فهرس الكتاب

الصفحة 577 من 860

[حديث: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي]

335# وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمَّد بن سِنَان) بكسر السين المهملة، وتخفيف النون، زاد الأصيلي: (وهو العَوَقِي) ؛ بفتح العين المهملة، والواو، وكسر القاف، البصري الباهلي، (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (هُشَيْم) بضمِّ الهاء، وفتح الشين المعجمة، وسكون التحتية، هو ابن بَشِير _بفتح الموحدة، وكسر الشين المعجمة_ أبو معاوية الواسطي، المتوفى سنة ثلاث وثمانين ومئة ببغداد، قال ابن عوف: (مكث هشيم يصلي الفجر بوضوء العشاء الآخرة قبل أن يموت بعشر سنين)

(ح) مهملة، إشارة إلى التحويل من إسناد إلى إسناد: (وحدثني) بالإفراد، وللأصيلي: (وحدثنا) (سَعِيْد) بكسر العين المهملة (بن النَّضْر) بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، هو أبو عثمان البغدادي، مات بأصل جيحون، سنة أربع وثلاثين ومئتين (قال: أخبرنا هشيم) ؛ بالتصغير، هو المذكور، فالبخاري يروي عن هشيم بواسطة شيخين؛ أحدهما: محمَّد بن سنان، والآخر: سَعِيْد بن النضر (قال: أخبرنا سَيَّار) بفتح السين المهملة، وتشديد المثناة التحتية، آخره راء، هو ابن أبي سيار وردان أبو الحكَم _بفتح الكاف_ الواسطي، وهو متفق على توثيقه، وقد أدرك بعض الصحابة، لكن لم يلق أحدًا منهم، فهو من كبار أتباع التابعين روى عنه: الأئمَّة الستة، ولهم شيخ آخر يقال له: سيار، لكنه تابعي شامي، أخرج له الترمذي، وروى معنى الحديث عن أبي أمامة، وتمامه في «عمدة القاري» ، مات بواسط سنة اثنتين [1] وعشرين ومئتين (قال: حدثنا يزيد) من الزيادة، زاد في رواية: (هو ابن صهيب) ؛ بالتصغير، والتخفيف (الفقير) ضد الغني، أبو عثمان الكوفي أحد مشايخ الإمام الأعظم رئيس المجتهدين رضي الله عنه، وإنَّما قيل له الفقير؛ لأنَّه كان يشكو فقار ظهره، ويقال له: فقِّير؛ بالتشديد أيضًا (قال: أخبرنا) وفي رواية: (حدثنا) (جابر بن عبد الله) هو الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه: (أن النبيَّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم قال) أي: في عام غزوة تبوك، كما رواه أحمد ابن حنبل، وسيأتي: (أُعطيت) بضمِّ الهمزة مبني للمفعول، والمعطي هو الله الواحد القهار، فهو معلوم لكل مخلوق (خمسًا) أي: خمس خصال، وعند مسلم من حديث أبي هريرة: «فُضِّلت على الأنبياء عليهم السلام بستٍّ: أعطيت جوامع الكلم، وختم بي النبوة ... » ؛ الحديث، وعنده أيضًا من حديث حذيفة: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وتربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء» ، ولفظ الدارقطني: «وترابها طهورًا» ، وعند النسائي: «وأوتيت هؤلاء الآيات آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعط منه أحد قبلي، ولا يعط منه أحد بعدي» ، وعند أبي محمَّد الجارود في «المنتقى» من حديث أنس رضي الله عنه: «جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا» ، وعن أبي أمامة: أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إن الله تعالى قد فضلني على الأنبياء» ، أو قال: «أمتي على الأمم بأربع: جعل الأرض كلَّها لي ولأمتي طهورًا ومسجدًا؛ فأينما أدركت الرجل الصَّلاة من أمتي؛ فعنده مسجده، وعنده طهوره، ونصرت بالرعب يسير بين يدي مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي ... » ؛ الحديث، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود: «وأوتيت [2] الكوثر» ، وفي حديث علي رضي الله عنه عند أحمد: «وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم» ، وعند أحمد أيضًا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه عليه السلام قال ذلك عام غزوة تبوك»، وفي حديث السائب ابن أخت النمر: «فضلت على الأنبياء عليهم السلام بخمس: أرسلت إلى الناس كافة، وادخرت شفاعتي لأمتي، ونصرت بالرعب شهرًا أمامي، وشهرًا خلفي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم» .

قال إمام الشارحين:(السائب المذكور: هو ابن يزيد بن سعد

[ص 388]

المعروف بابن أخت نمر، قيل: إنه ليثي كناني، وقيل: أزدي، وقيل: كندي حليف بني أمية، ولد في السنة الثانية، وخرج في الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقى النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم مقدمه من تبوك، وشهد حجة الوداع، وذهبت به خالته، وهو وجيع إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فدعا له ومسح برأسه، وقال: «نظرت خاتم النبوة» ، وفي «تاريخ نيسابور» للحاكم: «وأحل لي الأخماس» ، وإذا تأملت؛ وجدت هذه الخصال اثنتي عشرة [3] خصلة ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك عند إمعان التتبُّع، وقد ذكر أبو سَعِيْد النيسابوري في كتابه «شرف المصطفى» أن الذي اختص به نبينا عليه السلام ستون خصلة) انتهى.

قلت: وقد ذكر الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد المنيني العثماني في كتابه «الخصائص» : (أن الذي اختص به نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم فوق المئة) ، وذكر السيوطي منها نحو السبعين، وذكر القسطلاني في «المواهب» بعضًا منها، ولم أر أجمع من كتاب «الخصائص» للمنيني، فإنَّه مفيد جدًّا، لم يسبق بنظيره رحمه الله تعالى.

قال إمام الشارحين:(فإن قلت: بين هذه الروايات تعارض؛ لأنَّ المذكور فيها الخمس، والست، والثلاث.

قلت: لا تعارض؛ لأنَّ التنصيص على عدد لا يدل على نفي ما عداه، وقد علم في موضعه)، وأجاب القرطبي: بأن ذكر الأعداد لا يدل على الحصر؛ فإن من قال: عندي خمسة دنانير مثلًا؛ لا يدل على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول مرة أخرى: عندي عشرون، ومرة أخرى: ثلاثون، فإن من كان عنده ثلاثون؛ صدق عليه أن عنده عشرين وعشرة؛ فلا تعارض ولا تناقض، ويجوز أن يكون الرب سبحانه وتعالى أعلمه بثلاث، ثم بخمس، ثم بستٍّ) انتهى.

(لم يعطهن أحد) أي: من الأنبياء (قبلي) يعني: لم يجمع لأحد قبله هذه الخمسة؛ لأنَّ نوحًا عليه السلام بعث إلى كافة الناس، وأما الأربع؛ فلم يعط واحد منهن قبله أحد، وأما كونها مسجدًا؛ فلم يأت أن غيره منع منها، وقد كان عيسى عليه السلام يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصَّلاة، كذا قاله الداودي.

قلت: وفيه نظر، فإن قوله: (فلم يأت ... ) إلخ ممنوع؛ فقد أخرج البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب، وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحدٌ يصلي حتى يبلغ محرابه» ، وفي حديث آخر مرفوعًا: «وإنَّما كانوا يصلون في كنائسهم» ، فهذا نص ثابت للخصوصية.

وظاهر حديث الباب أنَّ كل واحد من الخمس لم يكن لأحد قبله، وهو كذلك، وزاد في حديث ابن عباس: (لا أقولهن فخرًا) ؛ فليحفظ.

وقوله: (وقد كان عيسى ... ) إلخ لا ينهض دليلًا لمدعاه؛ لأنَّه يحتمل أن عيسى عليه السلام يسيح في الأرض، ويرجع ويصلي في الكنيسة، ويدل لذلك أن الصَّلاة كانت في شريعته ومن قبله صلاتان؛ صلاة عند طلوع الشمس، وصلاة عند غروبها، قال الله تعالى: { ... } [4] ، فإذا كان كذلك فعيسى يصلي أول النهار في محرابه، ثم يسيح إلى أن يقرب الغروب فيرجع فيصلي في محرابه، كما لا يخفى.

وزعم ابن حجر أن نوحًا عليه السلام بعد خروجه من السفينة كان مبعوثًا إلى كل من في الأرض؛ لأنَّه لم يبق إلا من كان مؤمنًا، وقد كان مرسلًا.

وردَّه إمام الشارحين: (بأن هذا العموم الذي في رسالته لم يكن في أصل البعثة، وإنَّما وقع لأجل الحادث الذي حدث؛ وهو انحصار الخلق في الموجودين معه بهلاك سائر الناس وعموم رسالة نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم في أصل البعثة) انتهى.

ثم قال: (وزعم ابن الجوزي أنه كان في الزمان الأول إذا بعث إلى قوم؛ بعث غيره إلى آخرين، وكان يجتمع في الزمان الواحد جماعة من الرسل، فأمَّا نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فإنَّه انفرد بالبعثة، فصار بذلك الكل من غير أن يزاحمه أحد) انتهى.

ثم قال إمام الشارحين: (فإن قلت: يقول أهل الموقف لنوح، كما صح في حديث الشفاعة:(أنت رسول إلى أهل الأرض) ؛ فدل على أنه كان مبعوثًا إلى كل من في الأرض.

قلت: ليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، ولئن سلمنا أنه كان مرادًا؛ فهو مخصوص بتنصيص القرآن؛ حيث أخبر سبحانه وتعالى في عدة آيات أنَّ إرسال نوح إلى قومه، ولم يذكر أنَّه أرسل إلى غيرهم) انتهى.

قلت: أمَّا النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فإنَّه سبحانه وتعالى قال في حقه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ} [سبأ: 28] والفرق بينهما بيِّن؛ فافهم، ثم قال إمام الشارحين: فإن قلت: لو لم يكن نوح مبعوثًا إلى أهل الأرض كلهم؛ لما أهلك كلهم بالغرق إلا أهل السفينة؛ لقوله عز وجل: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] .

قلت: قد يجوز أن يكون غيره أرسل إليهم في ابتداء مدة نوح، وعلم نوح بأنَّهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه وغيرهم، قيل: هذا جواب حسن، ولكن لم ينقل أنَّه نبئ في زمن [نوح] غيره.

قلت: يحتمل أنَّه قد بلغ جميع الناس دعاؤه قومه إلى التوحيد؛ فتمادوا على الشرك فاستحقوا العذاب، وإلى هذا نحا ابن عطية في تفسيره سورة هود، قال: (وغير ممكن أنَّ نبوته لم تبلغ القريب؛ لطول مدته) ، وقال القشيري: (توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عامًّا في حق بعض الأنبياء وإن كان إلزام فروع شريعته ليس عامًا؛ لأنَّ منهم من قاتل غير قومه على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازمًا لهم؛ لم يقاتلهم) .

قلت: وفيه نظر لا يخفى، وأجاب ابن حجر: بأنَّه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح؛ فبعثته خاصة؛ لكونها إلى قومه فقط؛ لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتفق وجود غيرهم؛ لم يكن مبعوثًا إليهم.

قلت: وفيه نظر أيضًا؛ لأنَّه يكون بعثته عامة لقومه؛ لكونهم الموجودين، وعندي جواب آخر: وهو أن الطوفان لم يرسل إلا إلى قومه الذين هو فيهم ولم يكن عامًّا، وهو جيد إن شاء الله تعالى، انتهى كلام إمامنا إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الحليم الباري.

(نُصِرت) بضمِّ النون، وكسر الصاد المهملة (بالرُّعْب) ؛ بضمِّ الراء، وسكون العين المهملتين؛ الخوف، زاد أبو أمامة: (يقذف في قلوب أعدائي) ، كما ذكرناه، وقرأ ابن عامر، والكسائي: (الرعُب) ؛ بضمِّ العين، والباقون

[ص 389]

بسكونها، يقال: رعبت الرجل أرعبه رعبًا؛ أي: ملأته خوفًا، ولا يقال: أرعبته، كذا ذكره أبو المعالي، وحكي عن أبي طلحة: (أرعبته ورعبته، فهو مرعب) ، وفي «المحكم» : (فهو رعيب ورعبة ترعيبًا وترعابًا فرعب) ، وفي «الجامع» : (رعبته فأنا راعب، ويقال: رعب، فهو مرعوب، والاسم الرعب؛ بالضم) ، وفي «الموعب» : (رجل رعب ومرتعب، وقد رعب ورعب) ، كذا في «عمدة القاري» ، (مسيرة) بفتح الميم (شهر) جعل الغاية شهرًا؛ لأنَّه لم يكن بين المدينة وبين أحد من أعدائه أكثر منه، كذا في «عمدة القاري» ، (وجعلت) بضمِّ الجيم (لي) زاد أبو أمامة: (ولأمتي) (الأرض) كلها (مسجدًا) ؛ بكسر الجيم؛ موضع سجوده، وهو موضع الجبهة على الأرض، ولم يكن اختص السجود منها بموضع دون موضع آخر، ويحتمل أن يكون المراد من المسجد: هو المسجد المعروف الذي يصلي فيه القوم، فإذا كان جوازها في جميعها؛ كان المسجد المعهود كذلك، قاله إمام الشارحين.

قلت: وعلى هذا الاحتمال؛ فهو مجاز عن المكان المعد للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنَّ المسجد حقيقة عرفية في المكان المبني للصلاة، فلما جازت الصَّلاة في الأرض كلها؛ كانت كالمسجد في ذلك، فأطلق عليها اسمه.

فإن قلت: فعلى هذا الاحتمال؛ لم [5] عدلوا عن حمله على الحقيقة اللغوية؛ وهي موضع السجود؟

قلت: أجاب في «المصابيح» : (بأنه إن بني على رأي سيبويه أنه إذا أريد به موضع السجود؛ يقال: مسجَد بالفتح فقط؛ فواضح، وإن جوز الكسر فيه؛ فالظاهر أن الخصوصية هي كون الأرض محلًا؛ لإيقاع الصَّلاة بجملتها، لا لإيقاع السجود فقط، فإنه لم ينقل عن الأمم الماضية أنها كانت تخص السجود بموضع دون موضع آخر) انتهى.

قلت: وهذا مردود، فإن من كان قبل نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم من الأنبياء عليهم السلام إنَّما أبيح لهم الصلوات في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس، ويدل لهذا: قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام: {فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المِحْرَابِ} [آل عمران: 39] ، وأخرج أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «وكان من قبل إنَّما يصلون في كنائسهم» ، وأخرج البزار من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ نحو حديث الباب، وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه» ، فهذا نص صريح في موضع النزاع، فتثبت الخصوصية، فهذه الأمة المحمَّدية خصت بجواز الصَّلاة في جميع الأرض، إلا في المواضع المستثناة بالشرع، أو موضع تيقنت نجاسته، ففي حديث أبي سَعِيْد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» ، رواه أبو داود، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (نهى النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله عز وجل) ، رواه الترمذي وابن ماجه.

وقد أخذ الإمام أحمد بظاهرهما؛ فمنع صحة الصَّلاة في هذه المواضع، ورد بأن حديث أبي سَعِيْد قد طعن في سنده الحفاظ، وقال الترمذي: (فيه اضطراب) ، وقال غيره: إنه ضعيف، وحديث ابن عمر قد تكلم في رجال سنده الثقات، وقال الترمذي: (إسناده ليس بالقوي) ، وقال غيره: إنه ضعيف، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، فلهذا قال الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: الصَّلاة في هذه المواضع مكروهة، وسيأتي في محله إن شاء الله تعالى.

قال إمام الشارحين:(فإن قلت: كان عيسى عليه السلام يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصَّلاة.

قلت: ذكر «مسجدًا وطهورًا» وهذا مخصوص بالنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ حيث كان يجوز له أن يصلي في أي موضع أدركته الصَّلاة فيه، وكذلك التيمم)انتهى.

قلت: وقدمنا ما فيه قريبًا، فلا تكن من الغافلين.

(و) جعلت لي الأرض (طهورًا) ؛ بكسر الطاء المهملة؛ لأنَّ المراد به الآلة، وهو كل ما على وجه الأرض، وبالفتح: مصدر بمعنى: النظافة، وبالضم: فضل ما يتطهر به، هذا هو المشهور، فقول القسطلاني: (بفتح الطاء على المشهور) غير مشهور عند الجهمور؛ فافهم، و (أل) في (الأرض) للجنس؛ فيشمل جميع أجزائها، فوصفها النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بالطهارة، وهذا يدل على أنه يجوز التيمم بجميع أجزاء الأرض؛ كالتراب، والرمل، والحجر الأملس المغسول، والجص، والنورة، والزرنيخ، والكحل، والكبريت، والتوتياء، والطين الأحمر، والأسود، والأبيض، والحائط المطين، والمجصص، والياقوت، والزبرجد، والبلخش، والفيروزج، والمرجان، والأرض الندية، والطين الرطب، والآجر، ومسكوك الذهب والفضة، والخليط بالتراب إذا كان التراب غالبًا، وبالخزف، والحديد، والنحاس، وشبههما ما داما على الأرض، فإن جميع هذا أجزاء الأرض بخلاف غيرها؛ كالثلج، فإنه لا يجوز، ومثله الزجاج، وكذا التراب ونحوه المستعمل في التيمم، هذا مذهب الإمام الأعظم رئيس الأئمَّة، وهو قول الأوزاعي، وسفيان الثوري، وجوزاه بالثلج، والمسك، والزعفران أيضًا.

وقال مالك: يجوز بالتراب، والرمل، والحشيش، والشجر، والثلج، والجص، والآجر.

وقال الشافعي، وأحمد: لا يجوز التيمم إلا بالتراب الذي له غبار.

وتعلقًا بحديث حذيفة عند مسلم: «وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها طهورًا» ، ورد بأن الأصيلي قال: (تفرد أبو مالك بهذه اللفظة، وليست ثابتة عند بقية الرواة) ، وقال القرطبي: لا يظن أن ذلك مخصص له، فإن التخصيص إخراج ما يتناوله العموم عن الحكم، ولم يخرج هذا الخبر شيئًا، وإنما عين واحدًا مما يتناوله الاسم الأول مع موافقته في الحكم، وصار بمثابة قوله تعالى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68] ، وقوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوًّالِّلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98] وغير بعض ما يتناوله اللفظ الأول مع الموافقة في المعنى على جهة التشريف، ولذلك ذكر التوبة في حديث حذيفة، ويقال: الاستدلال بلفظ التربة على خصوصية التيمم بالتراب ممنوع؛ لأنَّ تربة كل مكان ما فيه من تراب وغيره، وأجاب ابن حجر، فزعم أنه ورد في الحديث المذكور

[ص 390]

بلفظ (التراب) ، أخرجه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث علي: «جعل لي التراب طهورًا» ، أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد حسن، ورده إمام الشارحين بما ذكره القرطبي آنفًا، ثم قال: (على أن تعيين لفظ «التراب» في الحديث المذكور؛ لكونه أمكن وأغلب، لا لكونه مخصوصًا به، على أنا نقول التمسك باسم الصعيد أولى؛ وهو وجه الأرض، وليس باسم للتراب فقط، بل هو وجه الأرض ترابًا كان أو صخرًا لا تراب عليه أو غيره) انتهى.

قلت: وهو وجيه؛ فإنه لا خلاف بين أهل اللغة أن الصعيد هو وجه الأرض ترابًا أو صخرًا، أملس أو غيرهما كما قاله الزجاج، وبه صرح القرآن في عدة آيات، فالآية مطلقة، والحديث إن صح خبر واحد، ولا يجوز تقييد إطلاق الآية بخبر الواحد؛ لأنَّه نسخ، وهو لا يجوز عند المحققين، فالحق ما عليه إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه، ويدل لما قاله قوله: (فأيما رجل) ؛ لفظة (أي) مبتدأ يتضمن معنى الشرط، ولفظ (ما) زيدت لزيادة التعميم، ولفظ (رجل) مضاف إليه (من أمتي) متعلق بمحذوف؛ تقديره: كائن من أمتي (أدركته الصَّلاة) : جملة من الفعل والفاعل والمفعول محلها الجر؛ لأنَّها صفة (رجل) ، وفي رواية أبي أمامة: (فأيما رجل من أمتي أتى الصَّلاة فلم يجد ماء [6] ؛ وجد الأرض طهورًا ومسجدًا) ، رواه البيهقي، وعند أحمد: «فعنده طهوره ومسجده» ، وقوله: (فليصل) خبر المبتدأ، ودخول الفاء فيه؛ لكون المبتدأ متضمنًا معنى الشرط؛ ومعناه: فليتيمم وليصل؛ ليناسب الأمرين المسجد والطهور، فهذا دليل واضح على جواز تيمم الحضري إذا عدم الماء، وخاف فوت الصَّلاة، وعلى أنه لا يشترط له التراب، فإنه قد تدركه الصَّلاة في موضع من الأرض لا تراب عليها أصلًا، بل ولا رمل، ولا جص، ولا غيرهما، وقال عليه السلام: «بعثت بالحنفية السمحة» ؛ أي: السهلة، وقال تعالى: { [وَ] مَا [7] جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78] ، وتخصيص التراب ينافي هذا؛ لأنَّ فيه حرجًا ومشقة، والحرج مدفوع؛ فليحفظ.

(وأحلت) بضمِّ الهمزة (الغنائم) جمع غنيمة؛ وهي مال حصل من الكفار بإيجاف خيل، وركاب، وقهر، وفي رواية الكشميهني وكذا مسلم: (المغانم) ؛ بالميم قبل الغين المعجمة، ثم ألف، وبعدها نون، جمع مغنم، قال الجوهري: (كلاهما بمعنًى واحد) (ولم تحل لأحد) من الأنبياء (قبلي) ؛ لأنَّ منهم من لم يؤذن له في الجهاد أصلًا، فلم يكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن إذا غنموا شيئًا؛ لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته، وقيل: المراد: أنه خص بالتصرف في الغنيمة يصرفها كيف شاء، والأول أصوب، وهو أن من مضى لم يحل لهم أصلًا، كذا قاله إمام الشارحين، (وأعطيت) بضمِّ الهمزة (الشفاعة) وهي سؤال فعل الخير، وترك الضرر عن الغير لأجل الغير على سبيل الضراعة، وذكر الأزهري عن المبرد وثعلب: أنها الدعاء، والشفاعة: كلام الشفيع للملك عند حاجة يسألها، وفي «الجامع» : (الشفاعة: الطلب من فعل الشفيع، وشفعت لفلان؛ إذا كان متوسلًا بك فشفعت له، وأنت شافع له، وشفيع له) ، وقال ابن دقيق العيد: الأقرب أن (اللام) للعهد، والمراد الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها، وقيل: الشفاعة التي اختص بها أنه لا يرد فيما يسأل، وقيل: الشفاعة لخروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان من النار، وقيل: في رفع الدرجات في الجنة، وقيل: قوم استوجبوا النار، فيشفع لهم في عدم دخولهم إياها، وقيل: هي إدخال الجنة بغير حساب، وهي أيضًا مختصة به صلَّى الله عليه وسلَّم، كذا في «عمدة القاري» ، (وكان النبي) من الأنبياء قبلي (يبعث إلى قومه) أي: المبعوث إليهم (خاصة) بمعنى: خصوصًا، فهو من المصادر التي جاءت على (فاعلة) ؛ كالعاقبة والعافية، منصوب على أنه مفعول مطلق بمحذوف؛ تقديره: أخص النبي من قبلي بالبعث إلى قومه خصوصًا بناء على المشهور من جواز حذف عامل المؤكِّد_بكسر الكاف_ خلافًا لابن مالك، والتاء فيها للتأنيث أو للمبالغة، ويجوز انتصابها أيضًا على الحال؛ بمعنى: مخصوصًا، كذا في شرحنا «منهل الطلاب» ، (وبعثت) أي: أنا (إلى الناس) أي: لقومه وغيرهم من العرب، والعجم، والأسود، والأحمر، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ} [سبأ: 28] ، وقوله: (عامة) بمعنى: عمومًا، منصوب على أنه مفعول مطلق، أو على الحال، كما قدمناه في (خاصة) قريبًا؛ فافهم، وفي رواية أبي هريرة: «وأرسلت إلى الخلق كافة» ، رواها مسلم، وهي أظهر الروايات وأشملها، وهي تؤيد قول من قال: إنه عليه السلام قد أرسل أيضًا إلى الملائكة، وهو ظاهر قوله تعالى: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] و (العالمَين) : جمع عالَم بالفتح؛ وهو كل ما سوى الله عز وجل، فيشمل الإنس، والجن، والملائكة، وجميع الحيوانات، ويدل عليه: حديث الإسراء وحين مولده عليه السلام، وصريح آيات القرآن، ومخاطبته تعالى له عليه السلام في عدة آيات؛ منها: قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، فالعالم كلهم أمته، لكن من دعي وأجاب؛ يقال لهم: أمة الإجابة كالمسلمين، ومن دعي ولم يجب كالنصارى واليهود؛ يقال لهم: أمة الدعوة [8] ، فالنبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قد أرسل إلى كافة الخلق، كما نطق بذلك القرآن، والتوراة، والإنجيل، كما لا يخفى على من تتبع، بخلاف غيره من الأنبياء، فإنه تعالى أرسلهم إلى قومهم فقط، فقال في نوح: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [نوح: 1] ، وغير ذلك.

وفي الحديث دليل على أن الحجة تلزم بالخبر، كما تلزم بالمشاهدة، وذلك أن المعجزة باقية على مساعدة للخبر [9] ، مبينة له، واقعة لما يخشى من آفات الأخبار وهي القرآن الباقي، وخص الله نبيه الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ببقاء معجزته لبقاء دعوته، ووجوب قبولها على من بلغته إلى آخر الزمان، وفيه ما خصه الله تعالى به من الشفاعة وهو أنه لا يشفع في أحد يوم القيامة إلا شفع فيه، كما ورد في حديث الشفاعة: «قل: يسمع، واشفع تشفَّع» ، ولم يعط ذلك من قبله من الأنبياء عليهم السلام، وفيه: دليل على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض، ولا يشترط فيه التراب فقط، وفيه: دليل على جواز تيمم المقيم بالمصر إذا عدم الماء وخاف فوت الصَّلاة، وفيه: دليل على أن الله تعالى قد أباح الغنائم للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ولأمته بعد أن كانت في الأمم الماضية محرمة، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (اثنين) ، وليس بصحيح.

[2] في الأصل: (أتيت) ، ولعله تحريف.

[3] في الأصل: (اثني عشر) .

[4] بياض في الأصل

[5] في الأصل: (لما) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[6] في الأصل: (ما) ، وهو تحريف.

[7] في الأصل: (ما) .

[8] في الأصل: (الدعوى) .

[9] في الأصل: (عدة للخير) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[1] في الأصل: (اثنين) ، وليس بصحيح.

[2] في الأصل: (أتيت) ، ولعله تحريف.

[3] في الأصل: (اثني عشر) .

[4] بياض في الأصل

[5] في الأصل: (لما) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[6] في الأصل: (ما) ، وهو تحريف.

[7] في الأصل: (ما) .

[8] في الأصل: (الدعوى) .

[1] في الأصل: (اثنين) ، وليس بصحيح.

[2] في الأصل: (أتيت) ، ولعله تحريف.

[3] في الأصل: (اثني عشر) .

[4] بياض في الأصل

[5] في الأصل: (لما) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[6] في الأصل: (ما) ، وهو تحريف.

[7] في الأصل: (ما) .

[8] في الأصل: (الدعوى) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت