[حديث: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا]
18# وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع الحمصي (قال: أخبرنا شعيب) بن أبي حمزة القرشي (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو إدريس عائذ الله) بالمعجمة؛ اسم علم؛ أي: ذو عياذة بالله، فهو عطف بيان لقوله: (أبو إدريس) (بن عبد الله) الصحابي، ابن عمر الخولاني، الدمشقي، الصحابي؛ لأنَّ مولده كان عام حنين، التابعي من حيث الرواية، المتوفى بالشام بقرية داريا الكبرى سنة ثمانين: (أن عُبادة) بضم العين (بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي، المتوفى بالرملة سنة أربع وثلاثين عن اثنتين وسبعين سنة، وقيل: في خلافة معاوية سنة خمس وأربعين، (رضي الله عنه وكان شهد بدرًا) ؛ أي: وقعتها، فالنصب بقوله: (شهد) وليس مفعولًا فيه؛ كذا قيل؛ وهي بئرٌ سميت باسم بانيها؛ بدر من بني النضر، (وهو أحد النقباء) جمع نقيب؛ وهو الناظر على القوم، وكانوا اثني عشر رجلًا (ليلة العقبة) ؛ بمنى؛ أي: فيها، و (الواو) في (وهو) كواو (وكان) هي الداخلة على الجملة الموصوف بها؛ لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، وإفادة أن اتصافه بها أمر ثابت ولا ريب أنَّ كون شهودِ عُبادةَ بدرًا وكونه من النقباء صفتان من صفاته، ولا يجوز أن تكون الواو للحال ولا للعطف؛ كذا قاله شيخ الإسلام بدر الدين العيني.
قيل: إن هذا ذكره ابن هشام في «المغني» معزيًا للفاضل الزمخشري، واعترضه ابن مالك في «شرح التسهيل» ، وأجاب عنه نجم الدين سعيد، واعترضه الدماميني، وأجاب عنه الإمام العلامة الشُّمُنِّي الحنفي، وقد تبع جار الله الزمخشري في ذلك أبو البقاء الحنفي العكبري وقوَّاه؛ فليحفظ.
قيل: ويَحتمل أن يكون قائل ذلك أبا إدريس؛ فيكون متصلًا، وإن حُمل على أنه سمع ذلك من عُبادة أو الزهري؛ فيكون منقطعًا، والجملة اعتراض بين (أن) وخبرها الساقط من أصل الرواية، ولعلها سقطت من ناسخ بعدَه؛ بدليل ثبوتها عند المؤلف في (باب من شهد بدرًا) ، والتقدير هنا: أنَّ عُبادة أخبر: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحولَه) بالنصب على الظرفية (عِصابة) ؛ بكسر العين؛ ما بين العشرة إلى الأربعين، وقوله: (من أصحابه) صفة لـ (عصابة) ، والجملة اسمية، و (عصابة) مبتدأ، خبرُه (حولَه) مقدمًا، وإنما قال: (وهو أحد النقباء وإنه شهد بدرًا) ؛ للتقوية والترجيح: (بايعوني) ؛ أي: عاقدوني (على) التوحيد (ألَّا تشركوا بالله شيئًا) ؛ أي: على ترك الإشراك، وهو عام؛ لأنَّه نكرة وهي سياق النهي كالنفي تعم، وقدَّمه؛ لأنَّه الأصل (و) على أن (لا تسرقوا) فيه حذف المفعول؛ ليدل على العموم (ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم) خصهم بالذكر؛ لأنَّهم كانوا في الغالب يقتلونهم خشية الإملاق، أو لأنَّ قتلهم؛ أكبر من قتل غيرهم؛ وهو الوأد؛ وهو أشنع القتل، أو إنه قتل وقطيعة رحم، فصرف العناية إليه أكثر، (ولا تأتوا) بحذف النون، وفي رواية: بإثباتها، (ببهتان) ؛ أي: بكذب يبهت سامعه؛ أي: يدهشه؛ لفظاعته كالرمي بالزنا، وقوله: (تفترونه) من الافتراء؛ أي: تختلقونه (بين أيديكم وأرجلكم) ؛ أي: من قِبل أنفسكم، فكنى باليد والرجل عن الذات؛ لأنَّ معظم الأفعال بهما (ولا تعصوا في معروف) قيَّد به مع أنه عليه السلام لا (يأمر) به؛ للتنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، وخص ما ذكر من المناهي بالذكر دون غيره؛ للاهتمام به، (فمن وفى) ؛ أي: ثبت على العهد، و (وفى) بالتخفيف، وفي رواية: بالتشديد (منكم؛ فأجره على الله) فضلًا ووعدًا بالجنة؛ كما وقع التصريح به في «الصحيحين» ، وفي رواية الصنابحي عن عبادة، وعبر بلفظ (على) وبـ (الأجر) ؛ للمبالغة في تحقق وقوعه؛ لأنَّه لا يجب على الله شيء عندنا، (ومن أصاب) منكم أيها المؤمنون (من ذلك شيئًا) غير الشرك بنصب (شيئًا) مفعول (أصاب) الذي هو صلة من الموصول المتضمن معنى الشرط، والجار للتبعيض، (فعوقب) ؛ أي: به كما رواه أحمد؛ أي: بسببه (في الدنيا) ؛ أي: بأن أقيم عليه الحد؛ (فهو) ؛ أي: العقاب مع التوبة النصوحة (كفارة له) فلا يعاقب عليه في الآخرة، أما إذا لم يتب؛ فإنَّه يعاقب في الآخرة؛ لأنَّ الحدود شرعت لنفع الكافة من صيانة الأنساب، والأعراض، والأموال، وإقامة الحدود مع عدم التوبة؛ لا يفيد المقصود، فلا يكون الحد مطهرًا من الذنب؛ بل المطهر إنَّما هو التوبة عملًا بآية قُطاع الطريق؛ حيث قال الله تعالى بعد ذكر أحكامهم: {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ*إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 33 - 34] .
فأخبر تعالى أن آخر فعلهم؛ عقوبة دنيوية وأخروية، إلَّا من تاب؛ فإنَّها تسقط عنه الأخروية بالإجماع؛ للإجماع على أن التوبة لا تُسقط الحد في الدنيا، ويدل لهذا حديث أبي هريرة المروي عند البزار والحاكم وصححه أنه عليه السلام قال: «لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا» .
وأما حديث علي وفيه: «ومن أصاب ذنبًا فعوقب فيه في الدنيا؛ فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة» ؛ محمول على أنه عند العقوبة قد تاب عن الذنب، على أن قوله: (أن يثني ... إلى آخره) ؛ دليل على أنه إذا لم يتب يعاقب في الآخرة؛ فافهم.
و (شيئًا) : نكرةٌ؛ وهي تفيد العموم، فيشمل إصابة الشرك وغيره، وأجيب بأن المراد بالشرك؛ الإشراك بالله؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] ، وما قيل: إنه الشرك الأصغر وهو الرياء؛ فممنوع؛ لأنَّ الشارع إذا أطلق الشرك إنَّما يريد به ما يقابل التوحيد؛ فليحفظ.
(ومن أصاب من ذلك) المذكور (شيئًا) غير الشرك؛ كما مر، (ثم ستره الله) وفي رواية: (عليه) ؛ (فهو) مفوض (إلى الله) عز وجل (إن شاء عفا عنه) بفضله (وإن شاء عاقبه) بعدله (فبايعناه) ؛ أي: عاقدناه (على ذلك) المذكور.
قيل: مفهومه يتناول من تاب ومن لم يتب، وإنه لم يتحتم دخوله النار؛ بل هو في مشيئة الله تعالى، قلت: يُعارض هذا المفهوم قولُه تعالى في آية قطاع الطريق: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] ، فالاستثناء راجع إلى عذاب الدنيا والآخرة؛ حتى لو تاب قبل القدرة عليه بعد ما خاف الطريق، ولم يقتل، ولم يأخذ شيئًا، سقط عنه حق
[ص 15]
الدنيا والعقاب في الآخرة، وهذا هو التحقيق؛ كذا في «النهر الفائق شرح كنز الدقائق» ، قلت: لكن لا يأمن من مكر الله؛ لأنَّه لم يطلع على قبول توبته، ومن كرمه قبولها.
ونقل العلامة البيرمي في «شرحه على الأشباه» عن «الجواهر» : رجل شرب الخمر وزنى ثم تاب ولم يحد في الدنيا، هل يحد له في الآخرة؟ قال: الحدود حقوق الله تعالى إلَّا أنه تعلق بها حق الناس؛ وهو الانزجار، فإذا تاب توبة نصوحة؛ أرجو ألَّا يحد في الآخرة، فإنَّه لا يكون أكثر من الكفر والردة، وإنَّه يزول بالإسلام والتوبة، انتهى؛ أي: فإن المرتد إذا تاب، فإنه لا يعاقب في الدنيا والآخرة، أما إذا قتل على ارتداده؛ فلا يكون قتله كفارة له؛ لعدم توبته ولبقائه على الشرك، وأخبر سبحانه: بأنَّه لا يغفر أن يشرك به، كما قدمناه، والله تعالى أعلم.