يُدْهَنُ به غير السفن؟ قال: لم يعلم، قلت: وأين يُدْهَنُ به من السفن؟ قال: ظهورها ولا يُدْهَنُ بطونها، قلت: فلا بد أن يمس، قال: يغسل يديه من مسه، وقد روي عن جابر: المنع من الدهن به، وعن سحنون: إن موتها في الزيت الكثير غير ضار، وليس الزيت كالماء، وعن عبد الملك: إذا وقعت فأرة أو دجاجة في زيت أو بئر؛ فإن لم يتغير طعمه ولا ريحه؛ أزيل ذلك منه، ولم يتنجس، وإن ماتت فيه؛ تنجس وإن كثر [3] ؛ لأنَّ الفأرة حال حياتها طاهرة عندنا وعند مالك، وقول ابن العربي: إنها نجسة عندنا خطأ، بل النَّجاسة قول الشافعي، والله تعالى أعلم، انتهى.

[1] في الأصل: (لا حول) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (الملقو) ، وليس بصحيح.

[3] في الأصل: (كثير) .

[1] في الأصل: (لا حول) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (الملقو) ، وليس بصحيح.

[1] في الأصل: (لا حول) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (الملقو) ، وليس بصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت