[حديث: بزق النبي صلى الله عليه وسلم في ثوبه]
241# وبه قال: (حدثنا محمَّد بن يوسف) : هو الفِريابي؛ بكسر الفاء وبالتحتية قبل الألف، وبالموحدة (قال: حدثنا سفيان) : هو الثوري، كما صرَّح به الدارقطني، ولأن الفريابي كثير الملازمة للثوري، وتمامه في «عمدة القاري» ، (عن حمُيد) ؛ بضمِّ الحاء المهملة، بالتصغير، المشهور بالطويل.
فإن قلت: لم لا يقال: إن حميدًا هذا هو حميد بن هلال؛ لأنَّه في طبقة حميد الطويل؟
قلت: لأنَّ السفيانين لم يرويا عن حميد بن هلال شيئًا، كذا قاله صاحب «عمدة القاري» ؛ أي: فتعين أن يكون هذا هو حميد الطويل؛ فافهم.
(عن أنس) ؛ أي: ابن مالك، كما في رواية الأصيلي (قال) أي: أنس رضي الله عنه: (بَزق) ؛ بفتح الزاي، من باب (قتل) ؛ أي: بصق، وهو إبدال منه، كما نصَّ عليه في «المصباح» ، ويقال بالسين أيضًا، كما قدمناه (النبيُّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم في ثوبه) أي: ثوب النبيِّ الأعظم عليه السَّلام، وهو الظاهر كما قاله إمام الشارحين، وزعم البرماوي تبعًا للكرماني أنه يحتمل عود الضمير إلى أنس رضي الله عنه، وهو بعيد، قال في «عمدة القاري» : قلت: وجه بعده ما رواه أبو نعيم في «مستخرجه» ، وهو هذا الحديث من طريق الفريابي، وزاد في آخره: (وهو في الصَّلاة) انتهى.
قلت: فهذه الزيادة تعين رجوع الضمير إلى النبيِّ عليه السَّلام، وتنفي عود الضمير إلى أنس، ولهذا اقتصر عليه القسطلاني، كما لا يخفى.
(قال أبو عبد الله) ؛ أي: المؤلف، وفي رواية إسقاط (قال أبو عبد الله) ، لكن أكثر الأصول على إثباتها، وعليها شرح إمام الشارحين الشيخ الإمام بدر الدين العيني رضي الله تعالى عنه: (طوله) ؛ بالضمير، وفي رواية: بحذفه، لكنه مراعًى؛ أي: طول هذا الحديث؛ يعني: ذكره مطولًا في باب (حك البزاق باليد من المسجد) ، وسيأتي إن شاء الله تعالى (ابنُ أبي مريم) ؛ بالرفع فاعل (طوله) ، وهو شيخ المؤلف، واسمه سَعِيْد بن الحكم بن محمَّد بن أبي مريم المصري الثقة، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين (قال: أخبرنا يحيى بن أيُّوب) : هو الغافِقي؛ بمعجمة، ففاء مكسورة، فقاف، المصري مولى عمر بن الحكم بن مروان أبو العباس، المتوفى سنة ثمان وستين ومئة، وفيه لين، وقال أبو حاتم: (لا يحتج به) ، وقال النسائي: (ليس بالقوي) (قال: حدثني) بالإفراد (حُميد)
[ص 240]
بضمِّ الحاء المهملة؛ أي: الطويل المتقدم (قال: سمعت أنسًا) رضي الله تعالى عنه، (عن النبيِّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ يعني: مثل الحديث المذكور، وهو مفعوله الثاني حذف للعلم به، وفيه التصريح بسماع حميد عن أنس خلافًا لما روى يحيى القطان عن حمَّاد بن سَلَمَة أنه قال: حديث حميد عن أنس في البزاق إنَّما سمعه عن ثابت عن أبي نضرة، فظهر من تصريح سماعه أنه لم يدلس فيه، وقال: يحيى القطان، ولم يقل شيئًا؛ لأنَّ هذا قد رواه قتادة عن أنس غير هذا، وهو أنه عليه السلام قال: «البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها» ، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري» .
قال ابن بطال: ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: بزق في ثوبه، وفي (وما تنخم ... ) إلخ، فإن ذلك يفيد طهارة البصاق والمخاط، قال إمام الشارحين: (وهذا أمر مجمع عليه، لا أعلم فيه خلافًا إلا ما روي عن سلمان أنه جعله غير طاهر وإلا الحسن بن حي [1] ، فإنه كرهه في الثوب، وعن الأوزاعي أنه كره أن يدخل سواكه في وضوئه، وذكر ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن إبراهيم النخعي أنه ليس بطهور، وقال ابن حزم: صحَّ عن سلمان الفارسي وإبراهيم النخعي: أن اللعاب نجس إذا فارق الفم، وقال بعض الشراح: وما ثبت عن الشارع من خلافهم؛ فهو المتبع والحجة البالغة، فلا معنى لقول من خالف، وقد أمر الشارع المصلي أن يبصق عن شماله، أو تحت قدمه، وبزق الشارع في طرف ردائه، ثم رد بعضه على بعض، وقال: أو يفعل هكذا، وهذا ظاهر في طهارته؛ لأنَّه لا يجوز أن يقوم المصلي على نجاسة، ولا أن يصلي وفي ثوبه نجاسة) انتهى.
لا يقال: إن بزاقه وغيره من فضلاته عليه السلام طاهرة، فلا يدل على طهارة بزاق غيره؛ لأنا نقول: إن لم يدل ما ذكر على الطهارة؛ فيدل عليها قوله عليه السلام لمن أمره بأن يبزق عن يساره، أو تحت قدمه، وبزق في طرف ردائه، ثم رد بعضه على بعض، وقال: أو تفعل هكذا؛ فافهم.
قال إمام الشارحين: (قلت: أما بصاق النبيِّ عليه السلام؛ فهو أطيب من كل طيب، وأطهر من كل طاهر، وأما بصاق غيره؛ فينبغي أن يكون بالتفصيل؛ وهو أن البصاق طاهر إذا كان من فم طاهر، وأما إذا كان من فم شارب الخمر؛ فينبغي أن يكون نجسًا في حال شربه؛ لأنَّ سؤره في ذلك الوقت نجس، فكذلك بصاقه، وكذا إذا كان من فم من فيه جراحة، أو دمل يخرج منه دم أو قيح، وقال أصحابنا: الدم المساوي للريق ينقض الوضوء استحسانًا كالغالب على البزاق بخلاف الناقص عنه، ولو كان لون الريق أحمر؛ نقض، وإن كان أصفر؛ لا ينقض، ثم إذا حكم بطهارة البزاق على الوجه الذي ذكرناه يعلم منه أنه إذا وقع شيء منه في الماء؛ لا ينجسه، ويجوز الوضوء منه، وكذا إذا وقع في الطعام؛ لا يفسده غير أن بعض الطباع يستقذر ذلك، فلا يخلو عن الكراهة) انتهى والله أعلم.
[1] في الأصل: (حيي) ، ولعل المثبت هو الصواب.