فهرس الكتاب

الصفحة 475 من 860

[حديث ميمونة: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءًا لجنابة فأكفأ بيمينه]

274# وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا يوسف بن عيسى) : هو ابن يعقوب المروزي المتوفى سنة تسع وأربعين ومئتين (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (الفَضْل) ؛ بفتح الفاء، وسكون الضاد المعجمة (بن موسى) : هو أبو عبد الله السيناني نسبة إلى سِيْنان _بكسر السين المهملة، وسكون التحتية، وبنونين بينهما ألف_: قرية من قرى مرو خراسان، المتوفى سنة إحدى وتسعين ومئة (قال: أخبرنا الأعمش) : هو سليمان بن مهران، (عن سالم) : هو ابن أبي الجعد رافع الكوفي، (عن كُريْب مولى ابن عباس) ؛ بضمِّ الكاف، وسكون التحتية، (عن ابن عباس) : هو عبد الله رضي الله عنهما، (عن) خالته (ميمونة) : أم المؤمنين بنت الحارث رضي الله عنها (قالت: وَضع) ؛ بفتح الواو على البناء للمعلوم (رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ بالرفع فاعله (وَضوءَالجنابة) ؛ بالإضافة للأكثرين، والنصب على المفعولية، وبلام واحدة، وفي رواية: (وَضوءًا للجنابة) ؛ بلامين، بفتح الواو، والتنوين، والنصب على المفعولية، وفي رواية أخرى: (وضوءًالجنابة) ؛ بلام واحدة، والنصب، والتنوين، وفي رواية أخرى: (وُضِعَ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ بضمِّ الواو على البناء للمجهول؛ أي: لأجله، و (وضوءٌ) بالرفع والتنوين نائب عن الفاعل.

قال الكرماني:(الوَضوء؛ بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به لا الذي يغتسل به، فكيف قال: وَضوء الجنابة؟

وأجاب: بأنَّه أراد مطلق الماء الذي يتطهر به مجازًا مرسلًا من إطلاق المقيد على المطلق؛ كضده، وهو تقييد المطلق؛ كإطلاق الرسن على أنف الإنسان)انتهى.

وقال البرماوي: أضافه إلى (الجنابة) ؛ لأنَّه صار اسمًا له ولو استعمل في غير الوضوء.

وقال ابن فرحون: (وَضوء الجنابة) يقع على الماء والإناء، فإن كان الموضوع الماء؛ فهو على تقدير وضع الماء في تورٍ أو نحوه، وإن كان الإناء؛ فهو موضوع حقيقة، وأضيف إلى (الجنابة) إضافة تخصيص؛ لأنَّه معدٌّ لغسلها) انتهى.

قلت: ولما كان الـ (وَضوء) ؛ بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به، وغُسل الجنابة مشتمل على الوضوء والاغتسال؛ فأطلق عليه (وَضوء الجنابة) من إطلاق البعض وإرادة الكل، وأضافه إليها؛ لأنَّه يفعل لأجلها؛ فتأمل.

(فأكفأ) ؛ بالهمزة أوله وآخره رواية الأكثرين، ولأبي ذر: (فكفأ) ؛ بالهمزة آخره؛ ومعناه: قلب الإناء (بيمينه على يساره) كذا هو للأكثرين، ولكريمة (على شماله) بدل (على يساره) ، (مرتين أو ثلاثًا) الظاهر: أنَّ الشك من ميمونة، ويحتمل غيرها، (ثم غسل فرجه) المراد به: القبل والدبر، (ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط) أي: بأن جعل الأرض أو الحائط آلة للضرب، وفي رواية الكشميهني: (ضرب بيده الأرض) ، قال الكرماني: (والمعنى فيهما واحد، فيحتمل أنَّ الأولى من باب القلب؛ كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، ويحتمل أنَّه ضمن الفعل بمعنى: فعفَّر يده بالأرض) (مرتين أو ثلاثًا) الشك من ميمونة على الأظهر، وإنَّما ضرب يده الأرض؛ لأنَّه ربما بقي على يده شيء من المني وغيره، وهو للزاجته ورائحته لا يخرج إلا بالضرب على الأرض أو الحائط، (ثم مضمض) وفي رواية: (تمضمض) ؛ بزيادة فوقية، (واستنشق) فإنَّهما من سنن الوضوء، وينوبان عن فرض الاغتسال، (وغسل وجهه) أي: ولحيته، (وذراعيه) ؛ أي: ساعديه مع مرفقيه، والذِّراع _بكسر الذال المعجمة_ يذكر ويؤنث، وسمي ذراعًا؛ لأنَّهم في الصدر الأول كانوا يذرعون به في بيوعهم وشرائهم، (ثم أفاض) من الإفاضة؛ وهي الإسالة؛ أي: أسال (على رأسه الماء) وعلى شعره، (ثم غسل جسده) ؛ أي: ما بقي من جسده، (ثم تَنَحَّى) ؛ بالفوقية، والنون، والحاء المهملة المفتوحات؛ أي: تباعد عن مكانه إلى مكان آخر، (فغسل رجليه) تحرُّزًا عن الماء المستعمل؛ لأنَّهما في مجتمع الماء، وهو مستعمل، (قالت) ؛ أي: ميمونة، ووقع في رواية الأَصيلي: (عائشة) ، قال في «عمدة القاري» : (وهو غلط ظاهر) ، وتبعه جميع الشراح إلا أن العجلوني زعم أنَّه لا مانع من كون عائشة كانت حاضرة الاغتسال، فأتته بخرقة، فردها.

قلت: بل المانع ظاهر، فإنَّ هذا الاغتسال كان في بيت ميمونة؛ لأنَّ ذاك الوقت كان نوبتها، واحتمال حضور عائشة عندها بعيد؛ لأنَّ أحد الزوجات لا تأتي إلى عند الأخرى يوم نوبتها على أنَّه عليه السلام كان كثير الحياء، فلا يمكن أن يغتسل عند ميمونة بحضور عائشة خوفًا من الغيرة؛ فليحفظ.

(فأتيته بخِرقة) ؛ بكسر الخاء المعجمة؛ أي: ليتنشف بها، (فلم يُرِدْها) ؛ بضمِّ التحتية، وكسر الراء، وسكون الدال المهملة، من الإرادة، وما وقع لأبي السكن من تشديد الدال من الرد، فوهَّمه فيه صاحب «المطالع» وغيره، كما قدمناه، ويدل له الرواية الآتية: (فلم يأخذها) ، (فجعل) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (ينفض بيده) ، وفي رواية للأَصيلي: بحذف الباء الموحدة، وفي رواية أبي ذر: (فجعل لينفض الماء بيده) ؛ ففيه: دليل على أنَّ نفض اليد بعد الوضوء والغسل لا بأس به، قال في «منهل الطلاب» : واختلفوا فيه، ففي «معراج الدراية» : أنَّه لا بأس به، ومثله في «التاترخانية» ، وفيها: أنَّه مكروه، والمعتمد إن كان من التضجر؛ فمكروه، وإن كان لأجل سرعة نزول الماء عنه؛ فلا بأس به؛ لأنَّه لم يثبت في النهي عنه شيء أصلًا، ومشى في «الدر المختار» : على أنَّه مكروه؛ أي: لأنَّ فيه إظهار التضجر من العبادة، وفيه: دليل على كراهية التمسح بالخرقة، وقد سبق أنَّه عليه السلام كانت له خرقة للوضوء، فلعله رأى هنا في الخرقة وسخًا أو غبارًا أو غير ذلك؛ لأنَّ الصحيح أنه لا بأس بالتمسح بالمنديل للمتوضئ والمغتسل إلا أنه لا يبالغ ويستقصي، فيبقى أثر الماء على أعضائه؛ لأنَّه أثر العبادة؛ فافهم.

[ص 285]

وفي الحديث: دليل على أنَّ المغتسل إذا توضأ أولًا ثم اغتسل؛ لم يجب عليه إعادة المضمضة والاستنشاق؛ لأنَّ فعلهما في الوضوء كافٍ عن فعلهما في الغسل، فالسنة نابت مناب الفرض، وهو ظاهر، وقال ابن بطال: أجمعوا على أنَّ الوضوء ليس بواجب في الغسل من الجنابة، ولمَّا ناب غسل مواضع الوضوء وهو سنة في الجنابة عن غسلها وهو فريضة في الجنابة؛ صح بذلك ما روي عن مالك: (أنَّ غسل الجمعة يجزئ عن غسل الجنابة) ، وفي الحديث حجة؛ لقول مالك في رجل توضأ للظهر وصلى، ثم جدد الوضوء للعصر، فلما صلى العصر؛ تذكر أنَّ الوضوء الأول انتقض؛ قال: (إنَّ صلاته تجزئه؛ لأنَّ الوضوء للسنة تجزئ به صلاة الفرض) ، وكان الحديث السابق وهو ما فيه: (ثم غسل سائر جسده) أولى بهذه الترجمة، وهو مبين لرواية من روى: (ثم أفاض على جسده) أنَّ المراد بذلك ما بقي من الجسد دون أعضاء الوضوء. انتهى.

واعترضه الكرماني فقال: (ليس في الحديث ما يدل على أنَّ السنة نابت عن الفرض؛ إذ ليس فيه أن غسل الوجه والذراعين كان للوضوء أو للسنة، بل كان لغسل الجنابة، فلا يصح قول مالك في نيابة غسل الجمعة عن غسل الجنابة، ولا يكون له حجة في إجزاء الصَّلاة بالوضوء التجديدي، بل ليس فيه أنه لم يعد غسل مواضع الوضوء؛ إذ لفظ(جسده) في (ثم غسل جسده) شامل لتمام البدن؛ أعضاء الوضوء وغيرها، وكذا حكم الحديث السابق إذ المراد بـ (سائر جسده) ؛ أي: باقي جسده غير الرأس لا غير أعضاء الوضوء) انتهى.

قلت: وهذا مردود، فإن قوله: (ليس في الحديث ... ) إلخ ممنوع، بل فيه دليل على أنَّ السنة نابت عن الفرض؛ لأنَّ غسل الوجه والذراعين ومسح الرأس إنَّما هذا هو الوضوء المسنون، فغسل هؤلاء الأعضاء سنة، وهي نابت عن غسلها المفروض في الجنابة، ألا ترى لو انغمس الجنب بعد أن تمضمض واستنشق في الماء ومكث فيه مقدار الوضوء والغسل؛ فقد ارتفع عنه الحدثان، وأكمل السنة، وكذا لو انغمس في الماء الجاري ولم يمكث؛ فإنَّه قد ارتفع الحدثان عنه، وأكمل السنة، فإنَّه في هذه الصورة لم يتوضأ، فلو كان الوضوء في الجنابة غير سنة؛ لم يصح هذا الغسل مع أنَّه لم يسع أحد أن يقول بعدم صحته، فثبت أنَّ هذا الوضوء المسنون ناب عن الفرض، كما لا يخفى، وصح قول من يقول: إنَّ غسل الجمعة ناب عن غسل الجنابة، ويحصل به السنة.

وقوله: (ولا يكون له حجة ... ) إلخ؛ ممنوع أيضًا، فإنَّ وضوءه المجدد للعصر قد وقع قصدًا لصلاة العصر، وقد ارتفع الحدث عنه: أن لو كان محدثًا قبل تذكره فبعد تذكره؛ لا يبطل ما فعله؛ لأنَّ الوضوء الأول قد أدى به صلاة الظهر، وعلى زعمه أنَّه متوضئ فتوضأ لأجل صلاة العصر؛ فلا يسع أحد أن يقول بعدم صحة صلاته هذه؛ لأنَّ الوضوء نفسه فرض، والفعل وهو التجديد سنة، فهي نابت عن الفرض، كما لا يخفى.

وقوله: (بل ليس فيه ... ) إلخ ممنوع أيضًا؛ فإنَّ صريح قوله: (ثم غسل سائر جسده) أنَّه لم يعد غسل مواضع الوضوء؛ لأنَّ (سائر) بمعنى: باقي، والجسد اسم لجميع البدن؛ الرأس وما نزل عنه، فلما غسل أعضاء الوضوء؛ اكتفى بها، ثم غسل باقي جسده، وترك اليدين، والوجه، والرأس فلم يغسلهما، فإنه لو غسلها؛ يصير إسرافًا، وقد نهى عنه عليه السلام، ولأنَّه قد ارتفع الحدث عنها؛ فصار غسلها ثابتًا عبثًا محضًا.

وقوله: (وكذا الحكم ... ) إلخ ممنوع أيضًا، فإن الحديث السابق يدل صريحًا على ما قلناه؛ لأنَّ (سائر) بمعنى: باقي، كما اعترف به، وهو قد غسل الوجه والذراعين، ومسح الرأس، فلا ريب أنَّه لم يعد غسلها.

وقوله: (غير الرأس ... ) إلخ ممنوع، فإن صريح الحديث يعطي أنَّه لم يعد غسل جميع الأعضاء، فتخصيصه الرأس ترجيح بلا مرجح، ومحاولة بادرة؛ لأنَّه لا دليل يدل عليه؛ فافهم.

وأمَّا تأخيره غسل الرجلين؛ فلأنَّها في مستنقع الماء المجتمع من الغسالة، فلو غسلهما أولًا تتميمًا للوضوء؛ يلزمه أن يغسلهما ثانيًا؛ لاجتماع الماء عليهما، ولا فائدة في الغسل الأول؛ لأنَّه إسراف محض، أو إنَّما أخر غسلهما؛ تحرُّزًا عن الماء المستعمل، أو حتى يكون البدء والختم بأعضاء الوضوء، وبما قررناه ظهر وجه مطابقة الحديث للترجمة؛ فتأمل مع ما يأتي.

واعترض ابن حجر على كلام ابن بطال السابق فزعم أنَّ الاستنباط المذكور مبني عنده على أنَّ الوضوء الواقع في غسل الجنابة سنة، وأجزأ مع ذلك عن غسل الأعضاء بعده، وهي دعوى مردودة؛ لأنَّ ذلك يختلف باختلاف النية، فمن نوى غسل الجنابة وقدم أعضاء الوضوء لفضيلته؛ قد تم غسله، وإلا؛ فلا، فلم يصح البناء المذكور.

قلت: واعتراضه مردود عليه، فإنَّ قوله: (إنَّ الاستنباط المذكور ... ) إلخ مراده: رد ذلك، ولا يسعه ذلك، فإنَّ الإجماع قائم على أنَّ الوضوء في غسل الجنابة سنة، وأنَّها تجزئ مع ذلك عن غسل الأعضاء بعده.

فقوله: (وهي دعوى ... ) إلخ ممنوع؛ لأنَّه إذا كان مراده أنَّ الوضوء ليس سنة؛ مردود للإجماع على ذلك، وقد صرح هو نفسه بذلك في باب (المضمضة والاستنشاق) ، فكلامه متناقض، فإنَّ الفرض لا يتكرر، ولما غسل أعضاء الوضوء وإن كان الوضوء سنة؛ لكنه لما لم يُعِد غسلها واقتصر على غسل الباقي من الجسد؛ اتصف غسل هذه الأعضاء بالفرضية.

وقوله: (لأنَّ ذلك ... ) إلخ ممنوع، فإنَّ محل النية في الوضوء عند غسل الوجه، وفي الاغتسال عند الإفاضة، فمن أراد الاغتسال ينوي أولًا وضوء الجنابة، ثم ينوي بعده الاغتسال من الجنابة، ولا يلزمه أن ينوي من أول الأمر غسل الجنابة، فلو نواها وانغمس في الماء؛ هل يسع أحد أن يقول بعدم صحة اغتساله مع أنَّه لم يتوضأ، ولا يقول ذلك جاهل.

فقوله: (فلم يصح البناء المذكور) ممنوع، بل هو صحيح؛ لأنَّه مبني على الإجماع وهو حجة من حجج الشرع؛ فافهم والله أعلم.

وقال إمام الشارحين في «عمدة القاري» : (اختلف الشراح في وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة، فقال ابن بطال: حديث عائشة الذي في الباب قبله أليق في الترجمة؛ لأنَّ فيه: «ثم غسل سائر جسده» ، وأمَّا حديث الباب؛ ففيه: «ثم غسل جسده» فدخل في عمومه مواضع الوضوء، فلا يطابق قوله: «ولم يُعِد غسل مواضع الوضوء» ) .

وأجاب ابن المُنيِّر: (بأنَّ قرينة الحال والعرف من سياق الكلام تخص أعضاء الوضوء، وذكر الجسد بعد ذكر الأعضاء المعينة يفهم عرفًا بقية الجسد لا جملته؛ لأنَّ الأصل عدم التكرار) .

قال في «عمدة القاري» : (قلت: حاصل كلامه استخراج الترجمة بعيد لغة، ومحتمل عرفًا؛ إذ لم يذكر إعادة غسلها) انتهى؛ أي: غسل أعضاء الوضوء، فقد حصلت المطابقة بأنَّه لم يعد غسل مواضع الوضوء.

ثم قال: وأجاب ابن التين: (بأنَّ مراد البخاري أن يبيَّن أنَّ المراد بقوله في هذه الرواية: «ثم غسل جسده» ؛ أي: ما بقي من جسده بدليل الرواية الأخرى) .

وقال الكرماني: (إنَّ لفظ «جسده» شامل؛ لتمام البدن أعضاء الوضوء وغيره، وكذا حكم الحديث السابق إذ المراد بـ «سائر جسده» ؛ أي: باقي جسده وهو غير الرأس لا غير أعضاء الوضوء) .

واعترضهم ابن حجر فقال: (في كلام ابن المُنيِّر كلفة، وفي كلام ابن التين نظر؛ لأنَّ هذه القصة غير تلك القصة، وفي كلام الكرماني من لازم هذا التقدير أنَّ الحديث غير مطابق للترجمة) ، ثم قال:(والذي يظهر لي أنَّ البخاري حمل قوله: «ثم غسل جسده» على المجاز؛ أي: ما بقي، ودليل ذلك قوله بعد «فغسل رجليه» ؛ إذ لو كان غسل جسده محمولًا على عمومه؛ لم يحتج لغسل رجليه ثانيًا؛ لأنَّ غسلهما كان دخل

[ص 286]

في العموم، وهذا أشبه بتصرفات البخاري؛ إذ من شأنه الاعتناء بالأخفى أكثر من الأجلى) .

ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: ما ثم في الذي ذكره هؤلاء المذكورون أكثر كلفة من كلام هذا القائل؛ لأنَّه تصرف في كلامهم من غير تحقيق، وأبعد من هذا دعواه: أنَّ البخاري حمل لفظ «الجسد» على المجاز، أفلا يعلم هو أنَّ المجاز لا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة أو لنكتة أخرى؟ وأي ضرورة ههنا إلى المجاز؟ ومن قال: إنَّ البخاري قصد هذا وأبعد من ذلك أنَّه علل ما ادعاه بغسل النبيِّ عليه السلام رجليه ثانيًا، وما ذاك إلا أنَّ رجليه في مستنقع الماء، وحاصل الكلام: كلام ابن المنير، وهو أقرب في وجه مطابقة الحديث للترجمة) انتهى.

وزعم العجلوني أنَّ رد ابن حجر لكلام ابن التين من جهة المغايرة، وأنهما قصتان، فكيف تحمل إحداهما على الأخرى؟

ورده لكلام الكرماني من جهة أنَّه لا يدفع الإشكال من عدم المطابقة بين الترجمة والحديث، وإنَّما الذي ادعى فيه التكلف هو كلام ابن المنير، ولا شك في تكلفه لابتنائه على شيئين.

وأمَّا جواب ابن حجر؛ فليس فيه إلا تجوز بحذف المضاف أو إطلاق الكل وإرادة الجزء، واستدل عليه بلفظ: (فغسل رجليه) الواقع في نفس الحديث، وحمل البخاري للحديث على هذا التأويل لازم له؛ ليطابق ترجمته، وهذه ضرورة المجاز، فيندفع جميع ما قاله، والعجب من قوله: (لأنَّه تصرف ... ) إلخ، فما موقعه؟

وأمَّا قوله: (وأبعد من ذلك ما ادعاه ... ) إلخ؛ فهو وإن كان أقوى اعتراضاته لكن دعواه الحصر في أن الغسل لرجليه لم يكن إلا لأنَّهما في مستنقع الماء ممنوع؛ لجواز أن يكون لتأخيره غسلها حيث لم يغسلهما أولًا تكملة للوضوء؛ فتأمل وأنصف) انتهى.

قلت: أمر بالتأمل والإنصاف ولم يتأمل ولم ينصف، فإن قوله: (في كلام ابن التين من جهة المغايرة ... ) إلخ ممنوع، فإنه لا مغايرة فيه في المعنى، وإن كان اللفظ يحتمل المغايرة، فإن قوله هناك: (ثم غسل سائر جسده) وهنا (ثم غسل جسده) ؛ أي: ما بقي من جسده؛ لأنَّ الرواية الأولى قد دلت على ذلك؛ لأنَّ (سائر) بمعنى: باقي، كما لا يخفى.

وقوله: (وإنهما ... ) إلخ ممنوع، فإن ظاهرهما يحتمل أنَّهما قصتان من حيث إن الرواية الأولى عن عائشة وهنا عن ميمونة، لكنه في الحقيقة قصة واحدة؛ حيث إن كل واحدة منهما في الغسل من الجنابة.

وقوله: (فكيف ... ) إلخ ممنوع أيضًا، فإن كثيرًا من الأحاديث يحمل بعضها على بعض في الأحكام يفسر بعضها بعضًا، كما لا يخفى.

وقوله: (في كلام الكرماني ... ) إلخ، قد علمت ما قدمنا، وأنَّه ليس بشيء.

وقوله: (وأمَّا الذي ادعى ... ) إلخ ممنوع؛ فإن كلام ابن المنير هو الصواب.

وقوله: (لا شك في تكلفه) ممنوع، فأي تكلف فيه؟ بل هو ظاهر.

وقوله: (لابتنائه على شيئين) ممنوع أيضًا؛ لأنَّه مأخوذ من سياق الكلام، فإنه لما ذكر أعضاء الوضوء وذكر بعده الجسد؛ علم ضرورة أنه لم يعد غسل الأعضاء، واستدل بذلك بالقرينة الحالية والعرفية، فأين التكلف الذي زعمه هذا القائل؟ وما هي إلا دعوى أهل التعصب من عدم التأمل وعدم الإنصاف، وقد ارتضى هذا الجواب القسطلاني، واقتصر عليه؛ لكونه في غاية التحقيق والظهور.

وقوله: (وأمَّا جواب ابن حجر ... ) إلخ هذا هو الذي فيه التكلف ولا شك في تكلفه؛ لأنَّه مبني على المجاز الذي لا يجوز المصير إليه إلا عند تعذر الحقيقة، وهذا المجاز بحذف المضاف، أو إطلاق الكل وإرادة الجزء وهو أشد التكلفات؛ لاحتياجه إلى التقدير، وإذا وجد التقدير وعدمه، فعدم التقدير أولى وأحسن عند أهل التحقيق، وإطلاق الكل وإرادة الجزء كذلك فيه شدة التكلف؛ لأنَّه لا داعي إلى هذا الإطلاق، ولا احتياج إليه.

وقوله: (واستدل ... ) إلخ هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأنَّ تأخير غسل الرجلين إنَّما كان لأنَّهما في مستنقع الماء، وحتى يكون البدء والختم بأعضاء الوضوء، ويدل للأول قوله: (ثم تنحى) ؛ أي: تباعد، والتباعد لا يكون عن المكان إلا لأنَّ الماء مجتمع فيه؛ لأنَّه لو لم يكن ماء مجتمع؛ لغسلهما في مكانه.

وقوله: (وحمل البخاري ... ) إلخ ممنوع، فإن البخاري لا شك أنَّه لم يرد هذا التأويل؛ لأنَّه من عادته أنَّه لم يحمل الأحاديث إلا على الحقيقة، ولم يسبق له أنَّه حملها على المجاز.

وقوله: (وهذه ضرورة المجاز) ممنوع، فإن مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة مما قاله ابن المنير، كما ارتضاه إمام الشارحين والقسطلاني وغيرهما، وليس ما زعمه بمطابق للترجمة، فأين الضرورة؟ وما هذا إلا مكابرة بالمحسوس وعنف من النفوس.

وقوله: (فيندفع ... ) إلخ ممنوع، بل جميع ما قاله هو الصواب، ولم يندفع كلامه أصلًا.

وقوله: (والعجب ... ) إلخ قلت: موقعه أنَّ ابن حجر أخذ كلامه من مجموع ما ذكره الشراح وخبط فيه وخلط، فلا شك أنه يتعجب منه.

وقوله: (وأمَّا قوله ... ) إلخ، فإن جميع ما قاله قوي؛ كالجبل القاسي على رأس العاصي.

وقوله: (لجواز ... ) إلخ ممنوع، فأي داع لتأخيره ولا حاجة للتأخير، فعدم ذلك دليل على أن تأخير غسلهما؛ لأنَّهما في مستنقع الماء حتى يجتنب الماء المستعمل، ويحترز عنه، فالحصر غير ممنوع، بل هو صحيح، فلو غسلهما أولًا؛ يلزمه إعادة غسلهما؛ لأنَّهما تلوثان بالغسالة المستعملة، فلو غسلهما ثانيًا؛ يكون إسرافًا، وهو منهيٌّ عنه، فيكون عبثًا.

وقول ابن حجر: (وهذا أشبه بتصرفات البخاري ... ) إلخ ممنوع، بل هو بعيد جدًّا، فإن تصرفاته مبنية على الحقيقة لا على المجاز، ولا شك أن هذا ليس بمراد له؛ لاحتياجه إلى التكلفات الواهية والتقديرات اللاهية، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت