[حديث ميمونة: أنها كانت تكون حائضًا لا تصلي وهي مفترشة]
333# وبالسَّند إليه قال: (حدثنا الحَسين) بفتح الحاء المهملة (بن مُدرك) ؛ بضمِّ الميم، من الإدراك أبو علي السدوسي الحافظ الطحان البصري (قال: حدثنا يحيى بن حمَّاد) هو الشيباني ختن أبي عوانة المتوفى سنة خمس عشرة ومئتين (قال: أخبرنا أبو عَوانة) بفتح العين المهملة، هو الوضاح اليشكري (من كتابه) قيَّد بذلك؛ إشارة إلى تقوية ما روي عنه، قال أحمد ابن حنبل: (إذا حدث أبو عوانة من كتابه؛ فهو أثبت، وإذا حدث من غير كتابه؛ ربَّما وهم) ، وقال أبو زرعة: (أبو عوانة ثقة إذا حدث من الكتاب) ، وقال ابن مهدي: (كتاب أبي عوانة أثبت من هشيم) ، (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (سليمان الشيباني) هو ابن أبي سليمان فيروز أبو إسحاق الشيباني، (عن عبد الله بن شدَّاد) بالشين المعجمة، ودالين، هو ابن الهاد (قال: سمعت خالتي مَيْمُونة) بفتح الميم الأولى، وضمِّ الثانية، بينهما تحتية ساكنة، هي بنت الحارث (زوج النبي) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) فهي خالة عبد الله بن شدَّاد؛ لأنَّ أمَّه سلمى بنت أبي عميس أخت ميمونة لأمِّها: (أنها) أي: ميمونة (كانت تكون) فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون أحد لفظي الكون زائدًا، كما في قوله:
وجيران لنا كرام
فلفظ: (كانوا) زائدًا، و (كرام) ؛ بالجر صفة لـ: (جيران) .
الثاني: أن يكون في (كانت) ضمير القصة، وهو اسمها وخبرها.
والثالث: أن يكون لفظ (يكون) بمعنى: يصير في محل نصب على أنها اسم (كانت) ، ويكون الضمير في (كانت) راجعًا إلى ميمونة، وهو اسمها.
وقوله: (حائضًا) في محل النصب خبر (يكون) التي بمعنى: تصير، وقوله: (لا تصلي) جملة مؤكِّدة لقوله: (حائضًا) ، كذا أعربه إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» ، وأعرب الكرماني (لا تصلي) صفة لـ (حائضًا) في وجه، وفي وجه إعرابه حالًا، وأعرب (لا تصلي) خبرًا لـ (كانت) ، قال إمام الشارحين: (وهو خلاف التحقيق، والتحقيق ما ذكرناه) (وهي مفترشة) جملة اسمية وقعت حالًا، يقال: افترش الشيء: انبسط، وافترش ذراعيه: بسطهما على الأرض (بحِذاء) ؛ بكسر الحاء المهملة، وبالمد بمعنى: وراءه (مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) أي: موضع سجوده من بيته، وليس المراد منه: المسجد المعروف المعهود، قاله إمام الشارحين، وكذا غيره من الشراح، وتعقبهم صاحب «المصابيح» بأنَّ المنقول عن سيبويه أنَّه إذا أريد موضع السجود؛ قيل: مسجَد؛ بالفتح فقط (وهو يصلي) جملة حالية (على خُمْرته) ؛ بضمِّ الخاء المعجمة، وسكون الميم، وهي سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل تنسج بالخيوط سميت بذلك؛ لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها، وإذا كانت كبيرة؛ سميت حصيرًا، (إذا سجد؛ أصابني بعض ثوبه) جملة من الفعل والفاعل والمفعول محلها النصب على الحال، وقد عُلِمَ أنَّ الجملة الفعلية الماضية المثبتة إذا وقعت حالًا؛ تكون بلا واو؛ فافهم.
وزعم القسطلاني أنَّ هذا حكاية لفظها، وإلا فالأصل أن تقول: أصابها الثوب.
قلت: وفيه نظر لا يخفى، ولم يذكر ترجمة لهذا الحديث؛ لأنَّه ذكر قوله: (باب) كذا مجردًا؛ لأنَّه بمعنى: فعل؛ لا يحتاج إلى ذكر شيء، وأمَّا على الرواية التي يذكر فيها لفظ (باب) ؛ فوجهه ما ذكرناه الآن، كذا قاله
[ص 381]
إمام الشارحين، ثم قال: (وفي الحديث دليل على أنَّ الحائض ليست بنجسة؛ لأنَّها لو كانت نجسة؛ لما وقع ثوبه عليه السلام على ميمونة وهو يصلي، وكذلك النفساء) انتهى.
قلت: يعني: أنَّه عليه السلام لم يأمرها بالتأخر عنه وأقرَّها على ذلك، وفيه دليل: على أن الحائض إذا قربت من المصلِّي؛ لا يضر ذلك صلاته، وفيه جواز ترك الحائض الصَّلاة، وجواز الافتراش بحذاء المصلي، وجواز الصَّلاة على الشيء المتخذ من سعف النخل سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، بل هذا أقرب إلى التواضع والمسكنة، بخلاف صلاة المتكبرين على سجاجيد مثمنة مختلفة الألوان والقماش، ومنهم من ينسج له سجادة من حرير، والصَّلاة عليها مكروهة وإن كان دوس الحرير جائزًا؛ لأنَّ فيه زيادة كبر وطغيان، كذا قاله إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» .
قلت: وقال أئمتنا الأعلام: والأفضل الصَّلاة على الأرض، ثم على ما تنبته الأرض، وإنَّما يصلي على السجادة إذا كانت الأرض حارة أو باردة، فما يفعله المتعصبون من الشافعية من حمل السجادة إلى المسجد يمرون بها في الأسواق، وهي على أكتافهم حتى يأتون المسجد فيفرشوها؛ لأجل الصَّلاة، وتارة يقعدون، وتارة يذهبون للوضوء؛ غير مطلوب، بل هو مذموم شرعًا؛ لأنَّ فيه إظهار الكبر والعجب مع ما فيه من التعصب البارد والوسوسة والرياء والسمعة، وكل ذلك خارج عن الشرع، وأيضًا يمنعون الناس من الصَّلاة موضع السجادة، والله تعالى الموفق بمنه وكرمه، آمين.