فهرس الكتاب

الصفحة 522 من 860

[حديث: يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار]

304# وبالسَّند إليه قال: (حدثنا سَعِيد بن أبي مريم) : هو سَعِيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم، المعروف بابن أبي مريم الجمحي المصري، (قال: حدثنا) : وفي رواية: (أخبرنا) (محمَّد بن جعفر) : هو ابن أبي كثير _بفتح الكاف، وبالمثلثة_ الأنصاري (قال: أخبرني) بالإفراد (زيد هو ابن أسلم) ؛ بلفظ الماضي، أبو أسامة المدني، وسقط (هو ابن أسلم) للأصيلي وابن عساكر، وهي ثابتة لغيرهما، وأشار إلى أنه تعريف له من تلقاء نفسه، وليس من كلام شيخه، (عن عِياض) بكسر العين المهملة (بن عبد الله) : هو ابن أبي سرح العامري، ولأبيه صحبة، (عن أبي سَعِيد الخدري) : واسمه سعد بن مالك رضي الله عنه (قال: خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ يعني: خرج إما من بيته، أو من مسجده، كذا قاله في «عمدة القاري» ، قلت: والظاهر الثاني؛ لأنَّه عليه السلام كان يصلي الفجر في مسجده وقت الإسفار كما قال: «أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر» ، وهذه عادته، وكان يقعد في مصلَّاه حتى ترتفع الشمس قدر رمح أو رمحين، ثم يخرج من المسجد يريد صلاة العيد في المصلى، وهذا من عادته عليه السلام؛ فليحفظ، فتأمل، (في) يوم عيد (أَضْحى) ؛ بفتح الهمزة، وسكون الضاد المعجمة، جمع أضحاة، والأضحية: شاة تذبح يوم الأضحى، وفيها أربع لغات: ضم الهمزة وكسرها، وأضحية كما ذكرناها ضبطًا، وضَحيَّة؛ بفتح الضاد المعجمة، وتشديد التحتية، والجمع أضحاة وأضحى، وبها سمي يوم الأضحى، والأضحى يذكر ويؤنث، وقيل: سميت بذلك؛ لأنَّها تفعل في الأضحى؛ وهو ارتفاع النهار، كذا في «عمدة القاري» ، (أو) في يوم عيد (فطر) ؛ أي: عقب رمضان، والشك من الراوي، وزعم الكرماني أن الشك من أبي سَعِيد، ورده صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: لا يتعين ذلك) انتهى، أي: بل الشك من الراوي أي كان، وهو الظاهر؛ فافهم، (إلى المصلى) : متعلق بقوله: (خرج) وهو موضع صلاة العيدين وصلاة الجنازة قرب الجبانة، وإنما أعده عليه السلام لذلك؛ لتنزيه المسجد عن الكلام المباح فيه حال الاجتماع فيه من المعايدة حين لقاء الناس بعضهم بعضًا، ولتنزيهه أيضًا عن الجنازة؛ لاحتمال خروج شيء من الميت إلى المسجد، ولهذا قال الإمام الأعظم رأس المجتهدين: إن صلاة الجنازة بالمسجد مكروهة؛ لأنَّ النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قد أعد لها المصلَّى، وقال: «من صلى على جنازة في مسجد؛ فلا أجر له» ، وفي رواية: «فلا ثواب له» ، وهذا حجة على من منع الكراهة في المسجد، وسيأتي تمامه في (الجنائز) إن شاء الله تعالى؛ فافهم، والله أعلم.

(فمر) عليه السلام (على النساء) ؛ لأنَّه يجوز خروجهن أيام العيد إلى المصلى للصلاة مع الناس كما يأتي، (فقال) : يحتمل أنه عليه السلام قال ذلك لهن حال مروره إلى المصلى للصلاة؛ لأنَّهن لمَّا رأين النبي عليه السلام خارجًا إلى المصلى؛ وقفن حتى يمر عليه السلام، فلما رآهنَّ؛ قال لهن ذلك، فيكون الوعظ لهنَّ فقط، ويحتمل التعميم، ويحتمل أنَّه عليه السلام وعظ الناس وأمرهم بالصدقة بعد الصَّلاة، ثمَّ التفت إلى النساء، والظاهر الأول؛ يدل عليه قوله: (فمر) ؛ بالفاء التعقيبية، فإنه يفيد أن قوله ذلك كان بعد خروجه قبل الصَّلاة؛ فتأمل: (يا معشر النساء) : المعشر: الجماعة متخالطين كانوا أو غير ذلك، وقال الأزهري: أخبرني المُنْذِر عن أحمد بن يحيى قال: (المعشر، والنفر، والقوم، والرهط؛ هؤلاء معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم للرجال دون النساء) ، وقال الليث: (المعشر: كل جماعة أمرهم واحد) ، وهذا هو الظاهر، وقول [1] أحمد بن يحيى مردود [2] بالحديث وجمع على معاشر، انتهىكذا في «عمدة القاري» .

قلت: وهذا يرد

[ص 336]

على ما نقله الأزهري من تخصيصه بالرجال، إلا إن كان مراده بالتخصيص حالة إطلاق المعشر لا تقييده كما في الحديث؛ فافهم.

وقوله: (تصدقن) مقول القول، والفاء في قوله: (فإني) للتعليل (أُرِيتكن) ؛ بضمِّ الهمزة، وكسر الراء على صيغة المجهول (أكثرَ أهل النار) ؛ أي: أراني الله إياكنَّ أكثر أهل النار، فـ (أكثر) منصوب؛ لأنَّ قوله: (أريتكن) [3] متعد إلى ثلاثة مفاعيل؛ الأول التاء التي هي مفعول ناب عن الفاعل، والثاني قوله: (أكثر أهل النار) ، كذا ارتضاه صاحب «عمدة القاري» ، وقال صاحب «التلويح» : (أكثر) بنصب الراء على أن (أريت) [4] يتعدى إلى مفعولين، أو على الحال إذا قلنا: إن (أفعل) لا يتعرف بالإضافة، كما صار إليه الفارسي وغيره، وقيل: إنه بدل من الكاف في (أريتكن) [5] انتهى ومنعه صاحب «عمدة القاري» .

فإن قلت: في أين أريهن أكثر أهل النار؟

قلت: في ليلة الإسراء، وفي حديث ابن عباس الآتي في صلاة الكسوف: أن الرواية المذكورة وقعت في صلاة الكسوف، وعن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: «أريت النار فرأيت أكثر أهلها النساء» .

فإن قلت: ورد في الحديث قال: «لكل رجل زوجتان من الآدميين» ؟

قلت: لعل هذا قبل ورود الشفاعة، كذا في «عمدة القاري» .

قلت: وحاصله أنه عليه السلام رأى النار ليلة الإسراء، فرأى أكثر أهلها النساء هذا هو المتعين؛ فافهم.

(قلن) : وفي رواية: (فقلن) : (وبم يا رسول الله؟) : الواو للعطف على مقدر؛ تقديره: ما ذنبنا، والباء للسببية، وكلمة (ما) استفهامية حذفت ألفها وجوبًا؛ لأنَّها مجرورة، وبقيت الفتحة دليلًا عليها؛ مثل: (إلامَ) و (علامَ) ، وعلة الحذف الفرق بين الاستفهام والخبر، فلهذا حذفت في {فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَاهَا} [النازعات: 43] ، {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ} [النمل: 35] ، وأما قراءة عكرمة وعيسى: (عما يتساءلون) [عمَّ: 1] ؛ فنادر، كذا قاله صاحب «عمدة القاري» .

وزعم ابن حجر أن الواو في (وبم) استئنافية، والباء تعليلية، وحذفت الألف من (ما) تخفيفًا، انتهى، قلت: ومنعه صاحب «عمدة القاري» ، قلت: لعدم ظهور وجهه، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم؛ لأنَّ الواو عاطفة على المقدر المناسب لما قبلها من الأمر، ولأن الباء ذكرت لأجل السببية في كونهن أكثر أهل النار، وقوله: (وحذفت الألف ... ) إلخ: هذا أبعد بعيد عما قاله؛ لأنَّ (ما) الاستفهامية إذا جُرَّت؛ وجب حذف ألفها، فالحذف واجب، لا لأجل التخفيف كما زعمه هذا القائل، وهذا ما عليه النحويون، فمن أين جاء ما قاله؟ فافهم.

(قال) ؛ أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: لإنَّكنَّ (تكثرن اللعن) : من الإكثار، واللعن لغة: الطرد والإبعاد من الخير، واللعنة: الاسم؛ ومعناه: أنهنَّ يتلفظنَّ باللعنة، ففيه ذم الدعاء باللعن؛ لأنَّه دعاء بالإبعاد من رحمة الله عزَّ وجلَّ، وقالوا: إنَّه محمول على ما إذا كان في معيَّن؛ لأنَّه لا تعرف خاتمة أمره بالقطع إلى أين مصيره؟ أمَّا من عرف خاتمة أمره ومصيره بالقطع؛ فيجوز كأبي جهل، ومثله لعن صاحب وصف بدون تعيين؛ كالكافرين والظالمين؛ فإنَّه جائز، (وتكفرن العشير) : هو الزوج، سمِّي بذلك؛ لمعاشرته إيَّاها، وفي «الموعب» : (عشيرك: الذي يعاشرك، أيديكما وأمركما واحد، لا يكادون يقولون في جمعه: عشراء [6] ، ولكنهم معاشروك [7] وعشرك) ، وقال الفراء: (يجمع على عشراء؛ مثل: جليس وجلساء، وإن العرب لتكرهه كراهة أن يشاكل قولهم: ناقة عشراء، والعشير: الصديق، والزوج، وابن العم) ، كذا في «عمدة القاري» .

ثم قال: (وتكفرن) : من الكفر؛ وهو الستر، وكفران النعمة وكفرها: سترها بترك أداء شكرها، والمراد: أنهنَّ يجحدن نعمة الزوج ويستقللن ما كان منه، ففيه أنَّ الكلام القبيح كاللعن والشتم حرام، وأنَّه من المعاصي، فإن داوم عليه؛ صار كبيرة، واستدل النووي على أنَّ اللعن والشتم من الكبائر بالتوعَّد عليهما بالنار، وفيه إطلاق الكفر على الذنوب [8] التي لا تخرج عن الملة تغليظًا على فاعلها، وفيه إطلاق الكفر على غير الكفر بالله عزَّ وجلَّ، وفيه أنَّ جحد النعم حرام وكفران النعمة مذموم، وفيه أنَّ الصدقة تدفع [العذاب] ، وأنها تكفر الذنوب، وفيه الإشارة إلى الإغلاظ في النصح بما يكون سببًا لإزالة الصفة التي تعاب أو الذنب الذي يتصف به الإنسان، كذا قرره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الله تعالى.

(ما رأيت من ناقصات) : صفة موصوف محذوف؛ أي: ما رأيت أحدًا من ناقصات (عقل) : العقل في اللغة: ضد الحمق، وعن الأصمعي: (هو مصدر عقل الإنسان يعقل) ، وقال ابن دريد: (هو مشتق من عقال الناقة؛ لأنَّه يعقل صاحبه عن الجهل؛ أي: يحبسه، ولهذا قيل: عقل الدواء بطنه؛ أي: أمسكه) ، وفي «العين» : (عقلت بعد الصبا؛ أي: عرفت بعد الخطأ الذي كنت فيه، واللغة الغالبة عقل، وقالوا: عقل يعقل؛ مثل: حكم يحكم، وهو المعقول) ، وقال ابن الأنباري: (العاقل: الجامع لأمره ورأيه) ، وقال الأزهري: (العاقل: الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، أخذًا من قولهم: اعتقل لسانه؛ إذا حبس ومنع من الكلام) ، وفي «المختصر» : (قال سيبويه: قالوا: العقل كما قالوا: الظرف [9] ، أدخلوه في باب عجز؛ لأنَّه مثله، والعقل من المصادر المجموعة من غير أن تختلف أنواعها) ، وقال الإمام الرئيس أبو علي ابن سينا: (العقل والحجى والنهى؛ كلها متقاربة المعاني) ، وعن الأصمعي: (هو الإمساك عن القبيح، وقصر النفس وحبسها على الحسن، وقالوا: عاقل وعقلاء، وهو الحلم، واللب، والحجر، والطعم، والمحت، والمرجح، والجول، والجنجيب، والذهن، والهرمان [10] ، والحصاة) ، وفي «المحكم» : (وجمعه: عقول) ، وقال القزاز: (مسكنه عند قوم في الدماغ، وعند آخرين في القلب) ، قال صاحب «عمدة القاري» : (الأول قول الإمام الأعظم، والثاني قول الشافعي، وقيل: مسكنه الدماغ، وتدبيره في القلب، وعن هذا قالوا: العقل جوهر خلقه الله في الدماغ، وجعل نوره في القلب، يدرك به المغيبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة) ، وقال بعض المتكلمين: العلم: العقل، وقيل: بعض العلوم الضرورية، وقيل: قوة يميز بها حقائق المعلومات، وقال الإمام الرئيس أبو علي: (هو اسم مشترك لمعان عدة: عقل لصحة الفطرة الأولى في الناس، وهو قوة يميز بها بين الأمور القبيحة والحسنة، وعقل لما يكتسبه بالتجارب من الأحكام يكون مقدمة يحصل بها المصالح، وعقل بمعنى آخر، وهذه هيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلامه) ، وأما الحكماء؛ فقد فرقوا بينه وبين العلم، وقالوا: العقل الفطري والعملي بالفعل والمبادئ والفعال، وتحقيقه في كتبهم، وإنما سمي العقل عقلًا من قولهم: ظبي عاقل؛ إذا امتنع في أعلى الجبل، فسمي هذا به؛ لأنَّه في أعلى الجسد بمنزلة الذي في أعلى الجبل، وقيل: العاقل: الجامع لأموره برأيه، مأخوذ من قولهم: عقلت الفرس؛ إذا جمعت قوائمه، كذا حققه إمام الشارحين في «عمدة القاري» .

وحكى ابن التين عن بعضهم: أن المراد من العقل: الدية؛ لأنَّ ديتها على النصف من دية الرجل، ورده صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: ظاهر الحديث يأباه) انتهى.

[ص 337]

قلت: وهو ظاهر يدل عليه قوله: (ودين) ... إلخ، فإنه عليه السلام حين سألنه لم يُجِبْهُنَّ بأن المراد من العقل: الدية، وهذا دليل على منع ما حكاه ابن التين؛ فافهم.

وقال في «عمدة القاري» : (وقوله: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» جواب تام، فكأنه من باب الاستتباع، إذالذم بالنقصان؛ استتبع لأمر آخر غريب، وهو كون الرجل الكامل الحازم منقادًا للنساء الناقصات دينًا وعقلًا) انتهى.

(أذهب) : أفعل التفضيل، من الإذهاب، على مذهب سيبويه حيث جوَّز بناء (أفعل) التفضيل من الثلاثي المزيد فيه، وكان القياس فيه: أشد إذهابًا، كذا في «عمدة القاري» ، (للُبِّ) ؛ بضمِّ اللام، وتشديد الموحدة: العقل الخالص من الشوائب، فهو خالص ما في الإنسان من قواه، فكلُّ لبِّ عقلٌ، وليس كلُّ عقلٍ لُبًّا [11] (الرجل الحازم) ؛ بالحاء المهملة، والزاي المعجمة؛ أي: الضابط لأمره، وهو على سبيل المبالغة في وصفهن بذلك؛ لأنَّه إذا كان الضابط لأمره ينقاد لهن؛ فغيره أولى، (قلن) : ويروى: (فقلن) : (وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟) : وهذا استفسار منهنَّ عن وجه نقصان دينهنَّ وعقلهنَّ، وذلك لأنَّه خفي عليهنَّ ذلك حتى استفسرن، وزعم ابن حجر أنَّ هذا السؤال دالٌّ على النقصان؛ لأنَّهنَّ سلمن ما نسب إليهنَّ من الأمور الثلاثة الإكثار، والكفران، والإذهاب، ثم استشكل كونهنَّ ناقصات، ورده صاحب «عمدة القاري» ، فقال: قلت: هذا الاستفسار وليس باستشكال؛ لأنَّهنَّ بعد أن سلمن هذه الأمور الثلاثة لا يكون عليه إشكال، ولكن لمَّا خفي سبب نقصان دينهنَّ وعقلهنَّ؛ سألن عن ذلك بقولهنَّ: (ما نقصان ديننا وعقلنا؟) ، والتسليم بهذه الأمور كيف يدل على النقصان؟ وبين صلَّى الله عليه وسلَّم ما خفي عليهنَّ من ذلك بقوله: (قال) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟) : هذا جواب منه عليه السلام بلطف وإرشاد من غير تعنيف ولا لوم، بحيث خاطبهنَّ على قدر فهمهنَّ؛ لأنَّه عليه السلام كان يخاطب الناس على قدر عقولهم، انتهى كلامه، (قلن: بلى) يا رسول الله.

وقال النووي: (أما وصفه النساء بنقصان الدين؛ فلتركهنَّ الصَّلاة والصوم، فقد يستشكل معناه، وليس بمشكل، فإنَّ الدين والإيمان والإسلام مشترك في معنى واحد، فإن من كثرت عبادته؛ زاد إيمانه ودينه، ومن نقص عبادته؛ نقص دينه) ، ورده صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: دعواه الاشتراك في هذه الثلاثة غير مسَلَّمَة؛ لأنَّ بينها فرق لغة وشرعًا، وقوله: «زاد إيمانه أو نقص» ليس راجعًا إلى الذات، بل هو راجع إلى الصفة كما تقدر هذا في موضعه) انتهى، قلت: وهذا ظاهر، وقد أشبعنا الكلام عليه في كتاب (الإيمان) ؛ فافهم.

وقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» :(وقوله: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟» إشارة إلى قوله عزَّ وجلَّ: {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] .

فإن قلت: ما النكتة في تفسيره لهذه العبارة، ولم يقل: أليس شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل؟

قلت: لأنَّ في عبارته تلك تنصيص على النقص صريحًا بخلاف ما ذكرت، فإنه يدلُّ عليه ضمنًا؛ فافهم، فإنه دقيق.

فإن قلت: أليس ذلك ذمًّا لهنَّ؟

قلت: لا، ولكنَّه على معنى التعجب بأنهنَّ مع اتصافهنَّ بهذه الحالة يفعلن بالرجل الحازم كذا وكذا) انتهى كلامه.

ثم قال: (ففيه تنبيه على أن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، وفيه دليل على أن ملاك الشهادة العقل، وفيه مراجعة المتعلمِ والتابعِ المتبوعَ والمعلِّمَ فيما قالاه إذا لم يظهر له معناه) انتهى.

(قال) أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: (فذلكِ) ؛ بكسر الكاف، خطاب للواحدة التي تولَّت الخطاب، ويجوز فتح الكاف على أنَّه خطاب للعام، والإشارة إلى ما ذكر من قوله: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟» ، كذا قاله صاحب «عمدة القاري» (من نقصان عقلها) : فإن قلت: هذا خطاب للإناث والمعهود فيه (فذلكنَّ) ؛ قلت: قد عهد في خطاب المذكر الاستغناء بـ (ذلك) عن (ذلكم) ، قال تعالى: {فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ} [البقرة: 85] ، فهذا مثله في المؤنث على أنَّ بعض النحاة نقل لغة بأنَّه يكتفى بكاف مكسورة مفردة لكلِّ مؤنث، أو الخطاب لغير معيَّن من النساء؛ ليعم الخطاب كلًَا منهن على سبيل البدل، إشارة إلى أنَّ حالتهنَّ في النقص تناهت في الظهور إلى حيث يمتنع خفاؤها، فلا تختص به واحدة دون أخرى، كذا في «المصابيح» .

ثم قال عليه السلام: (أليس إذا حاضت) ؛ أي: المرأة منكنَّ (لم تصل) الصَّلاة المفروضة (ولم تصم) الصوم المفروض؛ لوجود المانع فيها من الحيض؟ (قلن: بلى) يا رسول الله، وهذا محل مطابقة الحديث للترجمة، (قال) ؛ أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: (فذلكِ) ؛ بكسر الكاف، خطابًا للواحدة التي تولَّت الخطاب، ويجوز فتح الكاف على أنَّه للخطاب العام؛ فافهم، ففيه ألَّا يواجه [12] بذلك الشخص المعين، فإن في الشمول تسلية وتسهيلًا؛ فليحفظ، (من نقصان دينها) .

فإن قلت: هذا العموم فيهنَّ يعارضه قوله عليه السلام: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم» ، وفي رواية: «أربع» ، وهو ما رواه الترمذي وأحمد من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمَّد» .

قلت: أجاب ابن حجر: بأن بعض الأفراد خرج عن ذلك؛ لأنَّه نادر قليل، وردَّه صاحب «عمدة القاري» ، ثم قال: (والجواب السديد في ذلك: هو أنَّ الحكم على الكلِّ بشيء لا يستلزم الحكم على كلِّ فرد من أفراده بذلك الشيء) ، وقال النووي: (ونقص الدين قد يكون على وجه يأثم؛ كمن ترك الصَّلاة بلا عذر، وقد يكون على وجه لا يأثم به؛ كمن ترك الجمعة لعذر، وقد يكون على وجه هو مكلف به؛ كترك الحائض الصَّلاة والصوم، فإن قيل: إذا كانت معذورة فهل تثاب على ترك الصَّلاة في زمن الحيض وإن كانت لا تقضيها كما يثاب المريض، ويكتب له في مرضه مثل نوافل الصلوات التي كان يفعلها في صحته؟ قلت: وظاهر هذا الحديث أنَّها لا تثاب، والفرق أنَّ المريض كان يفعلها بنيَّة الدوام عليها مع أهليَّته لها، والحائض ليست كذلك، بل نيَّتها ترك الصَّلاة في زمن الحيض، وكيف لا وهي حرام عليها؟) قال صاحب «عمدة القاري» : (قلت: ينبغي أن تثاب على ترك الحرام) انتهى.

قلت: وقال أئمة المذهب المعظم: يستحب للحائض أن تتوضأ لكل وقت، وتجلس في مصلَّاها تذكر الله تعالى حتى تكون معتادة على إقامة الصَّلوات، ولا ريب أنَّها تثاب على هذا الفعل، وتمامه في «منهل الطلاب» .

وقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» :(وفي الحديث استحباب خروج الإمام مع القوم إلى مصلى العيد في الجبانة لأجل صلاة العيد، ولم يزل الصدر الأول يفعلون ذلك، ثمَّ تركه أكثرهم؛ لكثرة الجوامع، ومع هذا فإنَّ أهل بلاد شتَّى لم يتركوا ذلك، وفيه الحثُّ على الصدقة؛ لأنَّها من أفعال الخيرات والمبرَّات، فإن الحسنات يذهبن السيئات، ولا سيما في مثل يومي العيدين؛ لاجتماع الأغنياء والفقراء، وتحسُّر الفقراء عند رؤيتهم الأغنياء عليهم الثياب الفاخرة، ولا سيما أيتام الفقراء والأرامل الفقراء، فإن الصدقة

[ص 338]

عليهم في مثل هذا اليوم مما يُقِلُّ تحسرهم وهمهم، وأما تخصيصه عليه السلام النساء في ذلك اليوم حيث أمرهنَّ بالصدقة؛ فلغلبة البخل عليهنَّ، وقلة معرفتهنَّ بثواب الصدقة، وما يترتب عليها من الحسن والفضل في الدنيا قبل يوم الآخرة) انتهى.

وزعم الخطابي أنَّ في الحديث دليل على أنَّ النقص من الطاعات نقص من الدين، وردَّه صاحب «عمدة القاري» ، فقال: (لا ينقص من الدين شيء، وإنما النقص والزيادة يرجعان إلى الكمال) انتهى.

قلت: ويدلُّ لهذا أنَّه عليه السلام قال في هذا الحديث: «أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم؟ ... » إلخ، فإنَّه صريح في أنَّ الزيادة أو النقص يرجعان إلى الثمرات، فإنَّ الإيمان هو التصديق، وهو لا يزيد ولا ينقص، وإنما الذي يقبل الزيادة والنقصان ثمراته من الصَّوم والصَّلاة، فإنَّ الحائض حال نزول الدم غير مخاطبة بالفرائض فيه، وتمامه فيما كتبناه في كتاب (الإيمان) .

وقال في «عمدة القاري» : وفي الحديث جواز خروج النساء أيام العيد إلى المصلَّى للصلاة مع الناس، وقال العلماء: هذا في زمنه عليه السلام، وأما اليوم؛ فلا تخرج الشابة ذات الهيئة، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: (لو رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما أحدث النساء بعده؛ لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل) ، قال إمام الشارحين: (قلت: هذا الكلام من عائشة بعد زمن يسير جدًّا بعد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمَّا اليوم، فنعوذ بالله من ذلك؛ فلا يرخص في خروجهنَّ مطلقًا للعيد وغيره، ولا سيما نساء مصر على ما لا يخفى) انتهى.

قلت: ولا سيما نساء ديارنا الشريفة الشاميَّة؛ فإنهنَّ أكثرن الفساد، وجئن بالتبزير مع الآثام، وأوقعن الرجال بالهلكات، ولا يبعد أن يقال: يحرم على الزوج أن يأذن لهنَّ بالخروج مطلقًا لعيد وغيره، كما لا يخفى، وتمامه في «منهل الطلاب» .

ونقل في «عمدة القاري» عن «التوضيح» رأى جماعة [ذلك] حقًّا عليهن؛ يعني: في خروجهن للعيد وغيره؛ منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر، وغيرهم، ومنهم من منعهنَّ ذلك؛ منهم: عروة، والقاسم، ويحيى بن سَعِيد الأنصاري، ومالك، وأبو يوسف، وأجازه الإمام الأعظم مرة ومنعه أخرى، ومنع بعضهم في الشابَّة دون غيرها، وهو مذهب مالك وأبي يوسف، وقال الحافظ الطحاوي: (لأنَّ الأمر بخروجهنَّ أول الإسلام لتكثير المسلمين في أعين العدو) ، قال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» : (قلت: كان ذلك لوجود الأمن أيضًا، واليوم قلَّ الأمن والمسلمون كثير، ومذهب أصحابنا في هذا الباب ما ذكره صاحب «البدائع» : أجمعوا على أنَّه لا يرخص للشابة الخروج للعيدين والجمعة وشيء من الصلوات؛ لقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ} [الأحزاب: 33] ؛ لأنَّ خروجهنَّ سببٌ للفتنة، وأما العجائز؛ فرخص لهن الخروج في العيدين، ولا خلاف أنَّ الأفضل ألَّا يخرجن في صلاة، فإذا خرجن؛ يصلين صلاة العيد في رواية الحسن بن زياد عن الإمام الاعظم، وفي رواية الإمام أبي يوسف عن الإمام الأعظم: لا يصلين، بل يكثرن سواد المسلمين وينتفعن بدعائهم، وفي حديث أم عطية قالت: كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يخرج العواتق ذات الخدور والحُيَّض، وأمر الحيَّض: «فليعتزلن المصلى، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين» ، أخرجه الشيخان، وقال عليه السلام: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» ، أخرجاه أيضًا، وفي رواية أبي داود: «ليخرجن [وهنَّ] تفلات» : غير عطرات، والعواتق: جمع عاتق؛ وهي البنت التي بلغت، وقيل: التي لم تتزوَّج، والخدور: جمع خدر؛ وهو الستر، وزعم النووي يكره للشابة أو لمن تشتهى الحضور؛ لخوف الفتنة عليهنَّ وبهنَّ) انتهى كلامه.

ثم قال: (ففي الحديث جواز عظة النساء على حدة، وهذا للإمام، فإن لم يكن؛ فلنائبه، وفيه نص على أن الحائض يسقط عنها فرض الصوم والصَّلاة لكن الأول إلى خلف، والثاني لا؛ للحرج، وفيه الشفاعة للمسلمين وغيرهم أن يسأل لهم، وفيه حجة لمن كره السؤال لغيره، وفيه ما يدل على ما كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم من الخلق العظيم، والصفح الجميل، والرأفة، والرحمة على أمته عليه أفضل الصلوات وأشرف التحيات) انتهىوالله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (قال) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (مورود) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[3] في الأصل: (رأيتكن) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[4] في الأصل: (رأيت) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[5] في الأصل: (أرأيتكن) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[6] في الأصل: (عشر) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[7] في الأصل: (يعاشروك) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[8] في الأصل: (الذنب) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[9] في الأصل: (الطرف) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[10] في الأصل: (والمهرمان) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[11] في الأصل: (لب) .

[12] في الأصل: (يؤاخذ) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[1] في الأصل: (قال) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (مورود) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[3] في الأصل: (رأيتكن) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[4] في الأصل: (رأيت) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[5] في الأصل: (أرأيتكن) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[6] في الأصل: (عشر) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[7] في الأصل: (يعاشروك) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[8] في الأصل: (الذنب) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[9] في الأصل: (الطرف) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[10] في الأصل: (والمهرمان) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[11] في الأصل: (لب) .

[1] في الأصل: (قال) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (مورود) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[3] في الأصل: (رأيتكن) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[4] في الأصل: (رأيت) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[5] في الأصل: (أرأيتكن) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[6] في الأصل: (عشر) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[7] في الأصل: (يعاشروك) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[8] في الأصل: (الذنب) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[9] في الأصل: (الطرف) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[10] في الأصل: (والمهرمان) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[11] في الأصل: (لب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت