[حديث: كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد]
299# بالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا قَبِيْصَة) ؛ بفتح القاف، وكسر الموحدة، وسكون التحتية، وفتح الصاد المهملة، هو ابن عُقْبَة _بضمِّ العين المهملة، وسكون القاف، وفتح الموحدة_ أبو عامر الكوفي (قال: حدثنا سفيان) هو الثوري، (عن منصور) هو ابن المعتمر، (عن إبراهيم) ؛ هو النخعي.
فإن قلت: إبراهيم هل أدرك أحدًا من الصحابة، أو سمع من أحد منهم؟
قلت: ذكر العجلي أن إبراهيم النخعي لم يحدث عن أحد من الصحابة، وقد أدرك منهم جماعة، وقد رأى عائشة رضي الله عنها، ويقال: إنه رأى أبا جحيفة، وزيد بن أرقم، وابن أبي أوفى، ولم يسمع منهم، وعن ابن حبان: (أنه سمع المغيرة) ، والله أعلم كذا في «عمدة القاري» ، (عن الأسود) هو خالد بن يزيد، (عن عائشة) : الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما (قالت: كنت أغتسل) ؛ أي: من الجنابة (أنا والنبيُّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ بالرفع والنصب، أما الرفع؛ فبالعطف على الضمير المرفوع في (كنت) ، وأما النصب؛ فعلى أن الواو؛ بمعنى: المصاحبة، وذكر (أنا) ؛ لأنَّ في عطف الظاهر على المضمر المستكن بدون التأكيد خلافًا، كذا في «عمدة القاري» (من إناء واحد) تختلف أيدينا فيه؛ (كلانا جنب) : جملة محلها النصب على الحال، وإنما لم يقل: كلانا جنبان؛ لأنَّها اختارت اللغة الفصيحة، وقد ذكرنا أن الجنب يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمثنى والجمع في اللغة الفصحى وإن كان يقال: جنبان وجنبون) انتهى.
(وكان) وللأَصيلي: (فكان) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (يأمرني) ؛ أي: بالاتزار لأجل حاجته، (فأَتَّزر) ؛ بفتح الهمزة، وتشديد المثناة الفوقية، أصله: أَأْتزر؛ بهمزتين أولهما مفتوحة، والثانية ساكنة؛ لأنَّ أصله من أزر، نقل إلى باب (الافتعال) ، فصار اتَّزر، وكذا استعمل في حديث آخر وهو: (كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يباشر بعض نسائه وهي مؤتزرة في حالة الحيض) ، وقال ابن الأثير: وقد جاء في بعض الروايات: «وهي متزرة» ، وهو خطأ؛ لأنَّ الهمزة لا تدغم في التاء الفوقية.
قال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» : (قلت: فعلى هذا؛ يكتفي أن يقرأ فآتزر بالمد؛ لأنَّ الهمزتين إذا اجتمعتا وكانت الأولى متحركة والثانية ساكنة؛ أبدلت الثانية حرف علة من جنس حركة الأولى؛ فتبدل ألفًا بعد الفتحة، فكذلك هنا؛ لأنَّ أصله: أَأْتزر؛ بهمزتين الأولى متحركة، والثانية ساكنة، أبدلت الثانية ألفًا فصار: آتزر؛ بالمد) .
وقال ابن هشام: وعوام المحدثين يحرفونه فيقرؤونه بألف وتاء مشدودة، ولا وجه له؛ لأنَّه (افتعل) من الإزرار، ففاؤه همزة ساكنة بعد همزة المضارعة المفتوحة)، وكذا أنكر الإدغام إمام الصنعات الزمخشري.
وزعم الكرماني فإن قلت: لا يجوز الإدغام فيه عند البصريين؟ قال صاحب «المفصل» : (وقول من قال: اتزر خطأ؟ قلت: قول عائشة وهي من فصحاء العرب حجة في جوازه، فالمخطئ مخطئ) . ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: إنَّما يصح ما ادعاه إذا ثبت عن عائشة أنها قالت بالإدغام، فلم لا يجوز أن يكون هذا خطأ مثل ما قال معظم أئمة هذا الشأن ويكون الخطأ من بعض الرواة أو من عوام المحدثين لا من عائشة رضي الله عنها؟) انتهى كلامه؛ فليحفظ.
قلت: وقد حاول ابن مالك جوازه، وقال: إنه مقصور على السماع؛ كـ (اتكل) ، ومنه قراءة ابن محيصن: (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اتُّمِن) [البقرة: 283] ؛ بهمزة وصل، وتاء مشددة)، ونقل الصغاني في «مجمع البحرين» : (أنه مذهب الكوفيين) ، والله أعلم.
(فيباشرني) عليه السلام؛ أي: تلامس بشرته بشرتي (وأنا حائض) : جملة حالية.
قالت عائشة: (وكان) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام (يخرج رأسه) أي: من مسجده النبوي (إليَّ) أي: وهي في حجرتها (وهو معتكف) ؛ أي: في المسجد، والجملة حالية، (فأغسله) ؛ أي: بالماء وأسرح شعره، وأدهنه كما هي عادته عليه السلام، والاعتكاف لغة: مجرد اللبث، وشرعًا: لبث في المسجد مع الصوم، وهو من باب (الافتعال) ، من عكف يعكف عكوفًا؛ إذا أقام وعكفه عكفًا؛ إذا حبسه (وأنا حائض) جملة حالية أيضًا،
[ص 333]
ففي الحديث: دليل على جواز اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد، وقد سبق، وفيه: دليل على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، ألا ترى إلى قولها: (وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله) ، فإنه دليل على ذلك؛ لأنَّ الاعتكاف وإن كان الوضوء ليس من شرطه إلا أن عادة النبيِّ عليه السلام خصوصًا حال الاعتكاف الدوام على الوضوء لا سيما والمسجد محل الصَّلاة، وفيه: دليل على جواز استخدام الزوجات، وفيه: طهارة عرق الحائض، وفيه: أن إخراج الرأس في المسجد لا يبطل الاعتكاف، وفيه: دليل على جواز مباشرة الحائض: وهي الملامسة من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة، وقد ترد المباشرة بمعنى: الجماع، والمراد بها هنا: المعنى الأول بالإجماع.
واعلم أن مباشرة الحائض على أقسام:
أحدها: حرام بالإجماع ولو اعتقد حله؛ يكفر، وهو أن يباشرها في الفرج عامدًا، فإن فعله غير مستحل؛ يستغفر الله ولا يعود إليه، وهل تجب عليه الكفارة أو لا فيه خلاف؛ فذهب جماعة إلى وجوب الكفارة؛ منهم: قتادة، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في القديم، وقال أكثر العلماء: لا شيء عليه سوى الاستغفار، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، وبه قال مالك، وربيعة، وداود، ويحيى بن سَعِيْد، والشافعي في الجديد، فلو فعله غير معتقد حله بأن كان ناسيًا، أو جاهلًا بوجود الحيض، أو جاهلًا بتحريمه، أو مكرهًا؛ فلا إثم عليه ولا كفارة، وعليه التوبة والاستغفار، وإن كان عالمًا بالحرمة، وبالحيض عامدًا مختارًا؛ فقد ارتكب المعصية؛ لأنَّها كبيرة، فيجب عليه التوبة والاستغفار، ويعزر بما يليق به، ولا كفارة عليه عند الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، واختلف الشافعي في وجوبها، والأصح: عدمها، وقيل: إنها عتق رقبة، وقيل: دينار ونصف دينار، وقيل: دينار أول الدم، ونصفه آخره، وقيل: دينار زمن الدم، ونصفه بعد انقطاعه.
قلت: واختار هذا التفصيل المتأخرون من الأئمَّة الحنفية على وجه الاستحباب لا الوجوب، وقدمناه مفصلًا.
فإن قلت: روى أبو داود عن ابن عباس، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: «يتصدق بدينار، أو بنصف دينار» ، ورواه بقية الأربعة.
قلت: رواه البيهقي وأعله بأشياء؛ منها: أن جماعة روَوه عن شعبة موقوفًا على ابن عباس، وأن شعبة رجع عن رفعه، ومنها: أنه روي مرسلًا، ومنها: أنه روي معضلًا، وهو رواية الأوزاعي عن يزيد بن أبي مالك، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «أمرت أن يتصدق بخُمسي دينار» ، والمعضل نوع خاص من المنقطع، فكل معضل منقطع، وليس كل منقطع معضلًا، وقوم يسمونه: مرسلًا، ومنها: أن في متنه اضطرابًا؛ لأنَّه روي: (بدينار أو نصف دينار) على الشك، وروي: (يتصدق بدينار، فإن لم يجد؛ فبنصف دينار) ، وروي: (يتصدق بنصف دينار) ، وروي: (إن كان دمًا أحمر؛ فدينار، وإن كان أصفر؛ فنصف دينار) ، وروي: (إن كان الدم عبيطًا؛ فليتصدق بدينار، وإن كان صفرة؛ فنصف دينار) ، قال صاحب «عمدة القاري» : هذا الحديث صححه الحاكم، وابن القطان، وذكر الخلَّال عن أبي داود: أن أحمد قال: ما أحسنَ حديث عبد الحميد! وهو أحد رواة هذا الحديث، وهو من رجال «الصحيح» ، وهو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بن نفيل القرشي الهاشمي العدوي، عامل محمَّد بن عبد العزيز على الكوفة، رأى عبد الله بن عباس وسأله، وروى عن حفصة زوج النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم إن شعبة إن كان رجع عن رفعه؛ فإن غيره رواه مرفوعًا، وهو عمرو بن قَيْس الملائي، وهو ثقة ومن طريقه أخرجه النسائي، وكذا رواه قتادة مرفوعًا، فأسقطا في روايتهما عبد الحميد، ومقتضى القواعد: أن رواية الرفع أشبه بالصواب؛ لأنَّه زيادة ثقة، أما ما روي فيه من (خمسي دينار) ، أو (عتق نسمة) ، وغير ذلك؛ فما منها شيء يعول عليه، والذين ذهبوا إلى عدم وجوب الصدقة أجابوا: أن قوله عليه السلام: «يتصدق» محمولًا على الاستحباب، إن شاء يتصدق، وإلا؛ فلا، وعن الحسن أنه قال: عليه ما على من واقع أهله في رمضان.
والنوع الثاني: من المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر، وبالقبلة، وبالمعانقة، أو اللمس، أو غير ذلك؛ فهذا حلال بالإجماع، إلا ما حكي عن عبيدة السَّلماني وغيره: من أنه لا يباشر شيئًا منها، وهو شاذ منكر مردود بالأحاديث الصحيحة المذكورة في «الصحيحين» وغيرهما من مباشرة النبيِّ عليه السلام فوق الإزار.
والنوع الثالث: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، فعند الإمام الأعظم: حرام، وهو رواية عن إمام أبي يوسف، وهو قول مالك، وابن المسيب، وشريح، وطاووس، وعطاء، وابن يسار، وقتادة، وهو القول الأصح للشافعي، وعند الإمام محمَّد بن الحسن: يجتنب شعار الدم، وهو رواية عن الإمام أبي يوسف، وهو قول علي، وابن عباس، وأبي طلحة، والأوزاعي، وأبي ثور، والثوري، والشعبي، والنخعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المُنْذِر، وداود، وأصبغ؛ لحديث أنس رضي الله عنه عند مسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» ، واقتصار النبيِّ عليه السلام في مباشرته على ما فوق الإزار محمول على الاستحباب، وذكر القرطبي عن مُجَاهِد: كانوا في الجاهلية يتجنبون النساء في الحيض، ويأتون النساء في أدبارهن في حدثه، والنصارى كانوا يجامعوهن [1] في فروجهن، والمجوس يبالغون في هجرانهن وبتنجيسهن، ويعتزلوهن بعد انقطاع الدم وارتفاعه سبعة أيام، ويزعمون أن ذلك في كتابهم، انتهى.
قلت: فأبطل الله تعالى كل ذلك بآية: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ ... } ؛ الآية كما قدمناها؛ فافهم.
[1] في الأصل: (يجامعهن) ، ولعل المثبت هو الصواب.