فهرس الكتاب

الصفحة 430 من 860

[حديث: أراني أتسوك بسواك]

246# (وقال عَفَّان) ؛ بفتح العين المهملة، وتشديد الفاء، وبالنون بعد الألف، يحتمل الصرف وعدمه؛ كحسان؛ هو ابن مسلم الصفار الأنصاري البصري، سئل عن القرآن زمن المحنة، فأبى أن يقول القرآن مخلوق، وكان من حكام الجرح والتعديل، جعل له عشرة آلاف دينار على أن يقف عن تعديل رجل، ولا يقول: عدل، أو غير عدل، قالوا: قف فيه، ولا تقل شيئًا، فقال: لا أبطل حقًّا من الحقوق، ولم يأخذها، مات ببغداد سنة عشرين ومئتين، وظاهر قوله: (وقال عفان) : أنه تعليق، لكنَّ صاحب «عمدة القاري» [قال] : أخرج البخاري هذا الحديث بلا رواية.

قلت: وهو من شيوخ المؤلف، فليس بتعليق، بل رواه عنه على سبيل المذاكرة، ولو قال: وقال لي عفان؛ لكان تعليقًا، ويدل لهذا قول «عمدة القاري» المذكور كقول صاحب «المقدمة» عفان بن مسلم الصفار من كبار الثقات الأثبات، لقيه البخاري، وروى عنه شيئًا يسيرًا، وحدث عن جماعة من أصحابه عنه؛ فيحتمل أنه أخذ عنه بلا واسطة في هذا الموضع؛ فلا يكون تعليقًا، ويحتمل بالواسطة؛ فيكون تعليقًا، وهو ظاهر قوله: ثانيًا، وكذا أخرجه البيهقي، وفي «عمدة القاري» وصله أبو عوانة في «صحيحه» : عن محمَّد بن إسحاق الصغاني، وغيره عن عفان، وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني: عن أبي أحمد: حدثنا موسى بن العباس الجويني: حدثنا محمَّد بن يحيى: حدثنا عفان، وقال مسلم في «صحيحه» : عن صخر بن جويرية؛

[ص 248]

فذكره، انتهى.

وقوله: (حدثنا صخر) بالصاد المهملة، والخاء المعجمة، آخره راء (بن جُويرية) ؛ بضمِّ الجيم، تصغير الجارية _بالجيم_ البصري أبو نافع التميمي الثقة، مقول: (وقال عفان) ؛ فافهم، (عن نافع) ؛ مولى ابن عمر القرشي العدوي، (عن ابن عمر) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أن النبيَّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم قال: أَراني) ؛ بفتح الهمزة؛ أي: أرى نفسي، فالفاعل والمفعول عبارتان عن معبِّر واحد، وهذا من خصائص أفعال القلوب، وفي رواية المستملي: (رآني) ؛ بتقديم الراء، والأول أشهر، وفي رواية مسلم: (أراني في المنام) ، وفي رواية الإسماعيلي: (رأيت في المنام) ، فعلى هذا؛ هو من الرؤيا، كذا قاله في «عمدة القاري» .

وقال الكرماني: (وفي بعض النسخ:(أُراني) ؛ بضمِّ الهمزة؛ ومعناه: أظن نفسي، واعترضه ابن حجر: بأن الضمة وهم، ورده في «عمدة القاري» : (بأنه ليس بوهم، والعبارتان تستعملان [1] ) انتهى.

زعم العجلوني فقال: (لعل المراد من الوهم؛ أي: من حيث الرواية ولئن سلم أن التوهيم مطلقًا لجهة أن(أُرى) بضمِّ الهمزة للظن، والمراد هنا اليقين) انتهى.

قلت: وفيه خبط، بل المراد أن الفتح والضم مستعمل من حيث الرواية والمعنى، وكونها بمعنى الظن لا ينافي اليقين؛ لأنَّ الصيغة صيغة ظن، والمراد بها اليقين، كما لا يخفى، فاندفع الوهم وثبت استعمال الضم؛ فليحفظ.

وزعم القسطلاني أن رواية المستملي بتقديم الراء خطأ؛ لأنَّه إنَّما أخبر عما رآه في النوم، انتهى، يعني: وأن هذه تقتضي اليقظة.

قلت: ولا يلزم من إخباره عما رآه في النوم أنها تقتضي اليقظة؛ لأنَّه يجوز أن يكون قصد بذلك جبريل؛ يعني: أنه رآه في المنام؛ فافهم فلا خطأ في الرواية؛ لأنَّ توجيهها ممكن سائغ، فالحكم عليها بالخطأ خطأ ظاهر؛ فليحفظ.

وقوله: (أتسوَّك بسواك) : جملة محلها النصب مفعول ثان، أو حال، والأول أظهر؛ فافهم، (فجاءني رجلان) ؛ أي: ملكان على صورة رجلين، أو رجلان حقيقة وهو الظاهر، وهذا على كون (أراني) مَناميَّة؛ لما قدمنا أن (أراني) معناه: أرى نفسي في المنام، وقال ابن حجر في «المنحة» : (وعلى فتح همزة(أراني) وضمها هو إخبار عما رآه في النوم).

قلت: فقد اعترف باستعمال الضم في (أراني) ، فكيف زعم عليه بالوهم، وما هو إلا تعصب على الكرماني، وتبعه العجلوني فتعصب على «عمدة القاري» ، وهو ممنوع؛ فافهم.

(أحدهما أكبر من الآخر) لعل أحدهما الأكبر هو الأب والأصغر الابن، وكأنه عليه السلام لا يعرفهما قبل ذلك، (فناولت) أي: أعطيت (السواك الأصغر منهما) ؛ أي: من الرجلين يحتمل بطلب منه، ويحتمل بغير طلب، والظاهر الثاني حتى تظهر مزية السواك وفضائله، وزعم العجلوني: أن هذا على حد قول الشاعر:

~ وليست بالأكثر منهم حصى

فيأتي فيه ما قيل في ذاك، انتهى.

قلت: وفيه نظر.

(فقيل لي) القائل له جبريل عليه السلام كما سيذكره من رواية ابن المبارك: (كبر) ؛ أي: قدم الأكبر في السن، (فدفعته) أي: السواك (للأكبر منهما) ؛ امتثالًا لأمره، وظاهره: أنه ناوله، ثم أخذه منه وناوله للأكبر، لكن المراد: أنه ناوله الأصغر، فلم يتناوله ولم يستعمله حين قيل له: (كبر) ، فدفعه للأكبر، والحال أن السواك لم يخرج من يده إلا إلى الأكبر؛ فافهم، (قال أبو عبد الله) أي: المؤلف (اختصره) ؛ أي: متن الحديث، ومعنى الاختصار ههنا أنه ذكر محصل الحديث وحذف بعض مقدماته، كذا قاله في «عمدة القاري» (نُعيم) ؛ بضمِّ النون مصغَّرًا، هو ابن حمَّاد المروزي الخزاعي الأعور، سكن مصر، وقال أحمد: كنا نسميه الفارض؛ لأنَّه كان من أعلم الناس بالفرائض، وسئل عن القرآن فلم يجب بما أرادوه منه، فحبس بسامراء [2] حتى مات في السجن سنة ثمان وعشرين ومئتين زمن خلافة أبي إسحاق بن هارون الرشيد، (عن ابن المبارك) ؛ هو عبد الله، (عن أسامة) ؛ بالسين المهملة، هو ابن زيد الليثي_بالمثلثة_ المدني، وقد تكلم فيه، ولهذا ذكره البخاري استشهادًا، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين، كذا في «عمدة القاري» ، (عن نافع) مولى ابن عمر، (عن ابن عمر) رضي الله عنهما، قال في «عمدة القاري» : (ورواية نعيم هذه وصلها الطبراني في «الأوسط» عن بكر بن سهل عنه بلفظ: «أمرني جبريل عليه السلام أن أكبر» ، ورواه الإسماعيلي من طريقين؛ فذكره، وفيه قال: إن جبريل عليه السلام أمرني أن أدفع إلى أكبرهم) ، وأخرجه أحمد والبيهقي بلفظ: (رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يستن، فأعطاه أكبر القوم، ثم قال: «إن جبريل عليه السلام أمرني أن أكبر» ، وهذا يقتضي أن تكون القضية وقعت في اليقظة، وتلك الرواية صريحة أنها في المنام، فكيف التوفيق؟

قلت: التوفيق بينهما أن رواية اليقظة لما وقعت أخبرهم النبيُّ عليه السلام بما رآه في النوم، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخرون، ومما يشهد له ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يستن وعنده رجلان؛ أحدهما أكبر من الآخر، فأوحي إليه في فضل السواك أن كبر) ؛ أي: أعط السواك أكبرهما، وإسناده صحيح، قال: ففيه تقديم حق الأكابر من جماعة الحضور وتبديته على من هو أصغر منه، وهو السنة أيضًا في السلام، والتحية، والشراب، والطيب، ونحو ذلك، ومن هذا المعنى تقديم ذي السن بالركوب، وشبهه من الإرفاق، وكذا المشي، والكلام، والطعام، وقال المهلب: (تقديم ذي السن أولى في كل شيء ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا؛ فالسنة تقديم ذي الأيمن فالأيمن) وهو صحيح؛ أي: لدلالة أحاديث أخر عليه، وقال الكرماني: (فيه: دليل على تقديم حق الأكبر من الجماعة الحاضرين، والبداءة به) انتهى.

قلت: وقوله: (والبداءة به) ليس على إطلاقه؛ لأنَّ هذا حالة الابتداء ما لو ابتدأ بغيره؛ فالأفضل تقديم من على يمين الذي ابتدأ به؛ فافهم.

وقال ابن المنيِّر: (وانظر في جلساء صاحب المنزل إذا أراد تقديم أحدهم للإمامة وعلى يمينه الأصغر وغيره الأكبر وتساوت الصفات في ذلك، هل يقدم الأيمن أو الأكبر، الظاهر الأكبر؛ لأنَّه لا مدخل لليمين في فضيلة الإمامة بخلاف السن) .

قلت: فإذا اجتمع فيهم أكبر على اليمين وأكبر على اليسار؛ يُقَدَّمُ من على اليمين على الظاهر، وإذا اجتمع أكبر على اليمين وأصغر على اليسار لكنه أعلم؛ ينبغي أن يَقَدَّمُ الأصغر؛ لأنَّه أعلم بأحكام الصَّلاة واليمين ليس منها.

وقال في «عمدة القاري» : (وفيه: أن استعمال سواك الغير غير مكروه إلا أن السنة فيه أن يغسله، ثم يستعمله) انتهى.

قلت: ويدل لهذا ما رواه أبو داود عن عائشة قال: (كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعطيني السواك لأغلسه، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله، ثم أدفعه إليه) ، وهذا يدل على عظيم فطنتها وأدبها حيث إنها لم تغسله ابتداءً حتى لا يفوتها الاستشفاء بريقه عليه السلام، ثم غسلته تأدُّبًا وامتثالًا، ويحتمل أن المراد بأمرها بغسله: تطييبه وتليينه بالماء قبل أن يستعمله، والله تعالى أعلم؛ فافهم.

[1] في الأصل: (مستعملان) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (بسامر) ، وليس بصحيح.

[1] في الأصل: (مستعملان) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[1] في الأصل: (مستعملان) ، ولعل المثبت هو الصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت