فهرس الكتاب

الصفحة 516 من 860

[حديث أم سلمة: بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعة في خميصة إذ حضت]

298# وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا مكي) وفي رواية: (المكي) (بن إبراهيم) هو ابن بشير التميمي البلخي أبو السكن (قال: حدثنا هشام) هو الدستوائي، (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة، (عن أبي سَلَمَة) ؛ هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وفي رواية مسلم روى عنه بالتحديث قال: (حدثني أبو سَلَمَة) : (أن زينب بنت) وفي رواية: (ابنة) (أم سَلَمَة) الصحابية بنت أم المؤمنين (حدثته) أي: حدثت أبا سَلَمَة: (أن أم سَلَمَة) أم المؤمنين، واسمها هند بنت أبي أمية (حدثتها) أي: حدثت زينب، في السند (أبو سَلَمَة) و (أم سَلَمَة) وليست كنيتان باعتبار شخص واحد، بل سَلَمَة الأول: هو والد عبد الرحمن، وسَلَمَة الثاني: هو ولد بن عبد الأسد، والغرض أن أبا سَلَمَة ليس أباربيب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم (قالت: بينا) ؛ بغير ميم أصله: (بين) ، فأشبعت فتحة النون بالألف، و (بينا) و (بينما) ظرفان؛ بمعنى: المفاجأة، ومضافان إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما ألا يكون فيه (إذ) و (إذا) ، وههنا جاء الجواب بـ (إذ) ، وهو قوله: (إذ حضت) وهو العامل فيه، كذا قرره صاحب «عمدة القاري» (أنا مع النبي) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم مضطجعة) أصله: مضتجعة؛ لأنَّه من باب (الافتعال) ، فقلبت التاء طاء، ويجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع؛ فعلى الخبرية، وأما النصب؛ فعلى الحال (في خَمِيصة) ؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم؛ وهو كساء مربع له علمان، وقيل: الخماص: ثياب من خزتجان سود وحمر، ولها أعلام ثخان أيضًا قاله ابن سيده، وفي «الصحاح» : (كساء أسود مربع وإن لم يكن معلمًا؛ فليس بخميصة) ، وقال الأصمعي: (الخمائص: ثياب خز أو صوف معلمة، وهي سود كانت من لباس الناس) ، كذا في «الغريبين» ، وقال ابن سيده: (والخميصة: القطيفة) ، وقال السكري: (الخميل: القطيفة ونحوها مما ينسج، ويفضل له فضول) ، وفي

[ص 332]

«الصحاح» : (هي الطنفسة) .

وزعم النووي أن أهل اللغة قالوا: هو كل ثوب له خمل من أي لون كان، وقيل: هي الأسود من الثياب، كذا في «عمدة القاري» .

وقوله: (إذ حضت) جواب (بينا) ، لكنه غير فصيح؛ لما قدمنا أن الأفصح في جوابها ألَّا يكون بـ (إذ) أو (إذا) ؛ فافهم، (فانسللت) ؛ أي: ذهبت في خفية؛ لاحتمال وصول الشيء من الدم إليه صلَّى الله عليه وسلَّم، أو لأنَّها تقذرت نفسها ولم ترضها عليه السلام لمضاجعته، أو خافت أن ينزل الوحي فانسلت لئلا يشغله حركتها عما هو فيه من الوحي وغيره، كذا قاله صاحب «عمدة القاري» ، (فأخذت ثياب حِيضتي) ؛ بكسر الحاء المهملة؛ وهي حالة الحيض هذا هو الصحيح المشهور، وزعم الكرماني وقيل: يحتمل فتح الحاء هنا، فإن الخميصة بالفتح؛ هي الحيض).

ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: لا يقال هنا بالاحتمال، فإن كلًّا منهما لغة ثبتت عن العرب وهي أن الحِيضة بالكسر: الاسم من الحيض والحال التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض كالجلسة والقعدة من الجلوس والقعود، وأما الحَيضة بالفتح؛ فالمرة الواحدة من دفع الحيض أو نوبه، وأنت تفرق بينهما بما تقتضيه قرينة الحال من مساق الحديث، وجاء من حديث عائشة: (ليتني كنت حِيضة ملقاة) وهي بالكسر؛ خرقة الحيض، وجزم الخطابي هنا برواية الكسر، ورجحه النووي، ورجح القرطبي رواية الفتح؛ لوروده في بعض طرقه بلفظ: (حيضي) ؛ بغير تاء، كذا في «عمدة القاري» .

قلت: فمعنى رواية الكسر: أخذت ثيابي التي أعددتها لألبسها حالة الحيض، ومعنى رواية الفتح: أخذت ثيابي التي ألبسها زمن الحيض، والله أعلم.

(فقال) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي رواية: (قال) ؛ أي: لها (أنَفِست؟) ؛ بفتح النون، وكسر الفاء، وقيل: بضمِّ النون وفتحها، وفي الحيض بالفتح لا غير، وفي «الواعي» : نُفست؛ بضمِّ النون؛ حاضت، قال النووي: (هذا هو الصحيح في اللغة بمعنى: حضت، فأما في الولادة؛ فنُفِست؛ بضمِّ النون، وكسر الفاء) ، وفي «نوادر اللحياني» : (نفِست المرأة تنفِس؛ بالكسر في الماضي والمستقبل إذا حاضت) ، وفي «أدب الكتاب» عن ثعلب: (النفساء الواحدة، والحامل والحائض) ، وقال ابن سيده: (والجمع من كل ذلك نفساوات، ونِفاسٌ، ونفس، ونُفُّس، ونُفَس، ونُفَاس) ، كذا في «عمدة القاري» ، (قلت) ؛ بضمِّير المتكلم؛ أي: قالت أم سَلَمَة: (نعم) ؛ أي: نفست، (فدعاني) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، (فاضطجعت) فيه حذف؛ تقديره: فجئت إليه واضطجعت (معه) أي: مع النبيِّ عليه السلام (في الخميلة) ؛ باللام بدل الصاد، قال السكري: (الخميل: القطيفة ونحوها مما ينسج ويفضل له فضول) ، وقال ابن سيده: (الخميصة: القطيفة) ، وفي «الصحاح» : (هي الطنفسة) ، وزعم النووي أنها كل ثوب له خمل من أي لون كان، وقيل: هي الأسود من الثياب، كما قدمناه،

وفي الحديث: دليل على جواز النوم مع الحائض في ثيابها والاضطجاع معها في لحاف واحد، ومثلها النفساء، وفيه: استحباب اتخاذ المرأة ثيابًا للحيض غير ثيابها المعتادة، وفيه: أن عرقها طاهر، وقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ} [البقرة: 222] ؛ معناه: فاعتزلوا وطأهن، وفيه: التنبيه على أن حكم الحيض والنفاس واحد في منع وجوب الصَّلاة وعدم جواز الصوم، ودخول المسجد، والطواف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، ونحو ذلك، كذا قاله في «عمدة القاري» .

وقال المهلب: إنما لم ينصَّ البخاري على حكم النفاس وحده؛ لأنَّه لم يجد حديثًا على شرطه في حكم النفاس، واستنبط من الحديث أن حكمهما واحد.

ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: النصوص فيها كثيرة؛ منها حديث أم سَلَمَة: (كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله عليه السلام أربعين يومًا) ، قال الحاكم: (صحيح الإسناد) ، وحسنه البيهقي والخطابي.

وعند الدارقطني: أن أم سَلَمَة سألت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: كم تجلس المرأة إذا ولدت؟ قال: «أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك» ، وعند ابن ماجه من حديث سلام بن سليم، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه: (وقَّت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم للنفساء أربعين يومًا) ، ومثله حديث عثمان، عن أبي العاص قال الحاكم: مرسل صحيح، وحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أخرجه الحاكم في «المستدرك» ، وحديث عائشة رضي الله عنها أخرجه الحاكم وأحمد في (الحيض) ، وحديث جابر بن عبد الله رواه الطبراني في «الأوسط» ، وحديث أبي هريرة، وأبي الدرداء رواه ابن عدي بالإرسال، وأما موقوف ابن عباس؛ فسنده صحيح في «مسند» الدارمي، وأخرجه أيضًا ابن الجارود في «المنتقى» ، وفي كتاب «الأحكام» لأبي علي الطوسي: أجمع أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصَّلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك؛ فإنها تغتسل وتصلي، فإذا رأت الدم بعد الأربعين؛ فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصَّلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر أهل العلم من الفقهاء، ويروى عن الحسن: أنها تدع الصَّلاة خمسين يومًا، وعن عطاء: أنها تدع الصَّلاة ستين يومًا، كذا في «عمدة القاري» .

قلت: وما قاله أكثر أهل العلم هو مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وسيدهم، وأصحابه، والجمهور، وما روي عن الحسن هو قول مالك، وما روي عن عطاء هو قول الشافعي، ولا يخفى أن الأحاديث الصحاح المارَّة دليل واضح لما قاله الإمام الأعظم؛ لأنَّ أكثر النفاس أربعون يومًا،÷ فإذا زاد الدم؛ يكون استحاضة؛ فهو دم صحة لا دم فساد، فيجب عليها الصَّلاة، والصوم، ويأتيها زوجها، وتجري عليها أحكام الطاهرات، ونسأله تعالى العفو عن الزلات، وتضاعف الحسنات، وتفريج الكربات، وتنفيس الهمومات بجاه سيد السادات وآله وأصحابه النجوم الواضحات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت