[حديث حفصة: كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين]
324# وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية أبي ذر: (محمَّد بن سلام) ، وفي رواية كريمة: (محمَّد هو ابن سلَام) ؛ بتخفيف اللام، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري» ، والمراد به: البيكندي (قال: حدثنا) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية كريمة: (أخبرنا) (عبد الوهاب) ؛ هو الثقفي بالمثلثة، (عن أيُّوب) هو السختياني، (عن حفصة) هي بنت سيرين أم الهذيل الأنصارية البصرية أخت محمَّد بن سيرين أنها (قالت: كنا نمنع عواتقَنا) بالنصب مفعول (نمنع) ، وهذه الجملة في محل النصب؛ لأنَّها خبر (كنا) ، كذا قاله إمام الشارحين، ثم قال: (والعواتق جمع عاتق؛ بمعنى: شابة أول ما أدركت؛ فخدرت في بيت أهلها، ولم تفارق أهلها إلى زوج) ، وفي «الموعب» : قال أبو زيد: (العاتق من النساء: التي أدركت وبين التي قد عنست، والعاتق: التي لم تتزوج) ، وعن الأصمعي: (هي من الجواري فوق المعصر) ، وعن أبي حاتم: (هي التي لم تبن عن أهلها) ، وعن ثابت: (هي البكر التي لم تبن إلى الزوج) ، وعن ثعلب: (سميت عاتقًا؛ لأنَّها عتقت عن خدمة أبويها ولم يملكها زوج بعد) ، وفي «المخصص» : (التي أوشكت البلوغ) ، وقال الأزهري: هي الجارية التي قد أدركت وبلغت ولم تتزوج، وقيل: هي التي بلغت أن تدرع، وعتقت من الصبا [1] والاستعانة بها في مهنة أهلها) انتهى.
(أن يخرجن) أي: من أن يخرجن، و (أن) مصدرية؛ أي: من خروجهن (في العيدين) الأضحى والفطر إلى المصلى، (فقدِمت) ؛ بكسر الدال المهملة المخففة (امرأة) قال إمام الشارحين: (لم أقف على اسمها) (فنزلت قصر بني خلف) كان بالبصرة، منسوب إلى طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي المعروف بـ (طلحة الطلحات) ، كذا زعمه ابن حجر.
ورده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: ليس منسوبًا إلى طلحة، بل هو منسوب إلى خلف جد طلحة المذكور، وكذا جاء مبينًا في رواية) انتهى.
(فحدثت عن أختها) قيل: هي أخت أم عطية، وقيل: غيرها، ونص القرطبي على أنها أم عطية، قاله إمام الشارحين (وكان زوج أختها) قال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» : (لم أقف على اسمه) ؛ فافهم، (غزا مع النبي) الأعظم، وللأَصيلي: (مع رسول الله) (صلَّى الله عليه وسلَّم ثنْتي) ؛ بسكون النون، وقيل: بكسرها (عشرة غزوة) كذا في رواية الأَصيلي، وفي رواية غيره بإسقاط لفظ (غزوة) فقط: (وكانت أختي) أي: قالت المرأة المحدثة: (كانت أختي) ، ولا بد من تقدير قالت حتى يصح المعنى، وتقدير القول في الكلام غير عزيز؛ فافهم، (معه) أي: مع زوجها أو مع النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (في ست) أي: في ست غزوات، وروى الطبراني: أنها غزت معه سبعًا، كذا في «عمدة القاري» ، (قالت) ؛ أي: الأخت لا المرأة (كنا) وإنما قالت: (كنا) بلفظ الجمع؛
[ص 367]
لبيان فائدة حضور النساء الغزوات على سبيل العموم، قاله إمام الشارحين (نداوي) ؛ بضمِّ النون، من المداواة (الكَلْمَى) بفتح الكاف، وسكون اللام، وفتح الميم، جمع كليم، وهو على القياس؛ لأنَّه فعيل بمعنى: مفعول، والمراد به: الجرحى، وقال ابن سيده: جمع كليم كلوم، وكلام، وكلمة، وتكلمة، وتكلمة من باب (نصر ينصر) ، و (ضرب يضرب) ، وكلمًا؛ بالفتح مصدره، وكلمه جرحه، ورجل مكلوم وكليم)، وفي «الصحاح» : (التكليم: التجريح) ، قاله في «عمدة القاري» ، وقوله: (ونقوم على المَرْضى) بفتح الميم، وسكون الراء محمول عليه؛ لأنَّ الكلمى هو: المرضى، إلا أن يقال: الكلمى: الجرحى، والمرضى: من به مرض غير الجراحة؛ فليحفظ
يدل لما قلنا قولها في الأول: (نداوي) ، وفي الثاني: (نقوم) ، فدل على المغايرة؛ فافهم.
(فسألتْ) بتاء التأنيث (أختي النبي) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) عن عدم تسترهن بحضرة الكلمى والمرضى حيث يتعاهدنهم، فقالت له: (أعلى إحدانا) الهمزة فيه للاستفهام (بأس) أي: حرج وإثم بفعلنا ذلك (إذا) وللأصيلي: (إن) (لم يكن لها جِلْباب؟) ؛ بكسر الجيم، وسكون اللام، وبموحدتين بينهما ألف؛ وهو خمار واسع كالملحفة تغطي به المرأة رأسها وصدرها، وتجلبت المرأة وجلببها غيرها، ولم يدغم؛ لأنَّه ملحق، وفي «المحكم» : (الجلباب: القميص، وقيل: ثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة، وقيل: ما يغطى به الثياب من فوق كالملحفة) ، وفي «الصحاح» : (الجلباب: الملحفة، والمصدر: الجلبية، ولم يدغم؛ لأنَّها ملحقة بدحرجة) ، وفي «الغريبين» : (الجلباب: الإزار، وقيل: هي الملاءة التي تشتمل بها) ، وقال القاضي عياض: (هي أقصر من الخمار وأعرض، وهي المقنعة، وقيل: هي الرداء تغطي به المرأة ظهرها وصدرها) ، كذا قاله في «عمدة القاري» ، (ألَّا تخرج) ؛ أي: ليلًا تخرج، و (أن) مصدرية؛ أي: لعدم خروجها إلى المصلى للعيد (قال) أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم لها: (لتلبسْها) ؛ بجزم السين المهملة، وقوله: (صاحبتُها) ؛ بالرفع فاعله، وفي رواية: (فتلبسُها) ؛ برفع السين المهملة، وبالفاء بدل اللام (من جلبابها) أي: تعيرها من ثيابها ما لا تحتاج إليه، وقيل: تشركها معها في لبس الثوب الذي عليها، وهذا مبني على أن يكون الثوب واسعًا حتى يسع فيه اثنان، وفيه نظر كما ما سيأتي في باب (إذا لم يكن لها جلباب في العيدين) ، وقيل: هو مبالغة؛ ومعناه: يخرجن ولو كانت ثنتان في ثوب واحد، كذا قاله إمام الشارحين.
قلت: والأظهر الثاني؛ يعني: أنَّه على سبيل المبالغة؛ لأجل الجزر، ولئلا يتحيلن في عدم الجلباب، وهو أقرب إلى الصواب، والله أعلم.
(ولتشهد الخير) أي: ولتحضر مجالس الخير؛ كسماع الحديث، والعلم، وعيادة المريض، ونحو ذلك، (ودعوة المسلمين) كلام إضافي منصوب عطفًا على (الخير) ، وذلك كالاجتماع لصلاة الاستسقاء، وفي رواية الكشميهني: (ودعوة المؤمنين) ، قالت حفصة: (فلما قدِمت) بكسر الدال المهملة المخففة (أم عطية) واختلف في اسمها فقيل: نُسيبة؛ بضمِّ النون، وقيل: بفتح النون، وكسر السين المهملة، كذا زعمه الخطيب، وزعم القشيري: أنها بنون، وشين معجمة، وزعم ابن الجوزي أنها لُسَيْنَة؛ بلام مضمومة، وسين مهملة مفتوحة، وتحتية ساكنة، ونون مفتوحة، واختلف أيضًا في اسم أبيها فقيل: الحارث، وقيل: كعب؛ (سألتها) أي: سألت حفصة أم عطية: (أسمعت النبيَّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) الهمزة فيه للاستفهام؛ وتقديره: هل سمعت النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم يقول المذكور؟ والمفعول الثاني محذوف، وقد قدمنا أن النحاة اختلفوا في (سمعت) هل يتعدى إلى مفعولين؟ على قولين؛ فالمانعون يجعلون الثاني حالًا، كذا في «عمدة القاري» (قالت) ؛ أي: أم عطية (بأبِيْ) ؛ بموحدة بعدها همزة، ثم موحدة مكسورة، ثم تحتية ساكنة، هذه الرواية المشهورة، وفي رواية الكشميهني: (بيبي [2] ) ؛ بقلب الهمزة ياء تحتية، وفي رواية الأصيلي: (بأبا) ؛ بفتح الموحدة، وإبدال ياء المتكلم ألفًا، وفي رواية: (بيبا) ؛ بقلب الهمزة ياء، وفتح الموحدة، قال إمام الشارحين بعد ذكر اللغات الأربع قلت: الباء في (بأبي) متعلقة بمحذوف؛ تقديره: أنت مفدى بأبي، فيكون المحذوف اسمًا، وما بعده في محل الرفع على الخبرية، ويجوز أن يكون المحذوف فعلًا؛ فعلى تقديره يكون المحذوف فديتك، ويكون ما بعده في محل النصب، وهذا المحذوف حذف؛ طلبًا للتخفيف؛ لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب به، واللغتان الأولتان فصيحتان، وأصل بابا: بأبي هو، ويقال: بأبأت [3] الصبي؛ إذا قلت له: بأبي أنت وأمي؛ فلما سكنت الياء؛ قلبت ألفًا، وفي رواية الطبراني: (بأبي هو وأمي) انتهى.
(نعم) أي: سمعته يقول المذكور، (وكانت) أي: أم عطية (لا تذكره) أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (إلا قالت: بأبي) أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم مفدى بأبي أو أنت مَفْديٌّ بأبي، ويحتمل أن يكون قسمًا؛ أي: أقسم بأبي، لكن الوجه الأول [4] أقرب إلى السياق، وأظهر، وأولى، قاله في «عمدة القاري» ، (سمعته يقول) ؛ فالجملة إما مفعول ثان، أو حال على اختلاف القولين، قال إمام الشارحين: وهذا ليس من تتمة المستثنى؛ لأنَّ الحصر هو في قوله: (بأبي) فقط بقرينة ما تقدم من قولها: (بأبي، نعم) انتهى.
(تخرج) أي: لتخرج (العواتق) وهذا خبر متضمن للأمر؛ لأنَّ إخبار الشارع عن الحكم الشرعي متضمن للطلب، لكنه هنا للندب لدليل آخر، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، (وذوات) فيه ثلاث روايات؛ الأولى: بواو العطف، والثانية: بلا واو، ويكون صفة للـ (العواتق) ، والثالثة: (ذات) ؛ بالإفراد، فالأولى: رواية الحمُّوي وكريمة، والثانية: أبي ذر عن الكشميهني، والثالثة: رواية الأصيلي، (الخُدور) بضمِّ الخاء المعجمة، والدال المهملة، جمع خِدْر بكسر الخاء، وسكون الدال؛ وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه، وقال ابن سيده: الخدر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت، ثم صار كلما واراك [5] من البيت ونحوه خدر، والجمع خدور، وأخدار، وأخادير جمع الجمع، والخدر: خشبات تنصب فوق قتب البعير مستورة بثوب، وهودج مخدور، ومخدَّر [6] ، وخدر، وقد أخدر الجارية، وخدرها، وتخدرت هي، واختدرت، وفي «المخصص» : الخدر: ثوب يمد في عرض الخباء، فتكون فيه الجارية البكر، وقيل: هو هودج، وقال ابن قرقول: سرير عليه ستر، وقيل: الخدر: البيت، كذا قرره إمام الشارحين، _ (أو العواتق ذوات الخدور) على الشك_ وأكثر النسخ بإسقاط الشك، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني، والأصيلي: (ذات الخدر) بغير واو فيهما؛ والمعنى: لتخرج الأبكار الشابة أصحاب التستر (والحُيَّض) بضمِّ الحاء المهملة، وتشديد المثناة التحتية، جمع حائض، وهو معطوف على (العواتق) ، (وليشهدن) وفي رواية ابن عساكر: (ويشهدن) (المخير) أي: مجالس الخير؛ كمجلس وعظ ونحوه، قال في «عمدة القاري» : (وليشهدن) عطف على قوله: (يخرج العواتق) .
فإن قلت: كيف يعطف الأمر على الخبر؟
قلت: الخبر من الشارع من الأحكام الشرعية محمول على الطلب، فمعناه: لتخرج العواتق وليشهدن) انتهى.
(ودعوة المسلمين) وفي رواية: (ودعوة المؤمنين) كالاجتماع لصلاة الاستسقاء ونحوه، (ويعتزلن) بلفظ الجمع على لغة (أكلوني البراغيث) ، وفي رواية: (يعتزل) ؛ بالإفراد (الحُيَّض) بضمِّ المهملة، وتشديد التحتية، جمع حائض (المصلى) ؛ أي: مكان الصَّلاة، وهو المساجد؛ فإنهن
[ص 368]
يمنعن من دخولها؛ كالجنب والنفساء، (قالت حفصة) ؛ أي: الراوية (فقلت) أي: لأم عطية: (آلحيض؟!) بهمزة ممدودة على الاستفهام التعجبي من إخبارها بشهود الحيض، (فقالت) ؛ أي: أم عطية: (أليس) ؛ بهمزة الاستفهام (تشهد) أي: الحيض، واسم (ليس) ضمير الشأن، وفي رواية الكشميهني: (أليستْ تشهد) ؛ بالتاء التأنيث في (ليس) ، وفي رواية الأصيلي: (ألسن يشهدن) ؛ بنون الجمع في (ألسن) مع همزة الاستفهام (عرفة) فيه الظرف محذوف؛ أي: يوم عرفة في عرفات، (وكذا) أي: نحو منًى والمزدلفة، (وكذا) ؛ أي: نحو صلاة الاستسقاء وغيرها؟
ففيه دليل: على أن الحائض لا تهجر ذكر الله عز وجل.
وفيه دليل: على جواز استعارة الثياب للخروج إلى طاعة الله عز وجل.
وفيه غزو النساء، ومداواة الجرحى وإن كنَّ غير ذي محارم منها.
وفيه دليل: على قبول خبر المرأة.
وفي قوله: (كنا نداوي) جواز فعل الأعمال التي كانت في زمن النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وإن كان لم يجز شيئًا من ذلك.
وفيه دليل: على جواز النقل عمن لا يعرف اسمه من الصحابة خاصة وغيرهم إذا بين مسألة ودل عليه.
وفيه دليل: على امتناع خروج النساء بدون الجلابيب.
وفيه جواز تكرار يأتي في الكلام.
وفيه جواز السؤال بعد رواية العدل عن غيره؛ تقوية لذلك.
وفيه جواز شهود الحائض عرفة.
وفيه دليل على وجوب صلاة العيدين، وزعم القرطبي أنه لا يستدل بذلك على الوجوب؛ لأنَّ هذا إنَّما توجه لمن ليس بمكلف بالصَّلاة باتفاق، وإنما المقصود والندب على الصَّلاة والمشاركة في الخير، وإظهار كمال الإسلام، وزعم القشيري أن أهل الإسلام إذ ذاك كانوا قليلين) انتهى.
قلت: وهذا غير صحيح؛ فإن في الحديث دليل واضح: على وجوب صلاة العيدين؛ لأنَّ قوله: (وليشهدن الخير ودعوة المسلمين) أمر من الشارع، وهو وإن كان محمولًا على الندب بدليل آخر إلا أنه هنا المراد به: الطلب في الشهود، وهو يقتضي الوجوب؛ لأنَّه أمر من الشارع، فإذا كان شهود الحائض التي هي غير مكلفة وقتئذٍ مطلوبًا؛ فكيف بالمكلف الطاهر؟ فيجب عليه ذلك وهو دليل الوجوب؛ لا سيما وقد واظب على صلاة العيدين النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ومن بعده كالخلفاء الراشدين وغيرهم؛ والمواظبة دليل الوجوب قطعًا، فكان كالإجماع على وجوبها، وسوف يأتي تمامه في محله إن شاء الله تعالى.
وقال الخطابي: (فيه دليل على أنهن يشهدن مواطن الخير ومجالس العلم، خلا أنهن لا يدخلن المساجد) .
قلت: فيه نظر؛ فإن مصلى العيدين مسجد، وقد أبيح لهن دخوله؛ فافهم.
وقال ابن بطال: (فيه جواز خروج النساء الطاهرات والحُيض إلى العيدين، وشهود الجماعات، وتعتزل الحُيض المصلى، ولكن فيمن تدعو وتؤمن رجاء بركة المشهد الكريم) ، وقال القاضي عياض: وقد اختلف السلف في خروجهن؛ فرأى جماعة ذلك حقًّا؛ منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر، وآخرون [7] رضي الله عنهم، ومنعهن جماعة؛ منهم: عروة، والقاسم، ويحيى بن سَعِيْد الأنصاري، ومالك، والإمام أبو يوسف، وأما الإمام الأعظم؛ فأجازه مرة، ومنعه مرة أخرى، وفي «الترمذي» : (وروي عن ابن المبارك: أكره اليوم خروجهن في العيدين، فإن أبت المرأة إلا تخرج؛ فلتخرج في أطهارها بغير زينة، فإن أبت ذلك؛ فللزوج أن يمنعها) ، ويروى عن الثوري: أنه كره اليوم خروجهن.
قال إمام الشارحين: (قلت: اليوم الفتوى على المنع مطلقًا، ولا سيما في الديار المصرية) انتهى.
قلت: ولا سيما في ديارنا الشامية، بل المنع لهن كان واجبًا، وقوله: (مطلقًا) يعني: في جميع الصلوات ولو كانت عجوزًا ولو كانت غير متزينة، كيف ما كانت؛ لفساد الزمان؛ فإن المعاصي قد تجاهروا بفعلها، والأعمال الصالحات قد تركوا العمل بها، فالفساق في الأسواق كثير، لا سيما بالمساجد العظام، ولا أحد ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف؛ فالمنع واجب، ولا يخفى أن هذا اختلاف زمان لا حجة وبرهان.
وقال النووي: (قال أصحابنا _يعني: الشافعية_: يستحب إخراج النساء في العيدين غير ذوات الهيئات والمستحسنات، وأجابوا عن هذا الحديث: بأن المفسدة في ذلك الزمن كانت مأمونة، بخلاف اليوم، وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:(لو رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما أحدث النساء بعده؛ لمنعهنَّ المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل) انتهى.
قلت: فقد اعترف بأنه اختلاف زمان، وعليه؛ فالمنع واجب وهو اتفاق؛ فافهم، وفيه اعتزال الحُيض من المصلى، واختلفوا فيه؛ فقال الجمهور: هو منع تنزيه، وسببه: الصيانة والاحتراز عن مقارنة النساء للرجال من غير حاجة ولا صلاة، وإنما لم يحرم؛ لأنَّه ليس بمسجد [8] ، كذا قاله إمام الشارحين.
وزعم ابن حجر أنه يحرم المكث في المصلى عليها، كما يحرم مكثها في المسجد؛ لأنَّه موضع الصَّلاة؛ فأشبه المسجد، قال صاحب «عمدة القاري» : (والصواب الأول) .
قلت: ووجهه أن المصلى حكمه حكم الصحراء؛ بدليل: أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم كان يصلي العيدين في الصحراء، وأصحابه بعده كذلك، فاتخذ المصلى؛ صيانة لحرمة الصَّلاة.
وقول هذا القائل: (يحرم ... ) إلخ ممنوع؛ فلا وجه للحرمة في ذلك، ولا دليل يدل عليها، ولا بدَّ لها من دليل قطعي ولم يوجد؛ فلا يحرم عليها المكث في المصلى، ومثلها الجنب والنفساء، وقوله: (لأنَّه موضع الصَّلاة) ممنوع؛ فإن الصحراء موضع الصَّلاة، ولم يسع أحدًا أن يقول بحرمة مكثها فيها، وقوله: (فأشبه المسجد) ممنوع أيضًا، كما لا يخفى؛ فإن المشبه لا يعطى له حكم المشبه به من كل وجه، وكيف خفي هذا على هذا القائل؟ فإن المصلى قد أشبه المسجد في الاجتماع للصلاة، والصَّلاة فيه لا في حرمة دخول الحائض والجنب؛ فإن ذلك مباح لهما، وحديث الباب محمول على المنع التنزيهي [9] بسبب المخالطة، كما قدمناه؛ فافهم.
وقال الكرماني: (فإن قلت: الأمر بالاعتزال للوجوب؛ فهل الشهود والخروج أيضًا واجبان؟ قلت: ظاهر الأمر الوجوب، لكن علم من موضع آخر أنه ههنا للندب) انتهى.
واعترضه ابن حجر فزعم أن الكرماني قد أغرب حيث قال: الاعتزال واجب، والخروج مندوب.
ورده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: لم يقل الكرماني بوجوب الاعتزال وندبية الخروج من هذا الموضع خاصة حتى يكون مغربًا، وإنما صرح بقوله: إن الأمر بالاعتزال للوجوب، وأما ندبية الخروج؛ فمن موضع آخر) انتهى.
قلت: فإن دأب ابن حجر الاعتراض على الشراح وإن كان غير صواب حتى يقال وقد قيل: ولا ريب أن ذلك من طول اللسان وكثرة الرياء المحبط للأعمال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ فافهم.
[ص 369]
[1] في الأصل: (الصباء) .
[2] في الأصل: (بيني) ، وهو تحريف.
[3] في الأصل: (بأبات) ، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (أول) ، وليس بصحيح.
[5] في الأصل: (ورك) ، وهو تحريف.
[6] في الأصل: (محذور ومحدرز) ، والمثبت موافق لما في «المحكم» .
[7] في الأصل: (وآخرين) ، ليس بصحيح.
[8] في الأصل: (مسجد) ، وهو تحريف.
[9] في الأصل: (الننزيه) ، وليس بصحيح.
[1] في الأصل: (الصباء) .
[2] في الأصل: (بيني) ، وهو تحريف.
[3] في الأصل: (بأبات) ، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (أول) ، وليس بصحيح.
[5] في الأصل: (ورك) ، وهو تحريف.
[6] في الأصل: (محذور ومحدرز) ، والمثبت موافق لما في «المحكم» .
[7] في الأصل: (وآخرين) ، ليس بصحيح.
[8] في الأصل: (مسجد) ، وهو تحريف.
[1] في الأصل: (الصباء) .
[2] في الأصل: (بيني) ، وهو تحريف.
[3] في الأصل: (بأبات) ، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (أول) ، وليس بصحيح.
[5] في الأصل: (ورك) ، وهو تحريف.
[6] في الأصل: (محذور ومحدرز) ، والمثبت موافق لما في «المحكم» .
[7] في الأصل: (وآخرين) ، ليس بصحيح.
[8] في الأصل: (مسجد) ، وهو تحريف.