فهرس الكتاب

الصفحة 537 من 860

[حديث: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث]

313# وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب) هو أبو محمَّد الحجبي البصري، بالحاء المهملة، بعدها جيم، ثم موحدة (قال: حدثنا حمَّاد بن زيد) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الميم، (عن أيُّوب) : هو السختياني، (عن حفصة) هي بنت سيرين الأنصارية أم الهذيل، زاد في رواية المستمليوكريمة: (قال أبو عبد الله أو هشام بن حسان، عن حفصة) ، و (أبو عبد الله) هو المؤلف، و (حسان) بالصرف وعدمه؛ من الحس أو الحسن، فكأن المؤلف شك في شيخ حمَّاد أهو أيُّوب أو هشام؟ وليس ذلك عند بقية الرواة، ولا عند أصحاب الأطراف، وقد أورد المؤلف هذا الحديث في كتاب «الطلاق» بهذا الإسناد؛ فلم يذكر ذلك، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري» ، (عن أم عطية) هي نُسَيبة _بضمِّ النون، وفتح السين المهملة_ بالتصغير، بنت الحارث، كانت تمرض المرضى، وتداوي الجرحى، وتغسل الموتى رضي الله عنها (قالت: كنا نُنهى) ؛ بضمِّ النون الأولى على صيغة المفعول، والناهي هو: النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، كما دلت عليه رواية هشام المعلقة المذكورة في آخر الحديث، وهذه الصيغة في حكم المرفوع، وكذلك كنا وكانوا، ونحو ذلك؛ لأنَّه وقع في زمن النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وقرَّرهم عليه، فهو مرفوعٌ معنًى، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري» (أن نُحِد) بضمِّ النون، وكسر الحاء المهملة، وفي رواية: (تحد) بمثناة فوقية؛ أي: المرأة، من الإحداد؛ وهو الامتناع من الزينة، قال الجوهري: أحدَّت المرأة؛ أي: امتنعت من الزينة والخضاب بعد وفاة زوجها، وكذلك حدَّت تحُدُّ بالضم، وتحِدُّ بالكسر حدادًا، أو هي حاد، ولم يعرف الأصمعي إلا أحدت، فهي محدة، كذا في «المحكم» ، وأصل هذه المادة: المنع، ومنه قيل للبواب: حدَّاد؛ لأنَّه يمنع الدخول والخروج، وأغرب بعضهم؛ فحكاه بالجيم، من جددت الشيء، فكأنها قد انقطعت عن الزينة، وعما كانت قبل ذلك، كذا في «عمدة القاري» ، وكلمة «أن» مصدرية، والتقدير: كنا ننهى عن الإحداد (على ميْت) ؛ بتخفيف التحتية: مَن حلَّ به الموت، وبتشديدها: من سيموت، قال الله عز وجل: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] ، وهذه التفرقة لجمهور العلماء، وبعضهم لم يفرق بينهما، فيقال لمن حل به الموت: بالتشديد، (فوق ثلاث) تعني به: الليالي مع أيامها، ولذلك أنث العدد (إلا على زوج) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية المستملي، والحموي: (إلا على زوجها) ، والأول موافق للفظ «نحد» بالنون، والثاني موافق للفظ «تحد» بالغيبة، وقال إمام الشارحين في «عمدة القاري» : ويقال في توجيه الثاني: إن الضمير يعود على الواحدة المندرجة في قولها: (كنا ننهى) أي: كل واحدة منهن، انتهى، وقد خبط وخلط الكرماني هنا؛ فاجتنبه، (أربعة أشهر وعشرًا) أي: عشر ليال، إذ لو أريد به الأيام؛ لقيل: عشرة بالتاء، قال إمام الصنعة العلامة الزمخشري في قوله تعالى: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] : (لو قلت في مثله: «عشرة» ؛ لخرجت عن كلام العرب، لا نراهم قط يستعملون التذكير فيه) ، وقيل: الفرق بين المذكر والمؤنث في الأعداد إنَّما هو عند ذكر المميز، أما ما لم يذكر؛ جاز فيه التاء وعدمه مطلقًا، فإن قلت: و (عشرًا) منصوب بماذا؟ قلت: هو عطف على

[ص 348]

قوله: (أربعة) وهو منصوب على الظرفية، كذا في «عمدة القاري» ، وقال المبرد: إنما أنث العشر؛ لأنَّ المراد به: المدة المعينة، وعشر: مدة، وكل مدة من يوم وليلة، فالليلة مع يومها مدة معلومة من الدهر، وقيل: لم يقل: عشرة؛ تغليبًا لحكم الليالي؛ لأنَّ الليلة أسبق من اليوم والأيام في ضمنها، و (عشرًا) أخف في اللفظ؛ فتغلب الليالي على الأيام إذا اجتمعت في التاريخ؛ لأنَّ ابتداء الشهور بالليل عند الاستهلال، فلما كان أول الشهر الليلة؛ غلب الليلة، تقول: صمنا خمسًا من الشهر، فتغلب الليالي وإن كان الصوم بالنهار، وقيل: تأنيث العشر بدون التاء؛ اعتبارًا بكون معدودها الليالي، والليالي مؤنث، قال تعالى: {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} [الحاقة: 7] ، والوجه في اعتبار الليالي وجعلها مبدأ للتأريخ أن شهور العرب قمرية، وابتداؤها من طلوع الهلال وهو في الليل؛ فيكون الليل في تاريخهم سابقًا على النهار؛ فلهذا خصوا تاريخهم بالليالي دون الأيام حتى قالوا: صمنا عشر ليالٍ، والصوم إنَّما يكون في الأيام، وتذكير المعدود يقتضي زيادة التاء في اسم العدد من الثلاثة إلى العشرة، وإنما قدرت هذه المدة؛ لأنَّ الجنين في غالب الأحوال يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكرًا، ولأربعة إن كان أنثى؛ فاعتبر أقصى الأجلين، وزيد عليه العشر استعانة بتلك الزيادة على العلم ببراءة الرحم؛ إذ ربما تضعف حركته في المبادئ فلا يحس بها، وقيل: إنَّما قدرت بذلك؛ لأنَّ الولد يكون أربعين يومًا نطفة، وأربعين يومًا علقة، ووأربعين يومًا مضغة، ثم ينفخ فيه الروح في العشر، فلما كان الأمر كذلك؛ أمرت بتربص أربعة أشهر وعشر؛ ليتبين الحمل إن كان بها؛ فافهم، (ولا نكتحل) بالرفع في أكثر الروايات، ويروى بالنصب، فتوجيهه أن تكون «لا» زائدة، أو توكيدًا، فإن قلت: لا يؤكد إلا إذا تقدم النفي عليه؛ قلت: قد تقدم معنى النفي: وهو النهي، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري» ؛ يعني: أنه على رواية النصب معطوف على المنصوب السابق، وما قاله إمام الشارحين قد ارتضاه الدماميني، وتبعه القسطلاني وغيره.

(ولا نتطيب) بالنون فيهما، (ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا) سواء كان بزعفران أو بعصفر، أو بمفرة (إلا ثوب عَصْب) ؛ بفتح العين، وسكون الصاد المهملتين، آخره موحدة، هو من برود اليمن يصبغ غزلها ثم ينسج، وفي «المحكم» : (هو ضرب من برود اليمن يعصب غزله) ؛ أي: يجتمع ثم ينسج، ثم يصبغ، وقيل: هي برود مخططة، وفي «المنتهى» : (العصب في اللغة: إحكام القتل [1] والطي، وشدة الجمع واللي، وكل شيء أحكمته فقد عصبته، ومنه أخذ [2] عصب اليمن؛ وهو المفتول من برودها، والعصب: الخيار) ، وفي «المحكم» : (وليس من برود الرقم ولا يجمع، وإنما يقال: برود عصب، وبرود عصب، وربما اكتفوا بأن يقولوا عليه المعصب، لا البرد عرف بذلك) ، زاد في «المخصص» : (لا يُثنَّى ولا يجمع؛ لأنَّه أضيف إلى الفعل، وإنما العلة فيه الإضافة إلى الجنس) ، قال الجوهري: (ومنه قيل للسحاب كاللطخ: عصب) ، قال القزاز: (وكان الملوك تلبسها) ، وروي عن عمر رضي الله عنه: أنه أراد أن ينهى عن عصب اليمن، وقال: (نبت يصبغ بالبول) ، ثم قال: (نهينا عن التعمق) ، وفي حديث ثوبان: «اشتر لفاطمة قلادة من عصب» ، قال الخطابي: (إن لم يكن الثياب اليمانية؛ فلا أدري، وما أدري أن القلادة تكون منها) ، وقال أبو موسى: (ذكر لي بعض أهل اليمن أنه: سن دابة مجرية تسمى: فرس فرعون يتخذ منها الخرز، ويكون أبيض) ، كذا في «عمدة القاري» ، (وقد رخص لنا) أي: رخص النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم التطيب بالتبخير لهن، فهو في حكم المرفوع، كما سبق (عند الطهر) أي: من الحيض والنفاس (إذا اغتسلت إحدانا من محيضها) ونفاسها لإزالة الرائحة الكريهة عنها؛ لما يستقبله من الصَّلاة ومجالسة الملائكة؛ لئلا تؤذيهم برائحة الدم، (في نبْذة) ؛ بضمِّ النون وفتحها، وسكون الموحدة، وبالذال المعجمة، وهو الشيء اليسير، والمراد به: القطعة، والجمع أنباذ، كذا في «عمدة القاري» ؛ أي: في قطعة يسيرة (من كُسْت ظفار) بضمِّ الكاف، وسكون السين المهملة، كذا هو في هذه الرواية، و (ظَفارِ) ؛ بفتح أوله، آخره راء مكسورة، مبني على الكسر، مدينة باليمن وبها قصر الملكة يقال: إن الجن بنتها، وفي أثبت الروايات: (من جزع ظفار) ، وفي رواية أخرى: (ظفارى) ، وقال ابن التين: (صوابه: قسط ظفار، منسوب إلى ظفار؛ وهي بساحل من سواحل عدن) ، وقال القرطبي: هي مدينة باليمن، والذي في «مسلم» : (قسط وظفار) بالواو، وهو الأحسن؛ فإنهما نوعان؛ قيل: هو شيء من العطر أسود، والقطعة منه شبيهة بالظفر، وهو بخور رخص فيه للمغتسلة من الحيض؛ لإزالة الرائحة الكريهة.

وقال الصغاني: (ظفار في اليمن أربعة مواضع؛ مدينتان وحصنان؛ أما المدينتان؛ فإحداهما: ظفار الجعل كان ينزلها المتبايعة، وهي على مرحلتين من صنعاء، وإليها ينسب الجزع، والأخرى: ظفار الساحل قرب سرباط، وإليها ينسب القسط يجلب إليها من الهند، والحصنان؛ أحدهما: في يمان صنعاء على مرحلتين، وتسمى: ظفار الواديين، والثاني: في بلاد همدان، وتسمى: ظفار الطاهر) ، وفي «المحكم» : (الظفر: ضرب من العطر أسود مقلب من أصله على شكل ظفر الإنسان، موضع في الدخنة، والجمع أظفار، وأظافير) ، وقال صاحب «المعين» : (لا واحد له، وظفر ثوبه؛ طيبه بالظفر) ، وفي «الجامع» : (الأظفار: شيء من العطر شبيهة بالأظفار يتخذ منها، ولا يفرد واحدها، وإن أظفر؛ فهو إظفارة) ، وفي كتاب «الطيب» للمفضل بن سَلَمَة: (القسط، والكشط، والكست؛ ثلاث لغات) قال: وهو من طيب الأعراب، وسماه ابن البيطار في كتاب «الجامع» : راسنا أيضًا، وقال الأزهري: (واحده ظفر) ، وقال غيره: الأظفار: شيء من العطر، وقال الشيخ إسماعيل: (الأظفار: شيء يتداوى به؛ كأنه عود وكأنه يثقب ويجعل في القلادة) ، كذا قرره إمام الشارحين في «عمدة القاري» ؛ فافهم، والله الهادي، (وكنا نُنهى) ؛ بضمِّ النون الأولى على صيغة المجهول، والناهي هو النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذه الصيغة في حكم المرفوع، كما قدمناه، (عن اتباع الجنائز) والنهي للتحريم، ففي الحديث تحريم اتباع النساء الجنائز، كما يأتي في موضعه مفصلًا إن شاء الله تعالى، وفي الحديث دليل على وجوب الإحداد على المرأة الكبيرة الحرة سواء كانت مدخولًا بها أو غيرها، وسواء كانت بكرًا أو ثيبًا، أما الصغيرة الأمة؛ فلا إحداد عليها؛ وذلك لأنَّ الأحاديث الواردة في هذا الباب مطلقة؛ فتنصرف إلى الكامل، وهي البالغة الحرة، ولأن الصغيرة لا تحسن الإحداد، ولا يلزم أهلها أن يجنبوها ذلك، والأمة خارجة عن الإحداد؛ لأنَّ الأحاديث وقعت في الأحرار، وهي قرينة قوية على أنه لا إحداد عليهما؛ فالخطاب في وجوب الإحداد إنَّما كان لمعين وهو الحرة

[ص 349]

البالغة، هذا مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وأصحابه، والجمهور، وذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم: أن على الصغيرة والأمة الإحداد أيضًا، وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد والأمة إذا توفي عنها سيدها؛ لأنَّ الأحاديث إنَّما جاءت في الأزواج وهما ليسا بزوجة، ولا على الرجعية، لكن يستحب لها التزين والتطيب؛ ترغيبًا للزوج، كما صرح به في «الدر المنتقى» عن «السراجية» .

وفي المطلقة ثلاثًا قولان؛ فمذهب إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، وأصحابه، والحكم، وأبو ثور، وأبو عبيد؛ أن عليها الإحداد، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال الحسن بن حي، وسَعِيْد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وابن سيرين، والثوري، ومذهب مالك، والشافعي: لا إحداد عليها، وبه قال ربيعة، وعطاء، والليث، وابن المُنْذِر، ومذهب الحسن البصري: أنه لا يجب الإحداد على المطلقة ولا على المتوفى عنها زوجها، وهو شاذ، كما قاله أحمد ابن حنبل، وقال ابن عبد البر: (أجمع الناس على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها إلا الحسن، فإنه قال: ليس بواجب، واحتج بما رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر [3] بن أبي طالب؛ قال لي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «تسلي ثلاثًا، ثم اصنعي ما شئت» ) .

قال ابن المُنْذِر: (كان الحسن البصري من بين سائر أهل العلم لا يرى الإحداد على المطلقة ثلاثًا والمتوفى عنها زوجها، وقد بينت الأخبار عن النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بالإحداد، وليس الإحداد بلغته إلا التسليم، ولعل الحسن لم تبلغه أو بلغته، وتأولها بحديث أسماء بنت عميس: أنها استأذنت النبي عليه السلام أن تحد على جعفر وهي امرأته؛ فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن: «تطهري واكتحلي» ، وقد دفع هذا الحديث أهل العلم بوجوه؛ وكان إسحاق يقول: إن هذا الحديث شاذ، وكذا كان يقول أحمد ابن حنبل، فلا يؤخذ به) انتهى.

وفي قول النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا» دليل على أن الكتابية المتوفى عنها زوجها المسلم لا حداد عليها، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، وأبو ثور، وابن كنانة، وابن رافع، وهو رواية أشهب عن مالك، وروى عنه ابن القاسم: أن عليها الإحداد كالمُسْلِمَة، وبه قال الليث، والشافعي، وعامة أصحاب مالك، وصريح الحديث يرده؛ لأنَّه عليه السلام وصف المرأة بالإيمان، كما لا يخفى.

وفي قوله عليه السلام: «فوق ثلاث ... » إلخ دليل على تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث، وإباحة الإحداد عليهم ثلاثًا تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها.

