فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 860

[حديث: أن النبي كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه]

248# وبه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي (قال: حدثنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي، (عن هشام) هو ابن عروة، (عن أبيه) ؛ هو عروة بن الزبير بن العوام رضي الله عنه، (عن عائشة زوج النبيِّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها: (أن النبيَّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم كان إذا اغتسل) ؛ أي: أراد أن يشرع في الاغتسال (من الجنابة) ؛ يعني: لأجل الجنابة، فـ (من) للسببية، قال في «عمدة القاري» : فإن قلت: لم ذكر في ثلاثة مواضع بلفظ الماضي وهي قولها: (بدأ) ، و (فغسل) ، و (ثم توضأ) ، وذكر البواقي بلفظ المضارع، وهي قوله: (يدخل) ، و (فيخلل) ، و (يصب) ، و (يفيض) ؟

قلت: النكتة فيه أن (إذا) إذا كانت شرطية؛ فالماضي بمعنى المستقبل، والكل مستقبل معنًى، وأما الاختلاف في اللفظ؛ فللإشعار بالفرق بما هو خارج من الغسل وما ليس كذلك، وإن كانت ظرفية؛ فما جاء ماضيًا؛ فهو على أصله، وعدل عن الأصل إلى المضارع؛ لاستحضار صورته للسامعين) انتهى؛ (بدأ) ؛ بالهمزة في آخر، من البداءة، وهي الفعل الأول (فغسل يديه) ؛ أي: ثلاثًا إلى الرسغين قبل أن يدخلهما في الإناء، كما في رواية ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام، وهذا هو الغسل المشروع عند القيام من النوم، ويشهد له هذه الرواية، ويحتمل أن هذا الغسل لأجل التنظيف مما به يكره، وقولها: (أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كان ... ) إلخ يدل على الملازمة والتكرار، وهو يدل على استحباب غسل يديه قبل الشروع في الوضوء والغسل إلا إذا كان عليهما [1] شيء مما يجب إزالته؛ فحينئذٍ يكون واجبًا، كذا قرره صاحب «عمدة القاري» ، وهذا الغسل غير الغسل الذي في الوضوء، فلا تكفيه عن تثليث الوضوء لما في «مسلم» في هذا الحديث: (فيفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه) ، ولما عند ابن خزيمة: (يصب من الإناء على يده اليمنى، فيفرغ عليها فيغسلها، ثم يصب على شماله، فيغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة) ، ومثله عند أبي داود، والترمذي، فهذا يدل على أنه يغسلهما؛ ليكون متناولًا الماء بآلة طاهرة لمزيد التنظيف، ويؤيده قوله في الحديث: «ثم يتوضأ كوضوئه للصلاة» ، فلا شك في التغاير، وهو ظاهر عبارة «الهداية» ، و «التنوير» ، وزيادة غسل الفرج فائدة عظيمة؛ لأنَّه مظنة النجاسة، فيفيض الماء عليه بيده اليمنى، ويغسله باليسرى حتى ينقيه وإن لم يكن به نجاسة كما فعله عليه السلام؛ ليطمئن قلبه بوصول الماء إلى الجزء الذي ينضم حال القيام وينفرج حال الجلوس، وبهذا يعلم وجه تسميته فرجًا، وإنما وسطه بين غسل اليدين والوضوء؛ لأنَّه مظنة النجاسة فيطمئن قلبه بزوالها حتى لا تشيع على بدنه ولو كانت قليلة فيتنجس، والمراد بالفرج قُبل الرجل والمرأة، وقد يطلق على الدبر أيضًا، كما في «المغرب» للعلامة المطرزي، وفي «البرجندي» : (والمراد به هنا: القبل والدبر وإن اختص لغة بالقبل) ، كذا في «منهل الطلاب» ، (ثم يتوضأ) ولأبي ذر: (ثم توضأ) (كما يُتوضَّأ للصلاة) مبني للمفعول أو للفاعل؛ أي: مثل وضوء الصَّلاة فيثلث الغسل، ويأتي بجميع سننه وآدابه كما في «البحر» ، قال: (ويمسح رأسه هو الصحيح) ، وفي «البدائع» : أنه ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم، وروى الإمام الحسن عن الإمام الأعظم أنه لا يمسحه؛ لأنَّه لا فائدة فيه؛ لأنَّ الإسالة تقوم مقام المسح، لكن المذهب المصحح أنه يمسحه كما نص عليه في «مبسوط شيخ الإسلام» ؛ لأنَّه أتمُّ للغسل، وهذا الوضوء قبل الغسل سُنَّة كما دل عليه الحديث، كما دل على أنه لا يؤخر غسل رجليه سواء كان في مستنقع الماء أو لا، وهو ظاهر إطلاق «الكنز» ، و «التنوير» ، لكن ظاهر حديث ميمونة الآتي يدل على أنه يؤخر غسلهما سواء كان في مستنقع الماء أو لا، وهو ظاهر إطلاق الأكثرين، ووفق بين الحديثين في «البحر» : بأنه إن كان في مستنقع الماء؛ فيؤخر، وإن كان على شيء مرتفع؛ كقبقاب أو كرسي؛ لا يؤخر، وصحَّحه في «المجتبى» ، وجزم به في «الهداية» ، و «الكافي» ، و «المبسوط» ، قال في «البحر» : (والظاهر: أن الخلاف في الأولوية لا في الجواز) ، كذا في «منهل الطلاب» ، وروى هذا الحديث مسلم من طريق أبي معاوية عن هشام، وقال في آخره: (ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه) ، وهذه الزيادة تفرَّد بها أبو معاوية عن هشام دون أصحابه، وقول البيهقي: إنها صحيحة، يرده: أن الحفاظ قد تكلموا في رواية [2] أبي معاوية وعلى فرض صحتها؛ فالمحفوظ في حديث عائشة هو الأول، أو يحمل على أنه أعاد غسلهما؛ لاستيعاب الغسل بعد أن كان غسلهما في الوضوء، فيوافق ما في حديث الباب، وهذا هو الأفضل عند الشافعي ومالك على المشهور، وقيل: يؤخر إلى ما بعد الفراغ من الغسل؛ لحديث ميمونة، وعن مالك: إن كان في موضع وسخ؛ أخَّرهما، وإلا؛ فلا، وزعم ابن حجر أن الروايات عن عائشة تحمل على أكثر الوضوء، ويستدل برواية أبي معاوية على جواز التفريق في الوضوء.

قلت: وهذا غير صحيح، فإن الوضوء ليس له أكثر ولا أقل شرعًا بخلافه لغة، فكأنه خلط معناه اللغوي بالمعنى الشرعي مع أن المقام هنا والمراد معناه الشرعي، فإن كان الوضوء ناقصًا؛ فلا يقال: إنه توضَّأ، ولا تصح معه الصَّلاة، كما لا يخفى.

وقوله: (ويستدل ... ) إلخ هذا غير ظاهر، بل الظاهر منها أنه يستدل بروايته على عدم

[ص 256]

وجوب المولاة في الوضوء، وعلى أن الوضوء يندرج في ضمن الغسل، ولا يحتاج إلى نية فيرتفع عنه الحدثان، وهذا ظاهر؛ فليحفظ، وهو مذهب الأئمَّة الحنفية.

وزعم ابن بطال أن الإجماع على أنه لا يجب الوضوء مع الغسل.

ورد: بأن جماعة كأبي ثور، وداود، وغيرهما ذهبوا إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث، وما روي عن عليٍّ: أنه كان يتوضأ بعد الغسل؛ فغير ثابت عنه، ولو ثبت؛ فهو محمول على أنه انتقض وضوءه أو شك فيه، وما علمت من سنية غسلها كبقية أعضاء الوضوء ثلاثًا خالف فيه القاضي عياض، كما نقله أبيأبو عبد الله عنه، فقال: لم يأت في شيء من وضوء الجنب ذكر التكرار، وأجيب: بأن قول البخاري كما يتوضأ للصلاة يفيد التكرار ثلاثًا فيهما، وكذا في حديث ميمونة الآتي، وقدقال بعض شيوخنا: التكرار في الغسل لا فضيلة فيه، ولا يلزم من عدم الفضيلة في الغسل عدمها في الوضوء، ومنهم من كان يفتي بالتكرار، ومنهم من كان يفتي بعدمه، انتهى كلامه.

(ثم يُدخِل) ؛ أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (أصابعه في الماء) ففيه جواز إدخال الأصابع في الماء، ولا يصير الماء مستعملًا؛ لأنَّ الطهارة لا تتجزأ على الصحيح؛ فافهم، (فيخلل بها) أي: بأصابعه التي أدخلها في الماء (أصول شَعَره) ؛ بالتحريك؛ أي: شعر رأسه، وفي رواية: (أصول الشعر) ، ويدل على أن المراد شعر رأسه: رواية حمَّاد بن سَلَمَة عن هشام: (يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك) ، رواه البيهقي، وعند الترمذي، والنسائي: (ثم يشرب شعره الماء) ؛ أي: شعر رأسه كما مر، وهذا يدل على أنه يفترض عليه غسل داخل المضفور من شعره، ويفترض عليه أيضًا نقض ضفائره، ولو كان علويًّا أو تركيًّا على الصحيح لعدم الضرورة، ولأنَّه لا يكون التخليل إلا بهذا، ولأنَّه ممكن حلقه بخلاف المرأة، فإنها منهية عنه بالحديث، وتصير مثلة، فلا يمكنها حلقه شرعًا وعرفًا، هذا مذهب الإمام الأعظم، وفي رواية عنه: لا يجب نقض ضفائر العلوي والتركي نظرًا للعادة، والصحيح أنه ينقضها مطلقًا كما علمت، وفي «شرح المنية» : ويفترض عليه إيصال الماء إلى ما استرسل من شعره هو الصحيح، ومذهب المالكية أنه يجب تخليل شعر رأسه؛ لقوله عليه السلام: «خللوا الشعر، ونقوا البشرة؛ فإن تحت كل شعرة جنابة» ، وهو عام، فيشمل جميع ما تقدم، فليحفظ، كذا في «منهل الطلاب» ، وزعم الشافعية والحنابلة: أن التخليل غير واجب إلا إن كان ملبدًا يتوقف إيصال الماء إلى باطنه، والحديث حجة عليهم؛ فافهم، ويدل هذا أيضًا على أنه يفترض غسل أصول اللحية، ففي «الفتاوى الهندية» : ويجب على الرجل إيصال الماء إلى أثناء اللحية كما يجب إلى أصولها، وهذا مستفاد من الحديث، فتخليل الشعر فرض في الغسل، سنة في الوضوء، وفي اللحية قولان للمالكية، فروى ابن القاسم: عدم الوجوب، ونقل ابن بطال: الوجوب، وقال القاضي عياض: واحتج بعضهم على تخليل شعر اللحية في الغسل، إما لعموم قوله عليه السلام «أصول الشعر» ، وإما بالقياس على شعر الرأس.

قلت: وهو ظاهر، فإن قوله: (أصول الشعر) يشمل الرأس واللحية، فيفترض غسل شعرها؛ لهذا العموم.

فإن قلت: رواية حمَّاد بينت أن التخليل في شعر الرأس دون اللحية.

قلت: يفترض غسل اللحية بالقياس على غسل شعر الرأس؛ لأنَّه المتفق في الروايات على أن رواية حمَّاد تحتمل أن الراوي رآه حين كان يخلل شعر رأسه، ولم يره حين خلل شعر لحيته، وكلٌّ روى بما شاهد؛ فافهم.

(ثم يصبُّ) أي: الماء (على رأسه ثلاث غُرف) ؛ بضمِّ الغين المعجمة، جمع غُرفة؛ بالضم أيضًا؛ وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف، وفي بعض النسخ: (غرفات) ، والأول رواية الكشميهني، وهذا هو الأصل؛ لأنَّ مميز الثلاثة ينبغي أن يكون من جموع القلة، ولكن ذكر وجه الغرف أنَّ جمع الكثرة يقوم مقام جمع القلة، وبالعكس، وعند الكوفيين: (فعل) بضمِّ الفاء وكسرها من باب جموع القلة؛ كقوله تعالى: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ} [هود: 13] ، وقوله تعالى: {ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27] ، كذا في «عمدة القاري» ، وقوله: (بيديه) ؛ بالتثنية، وفي بعض النسخ بالإفراد، متعلق بـ: (يصب) ، وعند أبي داود من حديث رجل من سواءة عن عائشة: (أنه عليه السلام كان يغسل رأسه بالخطمي وهو جنب يجتزئ بذلك، ولا يصب عليه الماء) ، وفي لفظ: (حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة، أو أنقى البشرة؛ أفرغ على رأسه ثلاثًا، وإذا فضلت فضلة؛ صبَّها عليه) ، وعند الطوسي مصحَّحًا: (ثم يشرب شعره الماء، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات) ، وفي لفظ: (ثم غسل مرافقه، وأفاض عليه، فإذا أنقاها؛ أهوى إلى حائط، ثم يستقبل الوضوء، ثم يفيض الماء على رأسه) ، وعند ابن ماجه: (كان يفيض على كفيه ثلاث مرات، وأما نحن؛ فنغسل رؤوسنا خمس مرار من أجل الظفر) ، (ثم يفيض) ؛ أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ أي: يسيل من الإفاضة؛ وهي الإسالة (على جلده كله) ؛ أي: على جميع بدنه، وهذا التأكيد بلفظ الكل يدل على أنه عمَّم جميع بدنه بالغسل، فالمراد بقوله: (جلده) ؛ أي: بدنه لا جسده، كما زعمه العجلوني، كما في «القاموس» (البَدَنُ؛ محركة: من الجسد ما سوى الرأس) انتهى، فكأنه لم يفرق بين الجسد والبدن؛ فافهم.

وقولها: (ثم يفيض ... ) إلخ لا يفهم منه الدلك؛ لأنَّ الإفاضة بمعنى: الإسالة، فليس بفرض، بل هو مستحب عند الإمام الأعظم، والشافعي، وأحمد، وبعض المالكية. وخالف مالك، والمزني فذهب إلى وجوبه بالقياس على الوضوء، وقال ابن بطال: (هذا لازم) ، ورده في «عمدة القاري» : (بأنه ليس بلازم؛ إذ لا نسلم وجوب الدلك في الوضوء) انتهى؛ أي: فإن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضئ من غير إمرار، فبطلت دعوى اللزوم، وقال الإمام أبو يوسف: الدلك في الغسل فرض، وفي الوضوء سنة؛ لقوله تعالى: {فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ؛ بصيغة المبالغة، وهي تقتضي الدلك، وأجيب: بأنها تقتضي التعميم لا الدلك.

وقال المازري: (لا حجة في قوله: «ثم يفيض» ؛ لأنَّ أفاض بمعنى: غسل، والخلاف في الغسل قائم) .

قال ابن حجر: (ولا يخفى ما فيه؛ فافهم) ؛ أي: لأنَّ أفاض بمعنى: سال، يقال: فاض الماء: سال، وأفاض الماء على بدنه؛ أي: أساله؛ أي: صبه؛ فليحفظ.

ففي الحديث: استحباب التثليث في الغسل، وهو مذهب الإمام الأعظم، والجمهور، وعند الشافعي: استحبابه في مسح الرأس أيضًا.

وقال القرطبي: لا يستحب التثليث في الغسل؛ لأنَّه لا يفهم من هذه الغرفات الثلاث أنه غسل رأسه ثلاثًا؛ لأنَّ التكرار في الغسل غير مشروع؛ لما في ذلك من المشقة، وإنما كان ذلك العدد؛ لأنَّه بدأ بجانب رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم على وسط رأسه، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلابة، فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه) ، رواه المؤلف، وأبو داود على ما يجيء، وقال النووي: لا نعلم في استحباب التثليث في الغسل خلافًا إلا ما انفرد به الماوردي، فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل، وقال ابن حجر: وكذا قال به أبو علي السنجي في «شرح الفروع» ، وكذا القرطبي، انتهى.

قلت: مراد النووي بقوله: (لا نعلم فيه خلافًا) ؛ أي: من أصحابه الشافعية، وإلا؛ فالمرجح عند الماليكة: أنه لا يثلث إلا غسل الرأس؛ فافهم، والله أعلم.

[1] في الأصل: (عليها) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (روايته) ، وليس بصحيح.

[1] في الأصل: (عليها) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[1] في الأصل: (عليها) ، ولعل المثبت هو الصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت