[حديث: كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئًا]
326# وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدَّثنا قُتَيبة بن سَعِيْد) بضمِّ القاف، وفتح الفوقية (قال: حدَّثنا إسماعيل) هو ابن أبي عليَّة، بضمِّ العين المهملة، (عن أيُّوب) هو السختياني، (عن محمَّد) هو ابن سيرين، (عن أم عطيَّة) وهي نسيبة، وقيل: نشيبة، وقيل: لسينة، كما تقدَّم قريبًا، ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه رواية راوي من رأى أنس بن مالك عن الصحابيَّة، وفيه أنَّه موقوف، كذا قاله ابن عساكر، ولكنَّ قولها: (كنَّا) يعني: في زمن النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ أي: مع علمه بذلك، وتقديره: إيَّاهن، وهذا في حكم المرفوع، كذا قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» ؛ فليحفظ.
(قالت) وهو ساقط في رواية أبي ذرٍّ (كنَّا) أي: نساء الصحابة في زمن النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم مع علمه بذلك، وتقريره: (لا نعدُّ الكُدْرَة) بضمِّ الكاف، وسكون الدال المهملة، (والصُّفْرة) بضمِّ الصاد المهملة، وسكون الفاء (شيئًا) أي: شيئًا معتدًّا به؛ يعني: أنَّ
[ص 374]
الكدرة والصفرة لا تكون حيضًا إذا كانت في غير أيام الحيض، وهذا هو المراد من الحديث، ويوضِّحه رواية أبي داود، عن أمِّ عطيَّة وكانت بايعت النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قالت: (كنَّا لا نعدُّ الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا) ، وعلى هذا؛ ترجم البخاري، وصحَّحه الحاكم.
وعند الإسماعيلي: (كنَّا لا نعد الصفرة والكدرة شيئًا في الحيض) .
وعند الدارقطني: (كنَّا لا نرى التربيَّة بعد الطهر شيئًا؛ وهي الصفرة والكدرة) .
وروى ابن بطَّال من رواية حمَّاد بن سَلَمَة، عن قتادة، عن حفصة قالت: (كنَّا لا نرى التربيَّة بعد الغسل شيئًا) .
قال الكرماني: فإن قلت: قد روي عن عائشة: (كنَّا نعدُّ الصفرة والكدرة حيضًا) ، فما وجه الجمع بينهما؟
قلت: هذا في وقت الحيض، وذلك في غير وقته)، وردَّه إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه ابن حزم بسند واهٍ؛ لأجل أبي بكر النهشلي الكذَّاب، ووقع في «وسيط الغزالي» ذكره له من حديث زينب، ولا تعرف، وروى البيهقي حديث عائشة أنَّها قالت:(ما كنَّا نعد الكدرة والصفرة شيئًا ونحن مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) قال: وسنده ضعيف لا يسوَّى ذكره، قال: وقد روي معناه عن عائشة بسند أمثل من هذا وهو أنَّها قالت: (إذا رأت المرأة الدَّم؛ فلتمسك عن الصَّلاة حتى تراه أبيض؛ كالفضَّة، فإذا رأت ذلك؛ فلتغتسل ولتصلِّي، فإذا رأت صفرة أو كدرة؛ فلتتوضَّأ ولتصلِّي، فإذا رأت ماءً أحمر؛ فلتغتسل ولتصلِّي) انتهى.
قلت: ومراد إمام الشارحين بهذه الروايات وسردها: الردُّ على ما زعمه الكرماني، فإنَّه إذا كان حديث عائشة واهٍ شديد الضَّعف؛ لا يقاوم حديث الباب، وإذا كان كذلك؛ لا يلزم ذكر وجه الجمع بينهما؛ لأنَّه إنَّما يذكر وجه الجمع بين الحديثين إذا كانا في رتبة واحدة، وذلك كونهما في الصحة سواء، فيحصل بينهما التعارض؛ فيحتاج لذكر وجه الجمع بينهما، أمَّا إذا كان الحديث صحيحًا، وحديث يخالفه ضعيف كما هنا؛ فلا يحتاج لذلك؛ لأنَّ من المعلوم أنَّ الصحيح لا يقاوم الضعيف، كما لا يخفى.
وذهب جمهور العلماء في معنى الحديث إلى ما ذهب إليه المؤلِّف في ترجمته، فقال أكثرهم: الصفرة والكدرة حيض إذا كانت في أيام الحيض خاصة، وبعد أيام الحيض؛ ليس بشيء؛ وهو مذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين وأصحابه، وهو مرويٌّ عن عليِّ بن أبي طالب، وبه قال سَعِيْد بن المسيِّب، وعطاء، والحسن، وابن سيرين، وربيعة، والثَّوري، والأوزاعي، واللَّيث، والشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال الإمام أبو يوسف: ليس قبل الحيض حيض، وفي آخر الحيض حيض، وهو قول أبي ثور.
وقال مالك: (حيض في أيَّام الحيض وغيرها) .
قال ابن بطَّال: (وأظنُّ [1] أنَّ حديث أمُّ عطية لم يبلغه) انتهى.
قلت: فحديث أمِّ عطيَّة حجَّة على مالك؛ لأنَّه نصٌّ في الباب، وما زعمه مالك مخالف للنص، والحقُّ أحقُّ أن يتَّبع.
وقال إمام الشارحين: وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الطهارة عن مسدَّد، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن زرارة، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمَّد بن يحيى، عن عبد الرزَّاق، عن معمر، عن أيُّوب به، وقال المزِّي: (رواه وهيب، عن أيُّوب، عن حفصة، عن أمِّ عطية) ، قال محمَّد بن يحيى: (خبر وهيب أولاهما عندنا) .
واعترضه صاحب «عمدة القاري» ؛ حيث قال: قلت: ما ذهب إليه البخاري من تصحيح رواية إسماعيل أرجح لمتابعة معمر له، عن أيُّوب، ولأنَّ إسماعيل أحفظ لحديث أيُّوب من غيره، ويجوز ان يكون أيُّوب قد سمعه من محمَّد، ومن حفصة) انتهى، والله تعالى أعلم.
[1] في الأصل: (وأظنه) .