[حديث: إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه]
307# وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) ؛ هو التنيسي (قال: أخبرنا مالك) ؛ هو ابن أنس الأصبحي، (عن هشام) زاد الأصيلي: (ابن عروة) ؛ هو ابن الزبير، (عن فاطمة بنت المُنْذِر) ؛ هو ابن الزبير بن العوام زوجة هشام المذكور وابنة عمه، (عن أسماء بنت أبي بكر الصديق) رضي الله عنهما، وفي رواية سقط لفظ (الصديق) ، وهي جدة فاطمة وزوجها لأبويهما المعروفة بذات النطاقين أم عبد الله بن الزبير، وهي آخر المهاجرات وفاة، توفيت في جمادى الأول، سنة ثلاث وسبعين بمكة بعد ابنها عبد الله بأيام، بلغت مئة سنة، لم يسقط لها سن، ولم ينكر لها عقل رضي الله عنها (أنها قالت) أي: أسماء: (سألت امرأةٌ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) والمرأة السائلة هي أسماء بنت يزيد التي يقال لها: خطيبة النساء، وقيل: هي أسماء بنت مَشكَل؛ بفتحتين، قال جماعة من المحدثين: والأولى هي الصواب، وقواه النووي واعتمده، وما قيل: إنَّها أسماء بنت أبي بكر المذكورة، وأبهمت نفسها لغرض؛ فقد ردَّه النووي، وقدمنا أنَّها لو كانت هي السائلة؛ لم تبهم نفسها؛ لأنَّه لا عذر لها، ولا غرض فيه، بل التصريح أشرف وأحسن لها، لا يقال: إن الحياء منعها من التصريح؛ لأنَّا نقول: هذا حكم شرعي، والنَّبيُّ الأعظم عليه السلام نهى عن الحياء في الأحكام الشرعية والسؤال عنها، ولهذا إنَّ أم سليم لما أتته تسأله قالت: إن الله لا
[ص 344]
يستحي من الحق، فالحياء من الحق مذمومٌ شرعًا، وأسماء رضي الله عنها من كبار الصحابة المهاجرات، وهي أشد اتباعًا لسنة النَّبيِّ الأعظم عليه السلام فلا يمنعها ذلك؛ فافهم، والله أعلم.
(فقالت: يا رسول الله؛ أرأيت) ؛ أي: أخبرني، وفيه تجوز لإطلاق الرؤية وإرادة الإخبار؛ لأنَّ الرؤية سبب الإخبار، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر؛ بجامع الطلب، كذا في «عمدة القاري» ؛ فافهم، (إحدانا) بالنصب مفعول (أرأيت) على معنى: أخبرني عن إحدانا، وجوز في «عمدة القاري» رفعه على الابتداء، والجملة بعده خبره.
قلت: وهو معنًى صحيحٌ؛ لأنَّه على معنى الاستئناف، فكأنها قالت: أخبرني حكم؛ وهو إحدانا ... إلخ؛ فافهم.
(إذا أصاب ثوبَها الدمُ) بالرفع فاعل (أصاب) ، وبنصب (ثوب) على المفعولية، (من الحَيضة) ؛ بفتح الحاء المهملة، متعلق بقوله: (أصاب) ، وجملة (كيف تصنع؟) ؛ أي: في الثوب المذكور محلها نصب على أنها مفعول ثان لـ (رأيت) ، أو بدل من الأول، أو لا محل لها، أو محلها الرفع؛ فتأمل.
(فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) لها في الجواب: (إذا أصاب ثوب) بالنصب مفعول (أصاب) (إحداكن الدم) بالرفع فاعله (من الحَيضة) بفتح الحاء المهملة أيضًا؛ (فلتَقْرُصه) ؛ أي: الدم الموجود في الثوب المذكور، وهو بفتح الفوقية، وسكون القاف، وضم الراء، وبالصاد المهملة الساكنة؛ أي: تدلكه بأطراف الأصابع حتى تقلع الأثر، قال في «المحكم» : (القرص( [1] ) : التخميش، والغمز بالإصبع)، وقدمنا تمامه، (ثم لتَنضَحُه) بفتح الفوقية، بعدها نون، وبفتح الضاد المعجمة، وضم الحاء المهملة، من باب (فتح) ، وما قيل: إنَّه بكسر الضاد المعجمة؛ فقد غلط، ووفق بعضهم بأن الفتح أفصح، والكسر لغة، ولا ريب أن غير الفصيح شاذ وغلط، فتعين الفتح فقط، وقدمنا تمامه؛ فافهم، والمراد بالنضح: الغسل؛ أي: تغسله، ويدل له قوله في الحديث السابق: (فاغسلي عنك الدم) ، فهو يعين أن المراد بالنضح في كلامهم: الغسل لا غير؛ فافهم، والمراد: أنها تفرك مواضع الدم بأطراف أصابعها (بماء) ؛ أي: مع صب عليه؛ ليتخلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه، ولا يضر بقاء أثرٍ شقَّ زواله، فلا يتكلف في إزالته لنحو صابون، أو أشنان، أو ماء حار، أو غيرها؛ فإنه غير لازم للحرج، وهو مدفوع بالنص، والحك بالضلع، والماء المملح الواقع في بعض الروايات إن صح؛ فهو محمول على الندب لا الوجوب؛ لأنَّ الأحاديث الصحاح ليس فيها ذكر ذلك، كما أوضحناه فيما سبق، (ثم لتصلي فيه) ؛ أي: بذلك الثوب، فقد علمت أن الضمير المنصوب في (فلتقرصه) يرجع إلى الدم الذي أصاب الثوب، والضمير في قوله: (لتنضحه) يرجع إلى الماء، وهذا هو الأصل في إرجاع الضمير.
واستدل الإمام محمَّد بن الحسن والشافعي بهذا الحديث على أنَّ النجاسات إنَّما تزال بالماء دون غيره من المائعات الطاهرة؛ لأنَّ جميع النجاسات بمثابة الدم إجماعًا.
قلت: وهو مردود؛ فإن ذكر الماء في الحديث خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط، والمعنى في ذلك: أن الماء أكثر وجودًا من غيره، فصرح به باعتبار الكثرة والغالب، ورد أيضًا بأن تخصيص الشيء بالذكر لا ينفي الحكم عما عداه، ورد أيضًا بأن هذا مفهوم اللقب، وهو غير حجة عند الشافعي، ويدل لهذا حديث عائشة: (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم الحيض؛ قالت بريقها، فمصعته بظفرها) ، وعند أبي داود: (بلته بريقها) ، فلولا أن الريق مطهِّر؛ لزادت النجاسة، فعلم أن الرِّيق وغيره من المائعات الطاهرة مطهر للنجاسة كالماء، فلا خصوصية للماء في ذلك، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور.
واعترض باحتمال أن تكون قصدت بذلك تحليل أثره، ثم غسلته بعد ذلك.
قلت: وهذا احتمال بعيد بارد؛ لأنَّه لا دليل يدل على أنها غسلته بعد ذلك، بل ظاهره صريح في أنها اقتصرت على الريق، ولئن سلمنا أنها غسلته؛ فبالغسل يحصل تحليل أثره من غير احتياج إلى مضغه أو بله بريقها، فعلم بذلك أنها لم تغسله، ومضغه أو بله بريقها دليل على أنها لم تغسله، وهو كذلك؛ لأنَّه لم يثبت عنها ذلك ولا أحد نقله عنها، فاحتمال الغسل بعد ذلك دعوى باطلة لا يعتد بها، على أن المقصود من تطهير النجاسات إزالة عينها وأثرها، والمائعات الطاهرات وكذا الريق لا ريب أنها تزيل العين والأثر، وبها يحصل المقصود، فلا خصوصية للماء، كما لا يخفى على أولي الألباب.
وفي الحديث دليل على أن الدم نجس، وهو بالإجماع، وفيه دلالة على أن العدد ليس بشرط في إزالة النجاسة، بل المراد الإنقاء، وفيه دليل على أنها لم تر في ثوبها شيئًا من الدم ترش عليه، وتصلي فيه لأجل دفع الوسوسة، وتمامه فيما قدمناه؛ فافهم.
[1] في الأصل: (القرض) ، وهو تصحيف، وكذا في بعض المواضع اللاحقة.