فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 860

[حديث أبي سلمة: دخلت أنا وأخو عائشة]

251# وبه قال: (حدثنا) ؛ بالجمع، وفي رواية بالإفراد (عبد الله بن محمَّد) ؛ هو الجعفي الُمسندي؛ بضمِّ الميم من ذرية الجعفي الذي أسلم جد البخاري المغيرة على يديه (قال: حدثنا) ؛ بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (عبد الصمد) ؛ هو ابن عبد الوارث التنوري (قال: حدثنا) ؛ بالجمع، وفي رواية: بالإفراد (شعبة) ؛ هو ابن الحجاج (قال: حدثني) ؛ بالإفراد (أبو بكر بن حفص) ؛ هو ابن عمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو مشهور بالكنية، وقيل: اسمه عبد الله (قال: سمعت أبا سَلَمَة) ؛ هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ابن أخت عائشة من الرضاعة، أرضعته أم كلثوم أخت أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فعائشة خالته (يقول) ؛ أي: أبو سَلَمَة، والجملة محلها النصب على الحال، هذا هو الصحيح؛ لأنَّ (سمعت) لا يتعدَّى إلا إلى مفعول واحد، وعلى قول من يقول يتعدى إلى مفعولين؛ منهم: الفارسي؛ يكون في محل النصب على أنها مفعول ثان، كذا قرره صاحب «عمدة القاري» : (دخلت أنا وأخو عائشة) رضي الله عنها؛ أي: من الرضاعة، وهو عبد الله بن يزيد البصري، كما عند مسلم في (الجنائز) ، واختاره النووي، وقيل: هو: كثير بن عبيد الكوفي كما في «الأدب المفرد» للمؤلف، و «سنن أبي داود» ، وأما قول الداودي: إنه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وقول الآخرين: إنه الطفيل بن عبد الله؛ فإنه أخوها لأمها، فقال صاحب «عمدة القاري» : (قيل: إنه وهم وغير صحيح، والدليل على فساد هذين القولين: ما رواه مسلم من طريق معاذ، والنسائي من طريق خالد بن الحارث، وأبو عوانة من طريق يزيد بن هارون؛ كلهم عن شعبة في هذا الحديث أنه أخوها من الرضاعة) انتهى وتبعه ابن حجر، والقسطلاني، والعجلوني، لكن قال إمام الشارحين في «عمدة القاري» : (ثم الذي ادَّعى أنه عبد الله بن يزيد استدلَّ بما روى مسلم في(الجنائز) عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد، والظاهر أنه لم يتعين، والأقرب أنه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ولا يلزم من رواية مسلم وغيره أن يتعين عبد الله بن يزيد؛ لأنَّ الذي سألها عن غسل رسول الله عليه السلام لا يتعين أن يكون هو الذي روى عنه أبو قلابة في «الجنائز» ) انتهى.

قلت: على أن عبد الرحمن أعم؛ لأنَّه أخوها من النسب والرضاعة، وظاهر حديث الباب يدل عليه؛ لأنَّه المشهور بالأخوَّة لها، والذي استدل بأنه كثير بن عبيد فاستدل بما رواه المؤلف في «الأدب المفرد» ، وأبو داود في «السنن» ؛ كلاهما عن أبي قلابة عن كثير بن عبيد، وهذا يدل على أنه لا يتعين؛ لأنَّه لا يلزم من روايتهما أن يتعين كثير بن عبيد؛ لأنَّ الذي سألها عن غسله عليه السلام لا يتعين أن يكون هو الذي روى عنه أبو قلابة في (الصَّلاة) ، فالظاهر أنه لم يتعين واحد منهم، بل يحتمل كل واحد منهم، والظاهر أنه عبد الرحمن بن أبي بكر؛ لأنَّه هو الأخ الحقيقي من النسب والرضاعة، وحديث الباب يدل عليه؛ فليحفظ.

قال في «عمدة القاري» : وقوله: «وأخو عائشة» عطف على الضمير المرفوع المتصل بعد التوكيد بضمير منفصل، وهو قوله: (أنا) ، وهذه هي القاعدة؛ لأنَّه لا يحسن العطف على الضمير المتصل بارزًا كان أو مستترًا إلا بعد توكيده بضمير منفصل؛ نحو: {لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} [الأنبياء: 54] ) انتهى؛ فليحفظ.

(على عائشة) ؛ الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما، (فسألها أخوها) ؛ أي: عبد الرحمن، أو غيره على ما مر (عن غُسل) ؛ بضمِّ الغين المعجمة، وفي بعض الأصول بفتحها (النبيُّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ أي: من الجنابة، وعن بيان كيفيته، (فدعت) ؛ أي: عائشة (بإناءٍ نحو) ؛ بالجر والتنوين في (نحو) ؛ لأنَّه صفة (إناء) ، وفي رواية كريمة: (نحوًا) ؛ بالنصب، فيحتمل وجهين؛ أحدهما: كون موصوفه منصوب المحل؛ لأنَّه مفعول قوله: (فدعت) ، والثاني: بإضمار (أعني) ، ونحوه، كذا قاله في «عمدة القاري» .

قلت: وعلى الأول: فيكون نعتًا للمجرور باعتبار المحل، فإن المعنى: طلبت إناء نحوًا، وعلى الثاني: فيكون مفعولًا لفعل محذوف، وزعم العجلوني: أن الثاني أولى.

قلت: هو غير ظاهر، فإنه لا أولوية لأحدهما، بل الوجهان على حد سواء في ظهور المعنى على أنه يقال: الوجه الأول أولى؛ لأنَّه في الحقيقة مفعول فعل مذكور، والوجه الثاني فعله مقدر، وإذا دار الأمر بين الظاهر والمقدر؛ فالظاهر هو الأولى، كما لا يخفى؛ فافهم.

(من صاع) ؛ أي: قريبًا من الصاع لما سيأتي في تفسيره بذلك، (فاغتسلت) ؛ أي: عائشة، (وأفاضت) أي: أسالت الماء (على رأسها) وهذه الجملة كالتفسير لقوله: (فاغتسلت) (وبيننا وبينها حجاب) ؛ أي: ستر، والجملة وقعت حالًا.

قال القاضي عياض: ظاهر هذا الحديث أنهما رأيا [1] عملها في رأسها وأعالي جسدها؛ مما يحل للمَحرَم نظره من ذات الرحم، ولولا أنهما شاهدا ذلك كله في ستر، كله في ستر عنهما؛ لرجع الحال إلى وصف أيهما، وإنما فعلت الستر؛ لئلا يرى أسافل البدن، وما لا يحل للمحرم النظر إليها، وفي فعلها هذا دلالة على استحباب التعلم بالفعل، فإنه أوقع في النفس من القول، وأدل عليه، كذا في «عمدة القاري» .

وزعم ابن حجر أنه لما كان السؤال محتملًا للكيفية والكمية؛ بينت لهما ما يدل على الأمرين معًا؛ أما الكيفية؛ فبالإقتصار على إفاضة الماء، وأما الكمية؛ فبالاكتفاء بالصاع.

ورده صاحب «عمدة القاري» ، فقال: (قلت: لا نسلم أن السؤال عن الكمية أيضًا، ولئن سلم؛ فلم يتبين إلا الكيفية؛ لأنَّها طلبت إناء ما مثل صاع، فيحتمل أن يكون ذلك الماء ملء الإناء أو أقل منه) انتهى.

قلت: وهو ظاهر، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم.

[ص 262]

ثم قال في «عمدة القاري» : (وفيه ما يدل على أن العدد والتكرار في إفاضة الماء ليس بشرط، والشرط وصول الماء إلى جميع البدن) انتهى.

قلت: فإذا حصل التعميم والوصول بمرة؛ فلا يزاد عليها؛ لأنَّ الأمر لا يقتضي التكرار، على أن الإسراف في الماء مكروه، كما قدمنا، فينبغي أن يراعي حالًا وسطًا من غير إسراف ولا تقتير، ويكره ضرب الماء بجسده؛ لأنَّه خلاف السنة، وهي: الإفاضة، فما يفعله بعض المتعصبين في الحمامين حيث يصب على رأسه عشرة أجران ماء، ثم يذهب إلى المغطس وينغمس عشر مرار أو أكثر مكروه قطعًا؛ لأنَّ فيه إتلاف مال الغير وهو حرام، وفيه إيذاء الناس بانتظارهم فراغه، وفيه جلب الغيبة له، وغير ذلك مما لم يأذن به الشرع، وهذا كله بدع خارجة عن فعل الشارع، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة بالنار؛ فافهم.

(قال أبو عبد الله:) أي: المؤلف: (قال) وفي رواية: (وقال) ، وبإسقاط: (قال: أبو عبد الله) ، وزيادة واو (يزيد بن هارون) مما هو موصول في «مستخرج أبي نُعيم، وأبي عوانة» ، (وبَهْز) ؛ بفتح الموحدة، وسكون الهاء، آخره زاي، هو: ابن أسد أبو الأسود بن سعد البصري، المتوفى بمرو في بضع وتسعين ومئة، وطريقه موصول عند الإسماعيلي، (والجُدِّي) ؛ بضمِّ الجيم، وتشديد الدال المهملة، نسبة إلى جُدَّة التي في ساحل البحر من ناحية مكة، وهو: عبد الملك بن إبراهيم، ونسب إليها؛ لأنَّ أصله منها، لكنه سكن البصرة، مات سنة خمس ومئتين، وأما طريقه؛ فقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» : (فلم أقف عليه) انتهى، وهؤلاء الثلاثة روَوا (عن شعبة) ؛ هو: ابن الحجاج، هذا الحديث، فقوله: (عن شعبة) متعلق بهؤلاء الثلاثة، وهذه متابعة ناقصة ذكرها المؤلف تعليقًا، ولفظ الحديث: (قدر صاع) ؛ بدل (نحو من صاع) ؛ تقديره: فدعت بإناء قدر صاع، ويجوز الوجهان المذكوران في (نحو من صاع) ههنا أيضًا، كذا قاله إمام الشارحين.

قلت: فالجر يجوز أن يكون صفة لـ (إناء) كما مر، ويجوز أن يكون بيانًا لـ (إناء) ، والنصب ظاهر، والأولى الصفة لا البيان، كما لا يخفى.

وزعم ابن حجر وتبعه العجلوني أن المراد من الروايتين أن الاغتسال وقع على الصاع من الماء تقريبًا لا تحديدًا، واعترضه صاحب «عمدة القاري» فقال: (هذا القائل ذكر في الباب السابق في حديث مُجَاهِد عن عائشة: أنه حزر الإناء ثمانية أرطال، إن الحزر لا يعارض التحديد، ونقض كلامه هذا بقوله: والمراد من الروايتين ... إلى آخره) انتهى.

قلت: فالتناقض في كلامه ظاهر، وما اعترض ابن حجر به وقع فيه، وقدمنا أن المراد بالحزر التقدير، وأن مُجَاهِد لم يشك في الثمانية كما رواه النسائي والحافظ الطحاوي، وعليه أهل اللغة؛ فليحفظ.

[1] في الأصل: (رأى) ، والمثبت هو الصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت