[حديث: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض]
278# وبه قال: (حدثنا إسحاق ابن نصر) ؛ بفتح النون، وسكون الصاد المهملة، السعدي البخاري، نسبه لجده هنا، وفيما تقدم صرح بأبيه إبراهيم وجده نصر، وما هو إلا لأجل التفنن في الكلام (قال: حدثنا عبد الرزاق) ؛ هو ابن هَمَّام الصغاني، (عن مَعْمَر) ؛ بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وفتح الميم الثانية؛ هو ابن راشد، (عن هَمَّام) ؛ بفتح الهاء، وتشديد الميم الأولى (بن مُنَبِّه) ؛ بضمِّ الميم، وفتح النون، وكسر الموحدة المشددة، (عن أبي هريرة) ؛ هو عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه، (عن النبيِّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) أنه (قال: كانت بنو إسرائيل) جمع السلامة، وأصله: بنون، لكنه على خلاف القياس؛ لوقوع التغيير في مفرده، وأما التأنيث في الفعل؛ فعلى قول من يقول: حكم ظاهر الجمع مطلقًا حكم ظاهر غير الحقيقي؛ فلا إشكال، وأمَّا على قول من يقول: كل جمع مؤنث إلا جمع السلامة المذكر؛ فتأنيثه أيضًا
[ص 295]
عنده على خلاف القياس، أو باعتبار القبيلة، كذا قرره صاحب «عمدة القاري» ، ثم قال: (وبنو إسرائيل) اسم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم، وسمي به؛ لأنَّه سافر إلى خاله لأمر تقدم ذكره، وكان خاله في حران، وكان يسري بالليل، ويكمن بالنهار، وكان بنو يعقوب اثني عشر رجلًا؛ وهم: روبيل، وهوذا، وشمعون، ولاوي، وداني، ونقالي، وذبولون، وذاد، وبشاخرة، وأشيرة، ويوسف، وبنيامين، وهم الذين سماهم الله تعالى الأسباط، وسموا بذلك؛ لأنَّ كل واحد منهم قبيلة، والسبط في كلام العرب: الشجرة الملتفة الكثيرة الأغصان، والأسباط من بني إسرائيل؛ كالشعوب من العجم والقبائل من العرب) انتهى.
(يغتسلون عُراةً) ؛ بضمِّ العين المهملة، منصوب على الحال، جمع عارٍ؛ كقضاة جمع قاضٍ؛ أي: متجردين عن الثياب، وعن المئزر (ينظر بعضهم إلى بعض) : جملة فعلية وقعت حالًا من (الواو) في (يغتسلون) بعد حال مترادفة أو متداخلة، وهذا يدل على أن كشف العورة كان جائزًا في شرعهم، ويدل عليه: أنهم كانوا يغتسلون عراة وموسى عليه [السلام] يراهم ولا ينكر عليهم ولو كان حرامًا؛ لأنكره عليهم، ويوضحه ما قاله الفقهاء من أن حرمة كشف العورة من خصائص هذه الأمة، واغتسال موسى منفردًا إنَّما كان من باب الحياء والأدب لا أنه واجب عليه، ويحتمل أنه كان عليه مئزر رقيق فظهر ما تحته لمَّا ابتل بالماء، فرأوا أنه أحسن الخلق، فزال عنهم ما كان في نفوسهم.
وزعم ابن بطال أنَّ بني إسرائيل كانت تفعل هذا؛ معاندة للشرع، ومخالفة لنبيهم عليه السلام.
قلت: وارتضاه القرطبي، وتبعهما القسطلاني والعجلوني، ولا يخفى أن هذا مخالف ومصادم للحديث؛ لأنَّ موسى عليه السلام كان يراهم متجردين عن الثياب حال الاغتسال، ولا ينكر عليهم، والأمر المحرَّم في الشرع لا يمكن سكوت النبيِّ عليه السلام عنه؛ لأنَّه بعث؛ لبيان الأحكام والشريعة، فكيف لا ينكر عليهم وهو حرام، هذا ممنوع قطعًا، على أنه نص الفقهاء على أن كشف العورة حرام من خصائص هذه الأمة؛ يعني: فيكون غير حرام عند بني إسرائيل، كما هو صريح نص الحديث، غاية الأمر: أنهم إنَّما كانوا يخالفون موسى في عدم الغسل مفردًا ونسبوه إلى الأدر؛ لاختفائه عنهم في حال الاغتسال وتستره حياءً وأدبًا من ربه عز وجل، ولعدم موافقته لهم من حيث إنه رسول الله عليه السلام، فلا ينبغي له أن يتداخل معهم كل التداخل؛ لأنَّ كثرة المداخلة تذهب البهاء والرئاسة، فربما يقع منه شيء في حقه، فيدعو عليهم، ألا ترى أن الأمير إذا دخل الحمام يدخل وحده وأتباعه كلهم ينتظرونه [1] ، فالرسول من باب أولى، كما لا يخفى؛ فافهم.
(وكان موسى) زاد الأَصيلي: (صلَّى الله عليه وسلَّم) ، وفي نسخة: (عليه السلام) ، وهو من ذرية لاوي، فهو موسى بن عمران بن فاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم وسلامه (يغتسل) أي: من الجنابة (وحده) ؛ أي: منفردًا، منصوب على الحال إما استحياء، أو أدبًا، أو تنزهًا؛ لأنَّ التجرد ليس بحرام في شرعه، كما قدمنا.
قال في «عمدة القاري» : (ومطابقة الحديث للترجمة في اغتسال موسى عليه السلام عريانًا وحده خاليًا عن الناس، ولكن هذا مبني على أن شرع من قبلنا من الأنبياء عليهم السلام هل يلزمنا أم لا؟ وفيه خلاف، والأصح أنه يلزمنا ما لم يقض الله علينا بالإنكار) انتهى.
قلت: وهو مذهب الأئمَّة الحنفية، وتبعهم الشافعية، وزعم ابن حجر (أن الذي يظهر أن وجه الدلالة من الحديث أن النبيَّ عليه السلام قصَّ قِصتي موسى وأيُّوب عليهما السلام ولم يتعقب شيئًا منهما، فدل على موافقتهما لشرعنا؛ إذ لو كان فيهما شيء غير موافق؛ لبيَّنه، فعلى هذا: يجمع بين الحديثين بحمل حديث بهز على الأفضل، وإليه أشار في الترجمة) انتهى؛ أي: وهذا على التحريم.
قلت: كلامه غير صحيح، وقد أخذ كلامه من ابن بطال وهو موافق لمسماه، وهذا الظاهر فاسد غير ظاهر؛ لأنَّه لا يلزم من ذكر القصتين وعدم تعقبهما أن يكون موافقًا لشرعنا؛ لأنَّه عليه السلام حين قصهما كان في معرض بيان ما وقع للرسل قبله من غير ملاحظة الحكم، قال تعالى: كَذَلِكَ [2] نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ [3] } [طه: 99] ، ولهذا سكت عليه عن البيان وقتئذٍ، وإنما ثبت حرمة كشف العورة في الصَّلاة أو للناس بدليل آخر، فإن كان مراد هذا القائل أنه ثبت بهذه القصة؛ فهو غير صحيح؛ لأنَّها لا تدل على الحرمة بل على الإباحة، كما هي في شرع موسى، ويدل لهذا أنه عليه السلام ذكر قصة موسى مع الخضر في قتل الغلام، وخرق السفينة، وبناء الجدار، وسكت عليها، والحال أنه غير موافق لشرعنا، فلو كان سكوته في القصص عن البيان يدل على الموافقة؛ لكان فعل الخضر شرع لنا وهو ممنوع، لا يسع أحدًا القول به، كما لا يخفى.
وقوله: (فهذا يجمع ... ) إلخ غير صحيح، فإن حديث بهز وهذا الحديث كل منهما ظاهر في الندب ومطابق للترجمة فهو الأفضل، وإنما حاول بكلامه ترويجًا لما ذهب إليه بعض الشافعية من الحرمة، ولا دليل يدل عليها، كما قدمناه، على أنه صرح هو أن المشهور عند متقدمي الشافعية الكراهة؛ يعني: أن الأحاديث الواردة في هذا الباب محمولة على الندب كما حمله عامة الفقهاء، لكن اعترضه العجلوني فزعم أنه يجب سترها مطلقًا في الصَّلاة وفي غيرها مع الخلوة أو لا، ولا نعلم قولًا بالكراهة فقط) انتهى.
لكن قال الكرماني: (كشف العورة في الخلوة إن كان لحاجة؛ جاز، وإن لغيرها؛ ففيه خلاف في كراهته وتحريمه، والأصح أنه حرام) انتهى.
فهذا يدل على أن عندهم في ذلك خلافًا، وقد خبطوا في مذهبهم، فلا يدرون الحكم كما رأيت، وقدمنا ما فيه أيضًا نقلًا عن إمام الشارحين؛ فليحفظ.
(فقالوا) أي: بنو إسرائيل: (والله) قسم (ما يمنع موسى أن يغتسل معنا) عريانًا، ننظر إليه وينظر إلينا (إلا أنه آدر) استثناء مفرغ، والمستثنى منه مقدر، وهو الأمر من الأمور كما في «عمدة القاري» ، فـ (أن) وما بعدها فاعل (يمنع) ، و (أن يغتسل) على تقدير من متعلق بـ (يمنع) ، وهذا دليل ظاهر على أن شرعهم كان إباحة التعرِّي في الاغتسال وعدم حرمة النظر إلى العورة، وهو يرد على من زعم أن شرعهم كشرعنا؛ فافهم.
و (آدر) ؛ بمد الهمزة، وفتح الدال المهملة، وتخفيف الراء، ممنوع من الصرف، قال صاحب «عمدة القاري» : (زعم ثعلب في الفصيح أنه كآدم) .
وقال في «المنتخب» : (الأدرة مثل فعلة؛ فتقٌ يكون في إحدى الخصيتين) ، وقال علي بن حمزة: (يقال: أُدْره وأَدْره، وأد؛ بالضم، والفتح، وإسكان الدال، وبالفتح، والتحريك) ، وفي «المخصص» لابن سيده: (الأدرة: الخصية العظيمة، آدر الرجل إدراء، وقيل: الآدر الذي ينفتق صفاقه فيقع قصبه في صفته، ولا ينفتق إلا من جانبه الأيسر، وقد تأدر الرجل من داء يصيبه والشرج ضده، ولا يقال: امرأة آدر، إما لأنَّه غير مسموع، وإما أن يكون لاختلاف الخِلقة، والاسم الأدرة) ، وفي «الجامع» : (الأدرة، والأدر مصدران واسم النفخة الأدرة) ، وفي «الصحاح» : (الأدرة نفخة في الخصية، يقال: رجل أدر بيِّن الأدرة) ، وفي «الجمهرة» : (هو العظيم الخصيتين) انتهى كلامه رحمه الله ورضي عنه، فالأدرة مختصة بالرجال.
[ص 296]
(فذهب) ؛ أي: سيدنا موسى عليه السلام (مرة) أي: في يوم من الأيام (يغتسل) ؛ أي: من الجنابة جملة محلها النصب؛ لأنَّها وقعت حالًا وهي حال منتظرة، ويجوز أن تكون خبر (ذهب) إن جعلت من أفعال المقاربة، والأول أظهر؛ فافهم، (فوضع ثوبه على حَجَر) ؛ بفتحتين، فيه حذف؛ تقديره: فخلع ثوبه فوضعه عليه، وهو الذي يحمله معه في الأسفار فيضربه فيتفجر له منه الماء، كذا في «عمدة القاري» ، ثم قال: (وأخرج هذا الحديث مسلم، ولفظه:(اغتسل موسى عليه السلام عند مُوَيْه) بضمِّ الميم، وفتح الواو، وإسكان التحتية، تصغير ماء، وأصله موه، والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها هكذا هو في بعض نسخ «مسلم» ، وروى ذلك العدوي، والباجي.
وفي معظم نسخ «مسلم» (عند مَشْرُبَة) ؛ بفتح الميم، وسكون الشين المعجمة، وضم الراء، وفتح الموحدة؛ وهي حفرة في أصل النخل يجمع فيه الماء؛ ليسقيها، وقال القاضي عياض: (وأظن الأول تصحيفًا) انتهى.
قلت: ولا منافاة بين رواية المؤلف ورواية مسلم؛ لإمكان الجمع بينهما بأنه وضع ثوبه على حجر عند المشربة التي فيها الماء؛ فليحفظ، فلما فرغ من غسله؛ أقبل إلى ثوبه ليأخذه كما في رواية الحافظ الطحاوي؛ (ففر) أي: فذهب (الحجر) يمشي على بطنه مسرعًا، فـ (الفاء) بمعنى (ثم) ؛ فافهم (بثوبه) ؛ أي: بثوب موسى عليه السلام، (فخرج) ؛ أي: موسى عليه السلام، وفي رواية: (فجمح) ؛ بجيم، فميم مخففة، فحاء مهملة؛ أي: أسرع وجرى أشد الجري، قال ابن سيده: (يقال: جمح الفرس بصاحبه جمحًا وجماحًا؛ ذهب يجري جريًا غالبًا، وكل شيء مضى على وجهه؛ فقد جمح) ، وفي «التهذيب لأبي منصور» : (فرس جموح؛ إذا ركب رأسه، فلم يرده اللِّجام، وهذا ذمٌّ، وفرس جموح؛ أي: سريع، وهذا مدح) ، كذا في «عمدة القاري» ؛ فافهم (في إِثره) ؛ بكسر الهمزة، وسكون المثلثة، وفي بعض الأصول بفتحهما؛ بمعنى: عقبه، وزعم العجلوني أنه بمعنى: بعده.
قلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّ البعدية صادقة على وقوع المهلة في الزمان اليسير والكثير، بخلاف العقب، فإنه دال على عدم وقوع المهلة مطلقًا، وهو المراد هنا، كما لا يخفى.
وقال في «المنتخب» : بوجهه أَثر وأُثر وإِثر؛ يعني بتثليث الهمزة مع إسكان الثاء [4] ، ورابعة بفتحها، حكاها كراع، وفي «الواعي» : (الأثر محرك؛ هو ما يؤثر الرجل بقدمه في الأرض) ، وقال ابن سِيْده: (الأثر بالضم؛ أثر الجرح) ؛ انتهى.
(يقول) جملة من الفعل والفاعل محلها نصب على الحال؛ أي: موسى عليه السلام: (ثوبي) مفعول لفعل محذوف؛ تقديره: ردَّ ثوبي، أو أعطني ثوبي (يا حجر) وإنما خاطبه؛ لأنَّه أجراه مجرى من يعقل؛ لكونه فر بثوبه، فانتقل عنده من حكم الجماد إلى حكم الحيوان، فناداه فلما لم يعطه؛ ضربه، وقيل: يحتمل أن يكون موسى عليه السلام أراد أن يضربه إظهارًا للمعجزة بتأثير ضربه، ويحتمل أن يكون عن وحي؛ لإظهار الإعجاز ومشي الحجر إلى بني إسرائيل بالثوب أيضًا معجزة أخرى لموسى عليه السلام، كذا قرره صاحب «عمدة القاري» .
(ثوبي يا حجر) ؛ بالتكرار مرتين مع إثبات حرف النداء، ووقع في «مسلم» مكررًا أيضًا، وبإسقاط حرف النداء، ولكنه مراد، كما لا يخفى، ومثله في رواية لغير الأربعة هنا، وهو مفعول لمحذوف كما سبق، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بالعكس وعليهما؛ فهو لاستعظام كونه يأخذ ثوبه، فعامله معاملة من لا يعلم كونه ثوبه، لعله يرده إليه (حتى) للغاية أو للتعليل لـ (فرَّ) المتقدم، أو لنحو: استمر على فراره مقدرًا إلى أن (نظرت بنو إسرائيل إلى موسى) عليه السلام وهو مكشوف العورة، ففيه: رد على من زعم أنَّ ستر العورة كان واجبًا، وفيه: إباحة النظر إلى العورة عند الضرورة من مداواة أو براءة مما نسب إليه؛ كالبرص وغيره، لكن الأول أظهر؛ لأنَّ مجرد تستر موسى لا يدل على وجوب ستر العورة لما تقدر في الأصول أن الفعل المجرد لا يدل بمجرده على الوجوب، وليس في الحديث أن موسى أمرهم بالتستُّر، ولا أنكر عليهم التكشُّف، ولو كان واجبًا؛ لأمرهم بذلك، وأما إباحة النظر إلى العورة للبراءة مما نسب إليه؛ فإنما هو من حيث يترتب على الفعل حكم؛ كفسخ النكاح، وأما قصة موسى؛ فليس فيها أمر شرعي ملزم يترتب على ذلك، فلولا إباحة النظر إلى العورة؛ لما أمكنهم موسى من ذلك، ولا خرج مارًّا على مجالسهم، وهو كذلك، وأما اغتساله خاليًا؛ فكان يأخذ في حق نفسه بالأكمل والأفضل، ويدل على الإباحة: ما وقع لنبينا عليه السلام وقت بناء الكعبة من جعل إزاره على كتفه بإشارة العباس عليه بذلك؛ ليكون أرفق به في نقل الحجارة، ولولا إباحته؛ لما فعله، لكنه ألزم نفسه بالأكمل والأفضل؛ لعلوِّ مرتبته عليه السلام، كذا قرره القسطلاني بزيادة؛ فافهم واحفظ، (فقالوا) ؛ بالفاء، وفي رواية: بالواو؛ أي: بنو إسرائيل حين رأوا موسى مكشوف العورة، ورأوا عورته: (والله) قسم (ما بموسى من بأس) كلمة (من) زائدة، وهو اسم (كان) على تقدير: ما كان بموسى [5] بأسٌ، وفي أكثر النسخ: (ما بموسى) ؛ فعلى هذه: (من بأس) اسم (ما) ، كذا في «عمدة القاري» ، واعترضه العجلوني بأن (ما) على الصحيح لا تعمل مع تقدم الخبر، ولا داعي إلى تقدير (كان) ، وجازت زيادتها؛ لتقدم وكون المجرور نكرة) انتهى.
قلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّ قوله: (أن ما على الصحيح ... ) إلخ غير صحيح؛ لأنَّ هذا التصحيح لم يذكره غيره من النحويين، بل قالوا: (ما) النافية عند الحجازين كـ (ليس) إن تقدم الاسم على الخبر، ولم يُسبَق الاسم بـ (أن) الزائدة، ولا بمعمول الخبر إلا إذا كان ظرفًا أو مجرورًا ولم يسبق الخبر بـ (إلا) ، وبنو تميم لا يعملونها، بل هي عندهم مهملة وهو القياس؛ لأنَّها حرف لا يختص بقبيل، بل تدخل على الأسماء والأفعال، فأصلها ألَّا تعمل قال شاعرهم:
ومهفهف الإعطاف قلت له: انتسب ... فأجاب: ما قتل المحب حرام
أي: هو تميمي لا حجازي، وظاهر كلام النحاة أن الصحيح أنها مهملة؛ لتعليلهم أنه القياس، وأنها صرف غير مختص.
وقوله: (ولا داعي إلى تقدير كان ... ) إلخ غير صحيح، بل الداعي إلى ذلك صحة المعنى؛ لدلالتها على عدم وجود البأس فيه؛ فافهم، والبأس: الشدة؛ أي: لم يوجد بموسى من شدة من العيب؛ فليحفظ.
(وأخذ) أي: موسى عليه السلام (ثوبه) من على الحجر حين وقف في مجلس بني إسرائيل، ولبسه عليه بعد أن رآه بنو إسرائيل مكشوف العورة وتيقنوا أنه ليس به بأس من العيوب، وهذا ظاهر من صريح سياق الحديث، وقال ابن المُنيِّر: (الصحيح أن موسى لم يتعمد تمكينهم من نظر العورة، وإنما ألجأه الله تعالى إلى ذلك بآية أظهرها؛ لبراءته مما ينقص به، وكان الحجر في ذلك كالبشر يفر بثوب الرجل فيلزمه اتباعه، فيجوز ذلك للضرورة) ، وقيل: لم يكن مكشوف العورة، بل نزل الماء مؤتزرًا، فلما خرج يتبع الحجر والمئزر مبتل بالماء؛ علموا عند رؤيته أنه ليس بآدر؛ لأنَّ الأدرة تبين من تحت الثوب المبلول بالماء، نقله ابن الجوزي عن الحسن بن أبي بكر النيسابوري، قال ابن حجر: (وفيه نظر ولم يذكر وجهه) .
قلت: ولعل وجهه في الأول أنه لم يتعمد تمكينهم من النظر إلى العورة؛ لما غلبه من الحياء والأدب، وكأنه تعالى لما لم يوجب عليهم ستر العورة ألجأه إلى إظهارها لحكمتين؛ أحدهما: أن سترها غير واجب، وثانيهما: إظهار براءته مما نسبوه.
وقوله: (وكأن الحجر ... ) إلخ غير ظاهر؛ لأنَّ الاتِّباع للحجر غير لازم؛ لإمكان التستر بغيره من حشيش، أو ماء كدر، أو طين، أو غير ذلك، فليس فيه جواز ذلك للضرورة؛ لأنَّه لا ضرورة إلى ذلك مع وجود ما يستتر به من الحشيش وغيره، فالحقُّ أن موسى عليه السلام لما علم ما نسبوه إليه، ورأى الحجر قد فر بثوبه؛ بادر إلى نفي ما نسبوه إليه؛ حيث تيسر له ذلك، وإلى أخذ الثوب من الحجر، ولعل وجه النظر في الثاني أن الثوب المبتلَّ الرقيق الذي لا يحجب العورة لا يعد ساترًا لها؛ لأنَّ الستر عدم الظهور، والعورة تحت مثل هذا الثوب تظهر لمن نظر إليها فكأنه مكشوف العورة بلا ساتر، فهذا الثوب وجوده وعدمه سواء، كما لا يخفى، وقال ابن الجوزي:(إن موسى كان في خلوة كما في الحديث، فلما تبع الحجر لم يكن عنده أحد؛ فاتفق
[ص 297]
أنه جاز على قوم فرأوه؛ لأنَّ جوانب الأنهار وإن خلت لا يؤمن وجود قوم قريب منها، فبقي الأمر أنه لا يراه أحد، فاتفق من رآه) انتهى.
قلت: وهو فاسد، فإن الحديث لا يدل على أنه كان يغتسل في خلوة؛ لأنَّ لفظ الحديث: (وكان موسى يغتسل وحده) لا يدل على أنه كان يغتسل في خلوة، بل شامل لغسله عند عين أو نهر وغير ذلك، غاية الأمر: أنه وحده ليس عنده أحد، ويؤيد ذلك ما في رواية مسلم: (أنه كان يغتسل عند مشربة) ؛ وهي الحفرة في أصل النخلة يجمع فيها الماء ليسقيها، فموسى لما اغتسل عند الماء ولم يكن عنده أحد فرأى [6] ثوبه فرَّ به الحجر؛ تبعه لما قدمنا قريبًا، فمر على القوم من بني إسرائيل فرأوه؛ لأنَّ جوانب الأنهار والعيون لا تخلو من وجود أحد من السياحين، وأصحاب التنزه ولو من أصحاب النخل، فلا بد وأن يراه أحد من هؤلاء.
وقوله: (فبقي الأمر ... ) إلخ ممنوع، بل بقي الأمر على أنه قد رآه أحد قصدًا؛ لعدم خلوِّ أحد، كما لا يخفى؛ فليحفظ.
(فَطفِق) ؛ بكسر الفاء، وفي رواية: بفتحها، قيل في بعض النسخ: (وطفق) ؛ بالواو؛ أي: شرع يضرب (الحجر) فـ (الحجر) منصوب بفعل مقدر، وهو (يضرب) ، وقوله: (ضربًا) مفعول مطلق له، وفي رواية الأكثرين: (فطفق) ؛ بالجر بزيادة موحدة في أوله؛ ومعناه: جعل ملتزمًا بذلك يضربه ضربًا، كذا قاله صاحب «عمدة القاري» ، وزعم العجلوني نقلًا عن «المصابيح» (أنه يقدر على هذه الرواية مس بالحجر لا بضرب؛ لئلا يلزم زيادة الباء في غير محلها) انتهى.
قلت: وهو غير ظاهر؛ لأنَّ الباء للمصاحبة، فيلزم على قوله أنه لم يوجد ضرب للحجر، بل مسٌّ وهو خلاف المراد؛ فالمعنى الأول هو المراد؛ يعني: جعل نفسه ملتزمًا بذلك بضرب الحجر ضربًا؛ فافهم.
و (طفق) من أفعال المقاربة وهي ثلاثة أنواع:
الأول: ما وضع للدلالة على قرب الخبر، وهي ثلاثة: كاد، وقرب، وأوشك.
الثاني: ما وضع للدلالة على رجائه، وهي ثلاثة: عسى، واخلولق، وحرى.
والثالث: ما وضع للدلالة على الشروع فيه، وهي كثيرة، ومنه: طفق.
وهذه كلها ملازمة لصيغة الماضي، إلا أربعة فاستعمل لها مضارع: وهو كاد، وأوشك، وطفق، وجعل، واستعمل مصدرًا لاثنين، وهما طفق وكاد، وحكى الأخفش: طفوقًا عمن قال: طفَق؛ بالفتح، وطفِقًا عمن قال: طفِق؛ بالكسر، وقد أوضحت المقام في شرحي على «شرح الأزهرية» للشيخ خالد الذي سميته بـ: «تاج الأُسطوانية شرح شرح الأزهرية» ؛ فارجع إليه إن شئت، وقدمنا عن «عمدة القاري» أن موسى نادى [7] الحجر، فلما لم يعطه الثوب؛ ضربه، ويحتمل أن يكون موسى أراد أن يضربه إظهارًا للمعجزة بتأثير ضربه، ويحتمل أن يكون عن وحي؛ لإظهار الإعجاز، ومشي الحجر إلى بني إسرائيل بالثوب أيضًا معجزة أخرى لموسى عليه السلام، انتهى.
(قال) وفي رواية: (فقال) (أبو هريرة) رضي الله عنه هذا إما من قول أبي هريرة؛ فيكون تعليقًا من البخاري، وإما من تتمة قول همام؛ فيكون مسندًا، كذا قاله الكرماني، وزعم ابن حجر أنه من قول همَّام، وليس بمعلق.
ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: احتمال الأمرين ظاهر، وقطع البعض بأحد الأمرين غير مقطوع به) انتهى.
وأجاب ابن حجر في «الانتقاض» : (بأن القطع المراد به الحكم بالترجيح، ومن راجع نسخة همام من طريق البخاري عرف الرجحان المذكور) انتهى.
قلت: وهو مردود عليه، فإن القطع المراد به الحكم على أمر لا يحتمل غيره، يقال: قطع القاضي الأمر على فلان؛ يعني: حكم عليه به، وهو لا يحتمل غيره بخلاف الترجيح، فإنه يحتمل غيره واحدًا وأكثر، وهذا القائل لم يفرق بين القطع والترجيح.
وقوله: (ومن راجع ... ) إلخ ممنوع، فإنه ليس فيها ما يفيد الترجيح المذكور، بل فيها احتمال الأمرين، فكيف قال ابن حجر ما قال؟
والذي يظهر لي أن هذا تعليق من المؤلف، ويحتمل أنه مسند، لكن الأول أقرب؛ لأنَّ الحديث قد تم، وهذا بيان عدد الضرب؛ فليحفظ، والله أعلم، وتمامه في «إيضاح المرام» ؛ فليراجع.
(والله) قسم؛ (إنه) ؛ أي: الشأن أو الحجر المذكور (لنَدَبَ) ؛ بفتح النون، وفتح الدال المهملة، آخره موحدة، منون؛ أي: أثر، قال أبو المعالي: (الندب: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، وجرح نديب؛ ذو ندب، وقد أندبته؛ أي: جعلت في جسمه ندبًا وأثرًا، والجمع أنداب وندوب) ، وفي «المحكم» : (والجمع ندب، وقيل: الندب واحد، وندب ظهر ندبًا وندوبة وندوبًا، فهو ندب صارت فيه ندوب وأندب بظهره وفي ظهره عادت فيه ندوبًا) ، وفي (الاشتقاق) عن الأصمعي: (هو الجرح إذا بقي منه أثر مشرف، يقال: ضربه حتى أندبه) ، كذا في «عمدة القاري» .
وقوله: (بالحجر) صفة (لندب) ، أو متعلق به، وهو الأظهر؛ فافهم، وقال في «المصابيح» : (إن حمل على ظاهره؛ ففيه آية لموسى، وإلا؛ فيكون استعارة) انتهى.
قلت: والمراد هنا الحمل على ظاهره؛ لأنَّ المقصود إظهار آية موسى عليه السلام، وإظهار معجزاته، وكونه استعارة بعيد جدًّا، وذلك لأنَّ الحجر قد أثر فيه الضرب حقيقة، فكيف يحمل على المجاز؟ وما هو إلا دعوى بلا دليل؛ لأنَّ مع وجود الحقيقة لا يجوز المصير إلى المجاز، كما لا يخفى.
(ستةٌ) ؛ بالرفع على البدلية من (ندب) ؛ أي: ستة آثار، ويحتمل أنه خبر لـ (هي) مقدرة، أو منصوب على الحال من الضمير المستكن في قوله: (بالحجر) ، فإنه ظرف مستقر (لندب) ؛ أي: أنه لندب استقر بالحجر حال كونه ستة آثار، أو على التمييز، (أو سبعةٌ) بالشك من الراوي (ضربًا) منصوب على التمييز (بالحجر) متعلق بـ (ضربًا) ، والظاهر أن موسى عليه السلام ضرب الحجر المذكور إمَّا بعصاه المعلومة، وإمَّا بحجر أخذه في مروره من الأرض، أو من عند الماء لا بيده الشريفة؛ لأنَّ الأحجار وغيرها مما له ثقالة لا يضرب إلا بمثله، أو أثقل منه كما هو العادة، فكان الحجر ذا أثر؛ ثم رأيت العجلوني نقل عن الحافظ الطحاوي في روايته لهذا الحديث عن أبي هريرة: أن موسى خلا يومًا وحده فوضع ثوبه على حجر، ثم اغتسل، فلما فرغ من غسله؛ أقبل إلى ثوبه ليأخذه وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى بعصاه وطلب الحجر ... )؛ الحديث، فهذا يعين الأول، ويحتمل الثاني؛ فتأمل، والله أعلم.
ويجوز جعل ضمير (إنه) للشأن، ويقدر لهو ندب؛ فليحفظ.
قال صاحب «عمدة القاري» : (ففي الحديث: إباحة التعرِّي في الخلوة للغسل وغيره؛ بحيث يأمن أعين الناس، وفيه: دليل على جواز النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية عليه من مداواة أو براءة من العيوب، أو إثباتها؛ كالبرص وغيره مما يتحاكم الناس فيها مما لا بد فيه من رؤية البصر بها، وفيه: جواز الحلف على الإخبار؛ كحلف أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه: دلالة على معجزة موسى عليه السلام وهو مشي الحجر بثوبه إلى ملأ من بني إسرائيل ونداؤه عليه السلام للحجر، وتأثير ضربه فيه حقيقة، وفيه: دليل على أن الله تعالى كمَّل أنبياءه خلقًا وخلقًا ونزَّههم عن المعايب والنقائص، وفيه: ما غلب على موسى عليه السلام من البشرية حتى ضرب الحجر) انتهى.
قيل: المراد بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا} [الأحزاب: 69] : ما نسبوه إليه من الأدرة المذكورة.
وقال الحافظ الطحاوي فيما رواه عن أبي هريرة في هذه الآية: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إن موسى كان رجلًا حيِّيًا سِتِّيرًا لا يكاد أن يرى من جلده شيء يستحيى منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل وقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة» ، هكذا قال لنا [8] بعض [9] رواة هذا الحديث، وأهل اللغة يقولون: أدرة؛ لأنَّها آدر [10] ؛ بمعنى: آدم، وإن الله عز وجل أراد أن يبرئه مما قالوا، ومما روي عن علي بن أبي طالب في هذه الآية قال: صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون، فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته كان ألين لنا منك وأشد حبًّا، فآذوه بذلك،
[ص 298]
فأمر الله الملائكة فحملته وتكلمت بموته حتى عرفت بنو إسرائيل أنه قد مات، فدفنوه، فلم يعرف موضع قبره إلا الرخم، فإن الله جعله أبكم أصم، ولا تعارض في ذلك؛ لأنَّه يجوز أن يكونوا آذوه بكل ما ذكر، فبرأه الله تعالى منها، والله تعالى أعلم.
[1] في الأصل: (ينتظروه) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (وكذلك) ، والمثبت موافق للتلاوة.
[3] في الأصل: (سلف) ، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (الفاء) ، وليس بصحيح.
[5] زيد في الأصل: (من) .
[6] في الأصل: (فرا) ، وليس بصحيح.
[7] في الأصل: (ناد) ، وليس بصحيح.
[8] في الأصل: (قالنا) ، وليس بصحيح.
[9] (بعض) : تكرر في الأصل.
[10] في الأصل: (آدرة) ، ولعل المثبت هو الصواب.
279# وبالسَّند المتقدم في هذا الحديث قال المؤلف: (وعن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه، فهو موصول، قال إمام الشارحين في «عمدة القاري» : هذا معطوف على الإسناد الأول، وقد صرح أبو مسعود وخلف في «أطرافهما» أن البخاري رواه هنا: عن إسحاق ابن نصر، وفي (أحاديث الأنبياء) : عن عبد الله بن محمَّد الجعفي؛ كلاهما عن عبد الله، ورواه أبو نُعيم الأصبهاني: عن أبي أحمد بن شيرويه: (حدثنا إسحاق: أنبأنا عبد الرزاق) ؛ فذكره، وأورد الإسماعيلي حديث عبد الرزاق، عن معمر، ثم لما فرغ منه؛ قال: وعن أبي هريرة قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «بينا أيُّوب يغتسل ... » ؛ الحديث.
وقال ابن حجر: (وجزم الكرماني بأنه تعليق بصيغة التمريض، فأخطأ، فإن الخبرين ثابتان في نسخة همام بالإسناد) ، ورده صاحب «عمدة القاري» .
قلت: (الكرماني لم يجزم بذلك، وإنما قال: تعليق بصيغة التمريض؛ بناء على الظاهر أنه لم يطلع على ما ذكرنا) انتهى.
وزعم ابن حجر في «الانتقاض» فقال: (انظر وتعجب) انتهى.
قلت: لا نظر ولا تعجب في كلام إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» ؛ لأنَّه قال الحق ورد الباطل، وإنما النظر والتعجب في كلام ابن حجر، فإنه قد استعجل القول بالخطأ ولم يلتفت إلى قوله تعالى: {وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ .. } ؛ الآية [الشعراء: 183] فإن كلام الكرماني مبني على الظاهر؛ حيث لم يطلع على ما ذكره صاحب «عمدة القاري» ، ولو اطلع عليه؛ لم يقل: إنَّه تعليق قطعًا، ألا ترى أن ابن حجر لو لم يطلع على ما ذكره إمام الشارحين؛ لقال: إنه تعليق بلا ريب، فالأدب ممدوح لا مذموم، والإنسان غير معصوم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(عن النبيِّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) أنه زاد في رواية: (قال) : (بينا) ؛ بالألف بدون الميم، قال صاحب «عمدة القاري» : (أصله «بين» بدون ألف، زيدت الألف فيه؛ لإشباع الفتحة، والعامل فيه قوله: «فخرَّ» الآتي، وما قيل: إن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها؛ لأنَّ فيه معنى الجزائية؛ لأنَّ «بين» متضمن للشرط؛ فجوابه: لا نسلم عدم عمله سيما في الظرف؛ لأنَّ فيه توسعًا، والعامل «فخرَّ» مقدر، والمذكور مفسر له، وما قيل: إنَّ المشهور دخول «إذ» أو «إذا» في جوابه، فجوابه كما أن «إذا» تقوم مقام الفاء في جزاء الشرط؛ نحو قوله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] ، كذلك تقوم الفاء مقام «إذا» في جواب «بين» ، فبينهما معارضة) انتهى، (أيُّوب) اسم أعجمي، وهو ابن أموص بن رزاخ بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليهم السلام، وهذا هو المشهور، وقيل هو: ابن أموص بن رواح بن روم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وأمه بنت لوط عليه السلام، كذا في «عمدة القاري» ، وهو النبيُّ المبتلى الصابر على بلائه؛ حيث أذهب الله أمواله وأولاده وكانوا سبعة بنين وسبع بنات، وابتلاه الله في ظاهر جسده بما يجوز على الأنبياء عليهم مدة سبع سنين، وقيل: ثماني عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، والأصح الأول وهو مع ذلك شاكر لله تعالى أوَّاب إليه، فرد الله تعالى عليه جميع ما أذهبه، قيل: بأعيانهم، وقيل: بأمثالهم، وهو الأظهر؛ لأنَّ فضل الله أوسع من ذلك؛ لما روي أن امرأته ولدت بعد البلاء ستة وعشرين ابنًا، قال في «عمدة القاري» : (وكانت منازله الثنية في أرض الشام والجابية من كورة دمشق، وكان الجميع له، ومقامه في حوران بقرية تعرف بدير أيُّوب، وقبره بها مشهور، وهي قرية قرب نوى عليه مشهد، وهناك قدمٌ في حجر يقولون: إنها أثر قدمه، وهناك عين يتبرك بها لما قيل إنها المذكورة في القرآن العظيم، وكان أعبد أهل زمانه) انتهى، وأكثرهم مالًا وكان لا يشبع حتى يشبع الجائع، ولا يكتسى حتى يكسي العاري، وكانت شريعته التوحيد وإصلاح ذات البين، وإذا طلب من الله حاجة؛ خرَّ له تعالى ساجدًا ثم طلب، صلى الله عليه وعلى نبينا النبي الأعظم وسلم.
قال صاحب «عمدة القاري» : (وعاش ثلاثًا وتسعين سنة) انتهى.
وقيل: خمسًا وتسعين، وقيل: مئتين، وقال القسطلاني: (إنه عاش ثلاثًا وستين سنة) انتهى.
قال العجلوني: إن كان مستنده قول الكرماني وكان عمره ثلاثًا وستين، ومدة بلائه سبع سنين، فقد يقال: لا دليل فيه لاحتمال أنه إخبار عنه حين اغتسل عريانًا أو حين ابتدأ بلاؤه؛ فليتأمل.
قلت: وهذا غير ظاهر؛ لأنَّ قول القسطلاني وكذا الكرماني يدل على أنه عليه السلام عاش بعد الاغتسال عريانًا، وبعد الابتلاء ثلاثًا وستين سنة، فكأنه ابتدأ البلاء فيه حين كان عمره ثلاثًا وعشرين، ومدة البلاء سبع سنين على الأصح فشفي فاغتسل، وبعد ذلك عاش ثلاثًا وستين، فكأن عمره ثلاثًا وتسعين سنة، وهو الأظهر، كما لا يخفى؛ فافهم.
وقوله: (يغتسل) ؛ أي: من الجنابة، جملة في محل الرفع؛ لأنَّها خبر المبتدأ وهو قوله: (أيُّوب) ، والمبتدأ وخبره جملة في محل جر بإضافة (بين) إليه، كذا في «عمدة القاري» .
قلت: لأنَّ الصحيح أنها تضاف إلى الجمل وإن اتصلت بها الألف؛ لأنَّها إنَّما تكفها عن الإضافة إلى المفرد؛ فافهم.
(عُرْيانًا) ؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الراء، منصوب على الحال، مصروف؛ لأنَّه (فُعلان) بالضم بخلاف (فَعلان) بالفتح، كما عرف في موضعه، قاله في «عمدة القاري» ، وجملة (فخر عليه جرادٌ) ؛ بالرفع فاعل (خر ) ) (من ذهب) جواب (بينا) ، و (خر) مضارعه يخر بالكسر والضم؛ أي: سقط عليه من أعلى إلى أسفل، وقيل: هو السقوط مطلقًا، كما في «القاموس» ، والجَراد: بفتح الميم، جمع جرادة تقع على الذكر والأنثى، وليس الجراد بذَكَرٍ للجرادة، وإنما هو اسم جنس؛ كالبقر والبقرة، والتمر والتمرة، والحمام والحمامة، فحق مذكره ألا يكون مؤنثه من لفظه؛ لئلا يلتبس الواحد المذكر بالجمع، كذا في «الصحاح» ، وقال ابن سيده: (الجراد معروف هو سروة، ثم دبًّا، ثم غوغاء، ثم خيفانًا، ثم كتفان، ثم جراد) ، وقال أبو إسحاق: (أول ما يكون الجراد دبًّا، ثم غوغاء؛ إذا ماج بعضه في بعض، ثم يكون كنفانًا، ثم يصير خيفانًا، ثم يكون جرادًا) ، وقيل: الجراد المذكر، والجرادة الأنثى، ومن كلامهم رأيت جرادًا على جرادة؛ كقولهم: رأيت نعامًا على نعامة، وقال ابن دريد: (سمي الجراد جرادًا؛ لأنَّه يجرد الأرض فيأكل ما عليها) ، كذا في «عمدة القاري» .
قال القسطلاني: (وهل كان جرادًا حقيقة ذا روح إلا أن اسمه ذهب، أو كان على شكل الجراد، وليس فيه روح) ، قال في «شرح التقريب» : (والأظهر الثاني) انتهى.
قلت: بل هو المتعين؛ لأنَّ السقوط، والذهب، والحثيلا يكون لذي الروح، بل لما لا روح له؛ لأنَّه من الجمادات حينئذٍ؛ فافهم، ولأن ذا الروح لا يحثى للبركة، وإنما كان ينزل آية العذاب، فالقول الثاني هو المتعين؛ فليحفظ.
وعند المؤلف في (أحاديث الأنبياء) : (رِجل من جراد) ، وهي بكسر الراء؛ الجراد الكثير، (فجعل أيُّوب) عليه السلام (يَحْتَثِي) ؛ بفتح التحتية، وسكون الحاء المهملة، بعد فوقية مفتوحة، وكسر المثلثة؛ يعني: يأخذ بيديه ويرمي (في ثوبه) وفي بعض النسخ: (يحثي) ؛ بدون الفوقية؛ يعني: أنه بسط ثوبه وصار يحثي بيديه ويرى فيه، قال في «عمدة القاري» : (يحتثي) من باب (الافتعال) من الحَثْي بفتح المهملة، وسكون المثلثة، قال ابن سيده: (الحثي: ما رفعت به يديك، يقال: حثى يحثي ويحثو، والياء أعلى) ، وفي «الصحاح» :(حثا في وجهه التراب يحثو ويحثي حثوًَّا وحثيًّا وتحثاءً، وحثوت له؛ إذا أعطيته شيئًا يسيرًا، ويقال: الحثية باليدين جميعًا
[ص 299]
عند أهل اللغة، وزعم ابن قرقول أنه يكون باليد الواحدة أيضًا) انتهى.
وقال ابن الملقن: (ذكر أهل اللغة أن الحثي باليدين جميعًا) انتهى.
وزعم ابن حجر أن الحثية هي الأخذ باليد الواحدة، انتهى.
قلت: وهو مخالف لما ذكره أهل اللغة.
وقال العجلوني: (هو محمول على ما قاله ابن قرقول، ويحتمل أن اليد للجنس) .
قلت: وهو ممنوع، فإن الحمل على ما قاله ابن قرقول غير صحيح؛ لأنَّه قول شاذ لا يعتمد عليه بعد تصريح أهل اللغة أنه باليدين جميعًا.
وقوله: (ويحتمل ... ) إلخ هذا الاحتمال غير صحيح أيضًا؛ لأنَّ (أل) في (اليد) للعهد للقرينة الدالة عليه، وهي قوله: (الأخذ باليد) ، فإرادة الجنس في كلام هذا القائل ممنوعة، وتمامه في «إيضاح المرام فيما وقع في الفتح من الأوهام» ؛ فليحفظ.
وزعم ابن حجر أنه وقع في رواية القابسي عن أبي زيد: (يحنى) ؛ بنون في آخره بدل الثاء، ورده صاحب «عمدة القاري» ، فقال: (قلت: أمعنت النظر في كتب اللغة فما وجدت له وجهًا في هذا) انتهى.
وقال السفاقسي: (لم أجده في اللغة) .
قلت: والظاهر: أنها تحريف من ابن حجر في النقل، ولم يلتفت إلى معناها، بل دأبه النقل من غير تعريض للمعنى؛ فافهم.
(فناداه ربه) سبحانه وتعالى: (يا أيُّوب) يحتمل أن يكون كلَّمه كما كلَّم موسى عليه السلام، وهو أولى بظاهر اللفظ، ويحتمل أن يرسل إليه ملَكًا، فسمي نداء بذلك، كذا قاله في «عمدة القاري» ؛ فافهم؛ (ألم أكن أَغنيتُك) ؛ بفتح الهمزة، وبتاء المتكلم (عما ترى) ؛ أي: من جراد الذهب؛ لأنَّ الله تعالى قد بسط عليه الدنيا وكانت له الثنية من أرض الشام كلها سهلها وجبلها، وكان له فيها من أصناف المال كله من الإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والحمير ما لا يكون لأفضل منه في العدة والكثرة، وكان له خمس مئة فدان يتبعها خمس مئة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال، ويحمل آلة كل فدان أتان، لكل أتان ولد من اثنين وثلاثة، وأعطاه الله أهلًا وولدًا من رجال ونساء، وكان برًّا تقيًّا رحيمًا بالمساكين يطعمهم، ويكفل الأرامل والأيتام، ويكرم الضيف، ويبلغ ابن السبيل، وتمامه في «البغوي» ، (قال) أي: أيُّوب عليه السلام: (بلى؛ وعزتك) ؛ أي: بل أغنيتني، قال الكرماني: (ولو قال في مثل هذه المواضع بدل «بلى» «نعم» ؛ لا يجوز، بل يكون كفرًا) ، قال إمام الشارحين: لأن (بلى) مختصة بإيجاب النفي، و (نعم) مقررة لما سبقها، والمراد في قوله تعالى: {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] ؛ أي: أنت ربنا، قال المفسرون: لو قالوا: نعم؛ لكفروا، والفقهاء لم يفرقوا بينهما في الأقارير؛ لأنَّ مبناها على العرف، ولا فرق بينهما في العرف, انتهى كلام «عمدة القاري» ، قال في «القاموس» : (بلى) جواب استفهام معقود بالجحد يوجب ما يقال لك، و (نَعَم) ؛ بفتحتين، وقد تكسر العين كلمة كـ (بلى) إلا أنه في جواب الواجب) انتهى، (ولكن لا غِنًى) ؛ بكسر الغين المعجمة، مقصور منون مرفوع؛ بمعنى: (ليس) ، والقصر بدون تنوين مبني بناء على أن (لا) لنفي الجنس، وزعم ابن حجر أنه بالقصر بلا تنوين على أن (لا) بمعنى: (ليس) .
ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: هذا القائل لم يرد الفرق بين(لا) التي بمعنى: (ليس) وبين (لا) التي لنفي الجنس، فإذا كانت بمعنى (ليس) ؛ فهو منون مرفوع، وإن كانت بمعنى: (لا) لنفي الجنس؛ يكون مبنيًّا على ما ينصب به ولا تنوين، ويجوز الوجهان هنا ولا فرق بينهما في المعنى؛ لأنَّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم.
وقال صاحب «الكشاف» : في أول البقرة قرئ: (لا ريبٌ) [البقرة: 2] ؛ بالرفع والفرق بينها وبين القراءة المشهورة أنَّ المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوزه) انتهى كلامه رضي الله عنه.
وقد حاول العجلوني عبارة ابن حجر ورممها على زعمه فقال: وعبارة ابن حجر هكذا (لا غنى) ؛ بالقصر بلا تنوين، ورويناه بالتنوين أيضًا على أن (لا) بمعنى (ليس) ؛ انتهى، فزعم العجلوني أن يكون قوله: على أن (لا) بمعنى (ليس) بناء على أنهما روايتان ومعناهما واحد، لكن العاملة عمل (إن) تفيد الاستغراق نصًّا بخلاف مخبرها؛ فإنها تفيده ظهورًا، انتهى.
قلت: وهذا لا ينفعه؛ لأنَّه غير صحيح؛ لأنَّ قوله: (بناء على أنهما روايتان ... ) إلخ متوجه عليه الاعتراض المذكور؛ لأنَّه كما لا يخفى إذا كانت الرواية بدون تنوين؛ فتكون (لا) لنفي الجنس، وإن كانت الرواية بالتنوين؛ فتكون (لا) بمعنى (ليس) ، ولم يفرق بينهما ابن حجر، بل جعل (لا) على الروايتين بمعنى: (ليس) ، وهو غير صحيح، كما لا يخفى.
وقوله: (ومعناهما واحد) غير صحيح من حيث الإعراب، وإن كان صحيحًا من حيث المعنى، والكلام الآن في الإعراب، ومفاد كلامه أن ابن حجر بنى كلامه على المعنى لا على الإعراب وهو غير صحيح، فإن هذا حل إعراب لا حل معنى، على أنه فيه خلط المعنى بالإعراب.
وقوله: (لكن ... ) إلخ هذا وجه إفادة الجنس تارة ينفي استغراقًا، وتارة ظهورًا، وهو حل معنى الجنس ولا كلام فيه، وعلى كلٍّ؛ فقد أكثر العجلوني من المحاولة والمكابرة بالمحسوس، وكأن ابن حجر معصوم لا يطرأ عليه نقص ولا خطأ، فيتصدر إلى بيان ما أخلط وأخبط، وقال ولا يدري ما يقول، وهذا من شدة التعصب والتعنت؛ فافهم، ولا تكن من المتعصبين المتعنتين المطرودين؛ فافهم.
(بي) بالموحدة، وفي بعض النسخ باللام (عن بركتك) ؛ أي: عن خيرك الكثير، فإن البركة كثرة الخير، كذا قاله في «عمدة القاري» ، ثم قال: فإن قلت: خبر «لا» ما هو؟ هل هو لفظ «بي» أو «عن بركتك» ؟ قلت: يجوز كلاهما، والمعنى صحيح على التقديرين، قال ابن بطال: (في حديث موسى وأيُّوب دليل على إباحة التعري في الخلوة للغسل وغيره بحيث يأمن أعين الناس؛ لأنَّهما من الذين أمرنا الله أن نقتدي بهداهم، ألا ترى أن الله عاتب أيُّوب على جمع الجراد، ولم يعاتبه على اغتساله عريانًا، ولو كلف الله عباده الاستتار في الخلوة؛ لكان في ذلك حرج على العباد إلا أنه من الأدب) انتهى.
قلت: ففيه: المطابقة للترجمة من حيث اغتساله عريانًا، لكن ليس فيه ذكر أنه كان وحده، كما ذكر في حديث موسى، لكنه أليق به للأدب، وفيه: دليل على أن ستر العورة مباح لا واجب، ولو كان واجبًا؛ لما فعله موسى وأيُّوب، ويدل لذلك معاتبة الله لأيُّوب في جمع الجراد، وعدم معاتبته في الاغتسال عريانًا، فلو كان واجبًا؛ لعاتبه، كما لا يخفى، وهو عام يشمل الخلوة، والصحراء، والبساتين عند الأنهار والبحور، كما لا يخفى.
وفيه: دليل على جواز الحرص على المال الحلال، وفيه: فضل الغني؛ لأنَّه سماه بركة، ومحال أن يكون أيُّوب عليه السلام أخذ هذا المال حبًّا للدنيا، وإنما أخذه، كما أخبر هو عن نفسه؛ لأنَّه بركة من ربه تعالى؛ لأنَّه قريب العهد بتكوين الله عز وجل، أو أنه نعمة جديدة خارقة للعادة، فينبغي تلقيها بالقبول، ففي ذلك شكر لها وتعظيم لشأنها، وفي الإعراض عنها كفر بها، وفيه: جواز الحلف بصفة من صفات الله تعالى، وفيه: فضل الكفاف على الفقر؛ لأنَّ أيُّوب عليه السلام لم يكن ذلك مفاخرة ولا مكاثرة، وإنما أخذه؛ ليستعين به فيما لا بد له منه، ولم يكن الرب عز وجل يعطيه ما ينقص به حظه، والله أعلم.
وهل الغني الشاكر أفضل أم الفقير الصابر أفضل؟ فيه خلاف والجمهور: على أن الأول أفضل؛ لأنَّه مؤدٍّ حقَّين لله تعالى؛ حق المال إلى الفقراء بالتصدق، وحق النعمة وهو الشكر لله عز وجل، وسيأتي بيانه.
(ورواه) أي: روى هذا الحديث المذكور (إبراهيم) ؛ هو ابن طَهْمان _بفتح الطاء المهملة، وسكون الهاء_، الخرساني أبو سَعِيْد، مات بمكة سنة ثلاث وستين ومئة، (عن موسى بن عُقْبَة) ؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون القاف، وفتح الموحدة، التابعي، (عن صَفْوان) ؛ بفتح الصاد المهملة، وسكون الفاء (بن سُلَيم) ؛ بضمِّ السين المهملة، وفتح اللام، التابعي المدني أبو عبد الله، يقال: إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة، وكان لا يقبل جوائز السطان، وقال أحمد: (يستنزل بذكره القطر) ، مات بالمدينة عام اثنين وثلاثين ومئة، (عن عطاء) بالمد (بن يَسَار) ؛ بفتح التحتية، وتخفيف السين المهملة، ضد اليمين، (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه، (عن النبيِّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) أنه زاد في رواية: (قال) : (بينا) ؛ بالألف بدون الميم (أيُّوب) عليه السلام اسم أعجمي مبتدأ (يغتسل) ؛ أي: من الجنابة، جملة محلها الرفع خبر (عُرْيانًا) ؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الراء، منصوب على الحال؛ أي: متجردًا عن ثيابه، ومن المئزر كما هو ظاهر اللفظ، وظاهره أنه لم يكن في خلوة؛ لما أن ستر العورة ليس بواجب في عندهم يومئذٍ؛ لأنَّه لو كان واجبًا؛ لما فعله، ولكان عاتبه ربه على تركه ...
[ص 300]
إلى آخر الحديث السابق.
قال في «عمدة القاري» : وقوله: (بينا أيُّوب ... ) إلخ بدل من الضمير المنصوب في قوله: (ورواه إبراهيم) ، وهذه الرواية موصولة أخرجها النسائي عن أحمد بن حفص، عن إبراهيم، وأخرجه الإسماعيلي أيضًا، ولما ذكره الحميدي قال عطاء تعليقًا عن أبي هريرة، ثم قال: (لم يزد؛ يعني: البخاري على هذا اللفظ من رواية عطاء، وقد أخرجه ولم يذكر اسم شيخه وأرسله، وقال الكرماني:(وإنما أخر الإسناد عن المتن لعل له طريقًا أخرى غير هذا الطريق تركها، وذكره تعليقًا لغرض من الأغراض التي للتعليق) ، وقوله: (ورواه إبراهيم) إشعار بهذا الطريق الآخر، وهذا أيضًا تعليق؛ لأنَّ البخاري لم يدرك عصر إبراهيم، لكنه نوع آخر منها، فلا يكون فيه تأخير الإسناد، وكذا لو قلنا: (وعن أبي هريرة) من تتمة كلامهما؛ فلا يكون تأخيرًا أيضًا؛ لأنَّه يكون مذكورًا للتقوية والتأكيد، ثم إن المحدثين كثيرًا منهم يذكر الحديث أولًا، ثم يأتي بالإسناد، لكن
[1] في الأصل: (ينتظروه) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (وكذلك) ، والمثبت موافق للتلاوة.
[3] في الأصل: (سلف) ، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (الفاء) ، وليس بصحيح.
[5] زيد في الأصل: (من) .
[6] في الأصل: (فرا) ، وليس بصحيح.
[7] في الأصل: (ناد) ، وليس بصحيح.
[8] في الأصل: (قالنا) ، وليس بصحيح.
[9] (بعض) : تكرر في الأصل.
[1] في الأصل: (ينتظروه) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (وكذلك) ، والمثبت موافق للتلاوة.
[3] في الأصل: (سلف) ، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (الفاء) ، وليس بصحيح.
[5] زيد في الأصل: (من) .
[6] في الأصل: (فرا) ، وليس بصحيح.
[7] في الأصل: (ناد) ، وليس بصحيح.
[8] في الأصل: (قالنا) ، وليس بصحيح.
[9] (بعض) : تكرر في الأصل.