وقال إمام الشارحين في «عمدة القاري» : فإن قلت: لم خص الأربعة الأشهر والعشر؟ قلت: لأنَّ غالب الحمل تتبين حركته في هذه، وأنث العشر؛ لأنَّه أراد بها الأيام بلياليها، وهو مذهب العلماء كافة إلا ما حكي عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي أنه أراد أربعة أشهر وعشر ليال، وأنها تحل في اليوم العاشر، وعند الجمهور: لا تحل حتى تدخل ليلة الحادي عشر، وهذا خرج على أحوال المعتدات أنها تعتد بالأشهر، أما إذا كانت حاملًا؛ فعدتها بالحمل، ويلزمها الإحداد في جميع المدة حتى تضع سواء قصرت المدة أم طالت، فإذا وضعت؛ فلا إحداد بعده، وقال بعض العلماء: لا يلزمها الإحداد بعد أربعة أشهر وعشرٍ وإن لم تضع الحمل) انتهى.

ثم قال: وفي الحديث دليل على تحريم الكحل سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في «الموطأ» وغيره عن أم سَلَمَة: «اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار» ، ووجه الجمع إذا لم تحتج إليه؛ لا يحل لها فعله، وإن احتاجت إليه؛ لم يجز بالنهار دون الليل، والأولى تركه؛ لحديث: (إن ابنتي اشتكت عينها أفتكحلها؟ قال: «لا» ) ؛ ولهذا إنَّ سالمًا وسليمان بن يسار قالا: [إنها] إذا خشيت على بصرها، إنها تكتحل وتتداوى به وإن كان مطيبًا، وهو مذهب الإمام الأعظم رضي الله عنه؛ لأنَّ الضرورات تبيح المحظورات، وبه قال مالك في غير مطيب، وقال صاحب «التوضيح» : (والمراد بالكحل: الأسود والأصفر، وأما الأبيض؛ فلا تحريم فيه عند أصحابنا؛ إذ لا زينة فيه، وحرمه بعضهم على الشعثاء حتى تتزين) انتهى، ثم قال: وفي الحديث دليل على تحريم الطيب، وهو ما حرم عليها في حال الإحرام سواء كان في ثوبها أو بدنها، وقال صاحب «التوضيح» : (يحرم عليها كل طعام فيه طيب) انتهى.

قلت: وفيه تحريم الخضاب بالحناء إلا لعذر، قال ابن المُنْذِر: (لا أعلم خلافًا أن الخضاب داخل في جملة الزينة المنهي عنها) .

وقال صاحب «عمدة القاري» : (وفي الحديث دليل على تحريم لبس الثياب المعصفرة) ، وقال ابن المُنْذِر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة والمصبوغة إلا ما صبغ بسواد؛ فرخص فيه عروة بن الزبير، والإمام الأعظم، ومالك، والشافعي، وكرهه الزُهْرِي.

قلت: وعلله أئمتنا الأعلام بأن الأسود لا يقصد به الزينة، وكذا الأزرق، وقال في «المحيط» : (والمراد بالثوب: ما كان جديدًا يقع به التزين، أما الثياب الخلقة؛ فلا بأس بلبسها؛ لأنَّه لا يقصد بها إلا ستر العورة، والأحكام تبنى على المقاصد) انتهى.

وفي «الدر المنتقى» : (ويحرم لبس المصبوغ بمفرة أو عصب) انتهى، هذا مذهب إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم، وبه قال الزُهْرِي؛ لما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عن عصب اليمن، وقال: (نبت يصبغ بالبول) ، وقال مالك: (لا يلبس رقيق عصب اليمن) ، ووسع في غليظه؛ لأنَّ رقيقه بمنزلة المصبغة.

لا يقال: هذا مخالف للحديث؛ لأنا نقول: إن الحديث محمول على ما لم يصبغ بالبول، على أن العصب الموجود في زمان الإمام الأعظم وغيره من التابعين لم يكن زمن النبي الأعظم عليه السلام، فلعله قد نسج بحرير، أو تغيرت ألوانه، أو غير ذلك، كما هو مبين في محله، والله أعلم؛ فافهم.

وقال ابن المُنْذِر: (ورخص كل من أحفظ عنه في لباس البياض) ، والأصح عند الشافعية: تحريم البرد مطلقًا رقيقًا أو غيره، وهذا الحديث حجة لمن أجازه وعلى من منعه، ومذهب الإمام الأعظم: أنه تحرم الزينة بأنواعها حليًّا كان، أو قصبًا، أو خزًّا، حريرًا غير أسود، قال شارح «الملتقى» : (ومنه الامتشاط بضيِّق الأسنان، فلا يحل؛ وذلك لعموم هذا الحديث، وروى ابن المواز عن مالك: أنها لا تلبس حليًّا وإن كان حديدًا، وكل لباس تلبسه المرأة على وجه التجمل يحرم على الحادِّ لبسه) ، وقال الشافعي: كل صبغ كان زينة؛ فلا تمسه الحادة غليظًا كان أو رقيقًا، وروي عنه: منع جيد البياض والرفيع من السواد، والحديث المذكور حجة عليه؛ لأنَّ البياض مباح، وإذا منعت من المصبغ؛ فلم يبق إلا البياض، ولأن الأسود لا يقصد التزين به؛ فهو ممنوع، كما لا يخفى.

وفي الحديث: دليل على الترخيص للحادة إذا اغتسلت من الحيض، وكذا النفاس التطيب؛ لإزالة الرائحة الكريهة؛ لأنَّ الدم له ريح، فرخص لها في التبخر بالطيب؛ لدفع رائحة الدم عنها؛ لما تستقبله من الصَّلاة ومجالسة الملائكة؛ لئلا تؤذيهم برائحة الدم، ولأن ذلك يكون أسرع إلى علوق الولد وتنشط البدن.

وفي الحديث: تحريم اتباع النساء الجنائز، وسيأتي الكلام عليه مفصلًا في بابه إن شاء الله تعالى، والله الكريم أسأل أن يفرج عنا وعن المسلمين.

[ص 350]

(قال أبو عبد الله) أي: المؤلف، كذا في رواية الأصيلي، وابن عساكر، وفي رواية: (قال) فقط، وسقط لفظ: (أبو عبد الله) (ورواه) أي: هذا الحديث المذكور، وفي رواية: (روى) ؛ بإسقاط الواو والهاء، وفي أخرى: (وروى) ؛ بالواو (هشام بن حسان) ؛ بالصرف وتركه؛ من الحس أو الحسن، كما سبق، وأشار به إلى أن الحديث موصول، ورواه في كتاب «الطلاق» موصولًا من حديث هشام المذكور على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، (عن حفصة) هي بنت سيرين، (عن أم عطية) كعب الغاسلة رضي الله عنها، (عن النبي) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) قال الكرماني: (وهو إما تعليق من البخاري، وإما مقول حمَّاد؛ فيكون مسندًا) .

ورده إمام الشارحين في «عمدة القاري» فقال: قلت: قوله: (إما تعليق) ؛ فظاهر، وأما قوله: (وإما مقول حمَّاد) ؛ فلا وجه له، وفي نسخة ذكر البخاري حديث هشام أولًا، وفي بعضها ذكره آخرًا، ورواه مسلم في «صحيحه» ، وفائدته: أن أم عطية أسندته إلى النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم صريحًا، وكذا هو في «سنن أبي داود» ، و «النسائي» ، و «ابن ماجه» من حديث هشام مسندًا، وقال البخاري في موضع آخر: توفي ابن لأم عطية، فلما كان يوم الثالث؛ دعت بصفرة فمسحت به، وقالت: (نهينا أن نحد أكثر من ثلاث إلا لزوج) ، وعند الطبراني: (وأمرنا ألَّا نلبس في الإحداد الثياب المصبغة إلا العصب، وأمرنا ألَّا نمس طيبًا إلا أدناه للطهرة؛ الكست والأظفار) ، وفي لفظ: (لا تختضب) ، وفي لفظ: (إلا ثوبًا مغسولًا) انتهى، والله أعلم.

[1] في الأصل: (الطفل) ، ولعله تحريف.

[2] في الأصل: (الحد) ، وهو تحريف.

[3] في الأصل: (علي) ، وليس بصحيح.

[1] في الأصل: (الطفل) ، ولعله تحريف.

[2] في الأصل: (الحد) ، وهو تحريف.

[1] في الأصل: (الطفل) ، ولعله تحريف.

[2] في الأصل: (الحد) ، وهو تحريف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت