[حديث: خرجنا مع النبي لا نذكر إلا الحج فلما جئنا]
305# وبالسَّند إليه قال: (حدثنا أبو نُعيم) ؛ بضمِّ النون، هو الفضل بن دكين _بالدال المهملة_ (قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سَلَمَة) بفتحات، (عن عبد الرحمن بن القاسم) ؛ هو ابن محمَّد، (عن) أبيه (القاسم بن محمَّد) ؛ هو ابن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، (عن عائشة) : الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما، (قالت: خرجنا مع النبي) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) حال كوننا (لا نَذْكر) ؛ بفتح النون، من الذُّكر _بضمِّ الذال المعجمة_، وفي الرواية السابقة: (لا نرى) ؛ بضمِّ النون وفتحها؛ ومعناه: لا نظن (إلا الحج) ؛ أي: إلا قصد الحج؛ لأنَّهم كانوا يظنون امتناع العمرة في أشهر الحج، فأخبرت عن اعتقادها عن الغالب من حال الناس، أو من حال الشارع؛ أمَّا هي فقد قالت: إنَّها لم تحرم إلا للعمرة، (فلما جئنا) وفي الرواية السابقة: (فلما كنت) (سَرِف) ، وفي الرواية السابقة: (بسرف) ؛ بزيادة الموحدة أوله، وهو بفتح السين المهملة، وكسر الراء، آخره فاء، اسم موضع قريب من مكة، بينهما نحوًا من عشر أميال، أو تسعة، أو سبعة، أو ستة، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث، وقد يصرف نظرًا لإرادة المكان؛ (طمَثت) ؛ بفتح الميم، وكسرها؛ أي: حِضْتُ، وهناك صرحت بقولها: (حضت) ، (فدخل عليَّ) ؛ بتشديد المثناة التحتية (النبي) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ أي: إلى مكاني الذي أنا فيه، فرآني (وأنا أبكي) : جملة اسمية وقعت حالًا بالواو، (فقال: ما) استفهامية؛ معناه: أي شيء (يبكِيكِ؟) ؛ بكسر الكافين؛ أي: أي شيء أصابك، ومن شدته بكيت؟ (فقلت) ؛ بتاء المتكلم؛ أي: له عليه السلام: (لودِدت) ؛ بكسر الدال المهملة الأولى، وهو جواب قسم محذوف، والقسم التالي وهو قولها: (والله) ؛ تأكيد له (أَني) ؛ بفتح الهمزة (لم أحج العام) ؛ أي: لم أقصد الحج في هذه السنة؛ لأنَّ قولها ذلك كان قبل شيء من الحج، (قال) عليه السلام لها: (لعلكِ) ؛ بكسر الكاف (نَفست؟) ؛ بفتح النون لا غير؛ أي: حضت، وجوز بعضهم الضم على قلة كما سبق، (قلت: نعم) ؛ أي: نفستُ، (قال) عليه السلام: (فإن ذلكِ) ؛ بكسر الكاف، وباللام، وفي رواية: (فإن ذاك) ، وفي السابقة: (إن هذا) والمراد: الحيض (شيء) وفي السابقة: (أمرٌ) (كتبه الله على بنات آدم) ؛ لأجل امتحانهنَّ به ليظهر صبرهنَّ وعدمه على العبادة فليس هو خاصًّا بك، وقصد عليه السلام تسليتها والتخفيف لهمِّها، (فافعلي) وفي السابقة: (فاقضي) ، وهذا خطاب لعائشة، ومعناه: أدِّي (ما) ؛ أي: الذي أو الشيء (يفعل) ؛ أي: يؤدِّيه (الحاج) ؛ أي: من المناسك، وهو اسم فاعل أصله: حاجج، والمراد به الجنس فيشمل الجمع، وتمامه قد مضى، (غيرَ) بالنصب (ألَّا) ؛ بالشديد، أصله: أن لا، ويجوز أن تكون (أن) مخفَّفة من المثقلة، وفيه ضمير الشأن، و (لا) زائدة، وقوله: (تطوفي) مجزوم بـ (لا) ؛ أي: لا تطوفي ما دمت حائضًا؛ لفقدان صحة الطواف؛ وهو الطهارة، ولهذا قال: (حتى تطهري) ؛ أي: بانقطاع الحيض وإن لم تغتسلي، ومثلها النفساء والجنب، فإنَّ الاغتسال ليس بشرط لصحَّة الطواف، لكنه واجب فلو طافت بعد الانقطاع للركن؛ يجب عليها بدنة، ولو حاضت عند طواف الصَّدَر؛ تركته؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: (إنه عليه السلام أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض) ، متفق عليه، وقال الشافعي: لا بدَّ لصحة الطواف من الانقطاع والغسل؛ لحديث: «الطواف بالبيت صلاة» فيشترط له ما يشترط لها، ورُدَّ بقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا} [الحج: 29] ، واشتراط الطهارة بخبر الواحد زيادة على النصِّ، وهو نسخ فلا يثبت فيه، والمراد من التشبيه إنَّما هو في الثواب دون الحكم، ألا ترى أن الانحراف والمشي فيه لا يفسده؟! ولا يلزم موافقة المشبه المشبه به في جميع الوجوه، فإنك إذا قلت: زيد كحمار؛ يعني: في عدم الفهم؛ فلا يلزم أنَّه يمشي على أربع، وسيأتي تمامه في (الحج) ، إن شاء الله تعالى.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة؛ فإن المرأة إذا حاضت بعد الإحرام تأتي بأفعال الحج كلها غير أنها لا تطوف بالبيت، فإن طافت بعد الانقطاع؛ صح طوافها وعليها بدنة؛ لعدم الاغتسال.
وفي الحديث جواز البكاء والحزن لأجل حصول مانع للعبادة، وفيه أن العبد إذا وقع في مصيبة؛ لا بأس لغيره أن يسلِّيه بمثلها في غيره، ويخفِّفها عنه، كأن يقول له: انظر لفلان، فإنه حصل له كذا وكذا مثلها، والله أعلم.
[ص 342]