فهرس الكتاب

الصفحة 597 من 860

[حديث: فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري]

349# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا يحيى ابن بكير) ؛ بضم الموحدة: هو أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري، ونسبه لجده؛ لشهرته به (قال: حدثنا الليث) ؛ بالمثلثة: هو ابن سعد الفهمي الحنفي، (عن يونس) : هو ابن يزيد، وفي رواية: (حدثني يونس) (عن ابن شهاب) : هو محمد بن مسلم الزهري، (عن أنس بن مالك) : الصحابي الجليل رضي الله عنه، (قال: كان أبو ذر) ؛ بالذال المعجمة المفتوحة، وتشديد الراء: هو جندب _بضم الجيم، والدال المهملة_ ابن جنادة _بضم الجيم_ الغفاري، وكان يقول: يحرم على الإنسان ما زاد على حاجته من المال رضي الله تعالى عنه (يحدث) ؛ بضم التحتية أوله (أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: فُرِج) ؛ بضم الفاء، وكسر الراء، وبالجيم؛ أي: فتح (عن سقف بيتي) ؛ يعني: فتح فيه فتح، وروي: (فشق) .

فإن قلت: كان البيت لأم هانئ، فكيف قال: (بيتي) بإضافته لنفسه؟

قلت: إضافته إليه لأدنى ملابسة، وهذا كثير في كلام العرب كما يقول أحد حاملي الخشبة للآخر: خذ طرفك، قاله إمام الشَّارحين.

قلت: وأم هانئ: هي بنت أبي طالب، وأخت علي، تزوجها هبيرة بن أبي المغيرة المخزومي، فإنه عليه السَّلام كان تلك الليلة نائمًا في دارها رضي الله عنها.

وفي «عمدة القاري» :(فإن قلت: روي أيضًا أنه كان في الحطيم، فكيف الجمع بينهما؟

قلت: أما على كون العروج مرتين؛ فظاهر، وأما على كونه مرة واحدة؛ فلعله عليه الصَّلاة والسَّلام بعد غسل صدره دخل بيت أم هانئ، ومنه عرج به إلى السماء، والحكمة في دخول الملائكة من وسط السقف ولم يدخلوا من الباب كونُ ذلك أوقع صدقًا في القلب فيما جاؤوا به)انتهى.

(وأنا بمكة) : جملة اسمية محلها نصب؛ لأنَّها وقعت حالًا، (فنزل جبريل عليه السَّلام) ؛ أي: من الموضع المفروج في السقف مبالغة في المفاجأة، (ففرج عن) : وفي رواية بإسقاط لفظة: (عن) (صدري) ؛ بفتح الفاء، والراء، والجيم، وهو فعل ماض؛ أي: شقه، وفي رواية: (شرح صدري) ، ومنه: {شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ} [الزمر: 22] ، فالشرح: التوسعة، ومكان فسيح؛ أي: واسع، وقد شرح الله صدره عليه [الصَّلاة] والسَّلام بحيث وسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق بعد ما ضاق عنهما جميعًا، فإن مقام حضور الحق سبحانه ومناجاته مقام شهود الحق أو لغيبته عن الخلق، ومن كان غائبًا عن الخلق؛ كيف يتأتى له دعوة الخلق ومعاناتهم؟! فإن دعوتهم تستلزم الحضور معهم، والحضور مع المخلوق ينافي الحضور مع الخالق ظاهرًا فيضيق الصدر عن الجمع بينهما، فكان حاضرًا مع الحق، مستغرقًا في مقام مناجاته دائمًا، وهو غائب عنه، مشتغل بدعوة الخلق ظاهرًا، فكان غائبًا حاضرًا.

فإن قلت: ذكر ابن إسحاق أنه عليه السَّلام شق صدره وهو مسترضع في بني سعد عند حليمة، ورجحه القاضي عياض؟

قلت: أجيب: بأن ذلك وقع مرتين والحكمة في الشق؛ الأول: نزع العلقة التي قيل له عليه السَّلام عند نزعها: هذا حظ الشيطان منك، وفي الثاني: ليكون مستعدًّا للتلقي؛ لما حصل له في تلك الليلة، قاله السهيلي، وقد روى الطيالسي والحارث في «مسنديهما» من حديث عائشة رضي الله عنها: أنَّ الشق وقع مرة أخرى عند مجيء جبريل عليه السَّلام إليه بالوحي في غار حراء، وفي «الدلائل» لأبي نعيم: (أن صدره عليه السَّلام شق وعمره عشر سنين) ، ومثله في «الأحاديث الجياد» لمحمد بن عبد الواحد، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» .

(ثم غسله بماء زمزم) : والغسل طهور، والطهور شطر الإيمان، و (زمزم) غير منصرف؛ اسم للبئر الذي في المسجد الحرام، إنَّما خصه؛ لفضله على غيره؛ أو لأنَّه يقوي القلب، (ثم جاء بطَسْت) ؛ بفتح الطاء، وسكون السين المهملة، آخره مثناة فوقية، قال ابن سيده: (الطس، والطست، والطسة معروف) ، وجمع الطس: أطساس، وطسوس، وطسيس، وجمع الطسة والطسة: طساس، ولا يمنع أن يجمع طسة على طسيس، بل ذلك قياسه، والطساس: بائع الطسوس، والطساسة: حرفته، وعن أبي عبيد: (الطست فارسي) .

قلت: هو في الفارسية بالشين المعجمة، وقال الفراء: (طيِّئ تقول: طست، وغيرهم يقول: طس) ، وهذا يرد ما حكاه ابن دحية، قال الفراء: (يقال: الطسة أكثر في كلام العرب من الطس، ولم يسمع من العرب: الطست) ، وقال ابن الأنباري: (يقال: الطست؛ بفتح الطاء وكسرها، قاله أبو زيد) ، وقال ابن قرقول: (طَس؛ بالفتح والكسر، والفتح أفصح، وهي مؤنثة، وخص الطست بذلك دون بقية الأواني؛ لأنَّه آلة الغسل عرفًا) ، كذا في «عمدة القاري» .

(من ذهب) : وكلمة (من) بيانية؛ وهو اسم للحجر الرزين المعلوم، وليس فيه ما يوهم استعمال آنية الذهب، فإن ذلك فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، أو لأنَّ ذلك كان أول الأمر قبل استعمال الأواني من النقدين؛ لأنَّه كان على أصل الإباحة، والتحريم إنَّما كان بالمدينة، وإنما كان الطست من ذهب؛ لأنَّه أعلى أواني الجنة وهو رأس الأثمان وله خواص؛ منها: أنه لا تأكله النار في حال التعليق، ولا تأكله الأرض، ولا تغيره، وهو أنقى شيء وأصفاه، وقال في المثل: (أنقى من الذهب) ، وهو بيت الفرح والسرور، قال الشاعر:

صفرًا لا تتنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته ضراء

وهو أثقل الأشياء، فيجعل في الزيبق الذي هو أثقل الأشياء، فيرسب وهو موافق لثقل الوحي وهو عزيز، وبه يتم الملك، كذا في «عمدة القاري» .

قلت: وإنما كان الذهب أعز الأشياء؛ لأنَّه حين كان في الجنة آدم ووقع منه ما وقع من أكل الشجرة فجميع الأشياء فرحت حتى تنزل إلى الدنيا إلا الذهب، فإنه حزن على مفارقة الجنة، وكذلك الفضة، فإنها أيضًا حزنت على ذلك، فأبدلهما سبحانه بأن جعلهما أعز الأشياء، والله أعلم.

(ممتلئ) ؛ بالجر صفة لـ (طست) ، وتذكيره باعتبار الإناء؛ لأنَّ الـ (طست) مؤنثة (حكمةً وإيمانًا) : منصوبان على التمييز، وجعل الحكمة والإيمان في الإناء، وإفراغهما فيه مع أنَّهما معنيان، وهذه صفة الأجسام من أحسن المجازات، أو أنه من باب التمثيل، أو تمثيلله النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم المعاني كما تمثل له أرواح الأنبياء الدارجة بالصور التي كانوا عليها، ومعنى المجاز فيه: كأنه جعل في الطست شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتهما، فسمَّى ذلك الشيء حكمة وإيمانًا؛ لكونه سببًا لهما، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال:(والحكمة: اسم من حكُم؛ بضم

[ص 429]

عين الفعل؛ أي: صار حكيمًا، وصاحب الحكمة: المتقن للأمور، وأما حكَم؛ بفتح عين الفعل؛ فمعناه: قضى، ومصدره حُكم؛ بالضم، والحكم أيضًا: الحكمة من العلم، والحكيم: العالم) .

وقال ابن دريد: (كل كلمة وعظتك، أو زجرتك، أو دعتك إلى تكرمة، أو نهتك عن قبيح؛ فهي حكمة) ، وقيل: الحكمة: المانعة من الجهل، وقيل: هي النبوة، وقيل: الفهم عن الله تعالى، وقال ابن سيده: (القرآن كفى به حكمة؛ لأنَّ الأمة صارت علماء بعد جهل) ، وزعم النووي أنَّ الحكمة فيها أقوال مضطربة، وصفي لنا منها: أنَّ الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحق، والعمل به، والصد عن اتباع الهوى والباطل، فالحكيم من حاز ذلك كله) انتهى.

قلت: وهذا قول في معنى الحكمة ملفق من أقوال متباينة، فقوله: (وصفي لنا فيها ... ) إلخ: غير صحيح، بل هذا مجموع الأقوال في معناها، والأخصر أن يقال: الحكمة: هي امتثال أوامر الله تعالى ونبيه عليه السَّلام، واجتناب نواهي الله تعالى ونبيه عليه السَّلام، قال تعالى: {وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] ، ولا ريب أن من امتثل الأوامر واجتنب النواهي؛ فقد جمع له بين خيري الدنيا والآخرة، فلهذا وصفه سبحانه من أوتيها بالخير الكثير؛ فليحفظ.

وقال في «التوضيح» : (وفي هذا الحديث دلالة صريحة على أن شرح صدره عليه السَّلام كان ليلة المعراج، وفعل به ذلك؛ لزيادة طمأنينة لما يرى من عظم الملكوت، أو لأنَّه عليه السَّلام يصلي بالملائكة عليهم السلام) انتهى.

(فأفرغه) : من الإفراغ؛ أي: أفرغ كل واحد من الحكمة والإيمان اللذين كانا في الطست (في صدري) ؛ فيمتلئ حكمةً وإيمانًا، ولهذا غسله بماء زمزم، والمراد بالصدر: القلب.

فإن قلت: تقدم أنه ذكر في هذا الحديث أنه غسل صدره بماء زمزم وقلبه.

قلت: إنَّما غسله بالثلج أولًا؛ ليثلج اليقين في قلبه، وإنما كان ذلك؛ لأجل دخوله الحضرة القدسية، وقيل: فعل به ذلك في حال صغره؛ ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء عليهم السلام في الانشراح، والثانية؛ لتصير حالته مثل حال الملائكة، انتهى ذكره إمام الشَّارحين.

قلت: ويدل عليه: ما ذكره القرطبي في «تفسيره» : روى الضحاك عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله؛ انشرح صدرك؟ قال: «نعم؛ وتفتح» ، قالوا: يا رسول الله؛ وهل لذلك علامة؟ قال: «نعم؛ التجافي عن دار الغرور، والإبانة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت» ، وفي «الصحيح» عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة: أنَّ النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «بينما أنا عند البيت بين النائم واليقظان؛ إذ سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة ... ، فأتيت بطست من ذهب فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا» ، قال قتادة: يعني: قال إلى أسفل بطني، قال: «فاستخرج قلبي، فغسله بماء زمزم، ثم أعيد مكانه؛ ثم حشي إيمانًا وحكمةً» ، وروي عن النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «جاءني ملكان في صورة طائر معهما ماء وثلج، فشرح أحدهما صدري، وفتح الآخر منقاره، فغسله» ، وفي حديث آخر: «جاءني ملك فشق عن قلبي، فاستخرج منه عذرة ... » ؛ الحديث، انتهى.

قلت: وهذا يدل على تعدد القصة، وأنه في هذه القصة لم يكن جبريل الجائي، بل غيره، وفيها أيضًا أنه شق قلبه، وهو يدل على أنَّ المراد بالصدر: القلب؛ لأنَّ غسل القلب وتنقيته مما ينافي النبوة يسلتزم شرح الصدر، وفيه أنَّ الذي جاءه ثلاثة من الملائكة، وصرح في هذه الرواية أن شرح صدره كان من أعلى الصدر إلى أسفل البطن حتى يدخل القلب في الغسل، ولا ريب أنَّ هذا دالٌّ على تعدد القصة، والله تعالى أعلم.

(ثم أطبقه) ؛ أي: ثم أطبق صدره، يقال: أطبقت الشيء؛ إذا غطيته وجعلته مطبقًا، وفي «التوضيح» : (لما فعل به ذلك؛ ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء، فجمع الله له أجزاء النبوة وختمها؛ فهو خاتم النبيين، وختم عليه فلم يجد عدوه إليه سبيلًا من أجل ذلك؛ لأنَّ الشيء المختوم محروس، وقد جاء أنه استخرج منه علقة، وقال: هذا حظ الشيطان منك) .

وذكر القاضي عياض: (أن موضع الخاتم إنَّما هو شق الملكين بين كتفيه) ، ذكره القرطبي وقال: (هذه غفلة؛ لأنَّ الشق إنَّما كان في صغره حين لم يبلغ في السن حتى نفذ إلى ظهره) ، وروى أبو داود الطيالسي، والبزار، وغيرهما من حديث عروة عن أبي ذر رضي الله عنه ولم يسمع منه في حديث الملكين: «قال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم خاط بطني، وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن» ، وهذا دال مع حديث البخاري كما نبه عليه القرطبي، وأنه في الصدر دون الظهر، وإنما كان الخاتم في ظهره؛ ليدل على ختم النبوة به، وأنه لا نبي بعده، وكان تحت بعض كتفه؛ لأنَّ ذلك الموضع منه يوسوس الشيطان، ذكره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» ، وذكر الإمام حافظ النسفي نقلًا عن الكلبي: (أن جبريل عليه السَّلام أتاه عليه السَّلام، فشق صدره، وأبدى عن قلبه، ثم جاء بدلو من ماء زمزم فغسله وأنقاه مما فيه، ثم جاء بطست من ذهب قد ملئ علمًا وإيمانًا، فوضعه فيه، ثم قال: كان هذا حين جاءه بالبراق ليلة المعراج، أو حين كان عند حليمة في السنة التي أعادته فيها إلى عبد المطلب) انتهى.

قلت: وهذا تأييد لقول من قال بتعدد القصة كما سبق، لكن القاضي عبد الجبار قد طعن في هذه الرواية من وجوه؛ أحدها: أنه قد روى أن هذه الواقعة وقعت في حال صغره عليه السَّلام، وهي من المعجزات، فلا يجوز أن تتقدم نبوته، وثانيهما: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام ولا شك أنَّ الأخلاق والمعاصي ليسا من قبيل الأجسام، فلا يؤثر فيهما الغسل، وثالثهما: أنَّ القلب لا يصح أن يملأ علمًا وإيمانًا، بل الله تعالى يخلقهما في القلب.

وأجيب عن الأول: بأن تقديم المعجزة عن البعثة يجوز عندنا، وذلك هو المسمى بالإرهاص، ومثله كثير في حقه عليه السَّلام.

وعن الثاني في قوله:(أن الغسل له تأثير في إزالة

[ص 430]

الأجسام): بأن ما في القلب من الدم الأسود لا يبعد أن يكون حصوله فيه علامة مؤذية للقلب إلى ميله إلى المعاصي، وإبعاده عن الطاعات، وتكون إزالته عنه سببًا لمواظبة صاحبه على الطاعات، واحترازه عن الشهوات المنبعثة عن توجه القوة الطبيعية إليها، فتكون إزالته عنه مسلتزمة؛ لامتلائه بالعلم والإيمان، فصح أن يعبر عن تطهير قلبه عليه السَّلام من ذلك الدم بامتلائه بالعلم والإيمان، فالمراد بما روي ظاهره هذا، بل هو رمز إلى توسيع الصدر وتفسيحه.

قلت: ويجاب عن الثالث: بأن إملاءه العلم والإيمان يصح أن يكون بواسطة جبريل عليه السَّلام، ويدل عليه: أن جبريل كان ينزل على النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بالوحي من الله عز وجل، فلو لم يصح هذا يلزم التعطيل في النبوة، وهو محال، ويؤيده قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7] ؛ يعني: وجدك ضالًّا عن الحكم والإحكام، فعلمك بالوحي والإلهام، والمراد: وجدك غافلًا عن علوم النبوة والأحكام الشرعية، فهداك إليها؛ كقوله تعالى: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ} [الشورى: 52] ، ولا ريب أن معرفة هذا يحتاج إلى واسطة جبريل عليه السَّلام، والله تعالى أعلم بالصواب.

(ثم أخذ بيدي) ؛ أي: جبريل، ويحتمل أنه أخذه من اليدين جميعًا، ويحتمل أنه أخذه من اليد الواحدة، فإن لفظ (بيدي) يحتمل المعنيين، لكن الظاهر الثاني؛ لأنَّه المتعارف في اللغة؛ فافهم، (فعرج بي) وفي رواية: (فعرج به) ؛ بضمير الغائب، وهو من باب التجريد، فكأنه عليه السَّلام جرد من نفسه شخصًا، وأشار إليه، وفيه وجه آخر: وهو أنَّ الراوي نقل كلامه بالمعنى لا بلفظه بعينه، قاله إمام الشَّارحين.

قلت: ونقل الراوي بالمعنى صحيح جائز لمن كان متقنًا لاسيما الراوي المذكور، وزعم ابن حجر أن فيه التفاتًا، ورده إمام الشَّارحين: بأنه غير صحيح، وإنما هذا من التجريد، كما ذكرناه، والعروج: الصعود، يقال: عرَج يعرُج عروجًا، من باب (نصر ينصر) ، وقال ابن سيده: (عرج في الشيء، وعليه يعرُج، ويعرِج عروجًا: رقى، وعرج الشيء وهو عريج: ارتفع وعلا، والمعراج؛ بالكسر: شبه مفعال، من العروج؛ كأنه آلة له، فالمعراج: شبه سلَّم تعرج عليه الأرواح، وقيل: هو حيث تصعد عليه أعمال بني آدم) انتهى.

(إلى السماء) : وهي كل ما علاك فأظلك، وهذا يدل على رسالة نبينا النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وكذا نزول جبريل عليه السَّلام وعلى خصوصية بأمور لم يعطها أحد غيره عليه السَّلام، فجبريل هو الذي ينزل عليه عليه السَّلام من عند الله، وبأمره عز وجل، فإنه كان واسطة الوحي، ويفهم من قوله: (ثم أخذ بيدي) : أنَّ المعراج وقع غير مرة؛ لكون الإسراء إلى بيت المقدس لم يذكر ههنا، كذا قاله بعضهم، وزعم ابن حجر أنه يمكن أن يقال: هو من باب اختصار الراوي، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا غير مقنع؛ لأنَّ الراوي لا يختصر ما سمعه عمدًا) انتهى.

ثم قال إمام الشَّارحين: (والذي يفهم من ترتيب البخاري ههنا أنَّ الإسراء والمعراج واحد؛ لأنَّه قال أولًا: كيف فرضت الصلاة في الإسراء؟ ثم أورد الحديث، وفيه: «ثم عرج بي إلى السماء» ، وظاهر إيراده في «أحاديث الأنبياء» عليهم السلام يقتضي أنَّ الإسراء غير المعراج، فإنه ترجم للإسراء ترجمة، وأخرج فيها حديثًا، ثم ترجم للمعراج ترجمة، وأخرج فيها حديثًا) انتهى.

(فلما جئت) أي: وصلت (إلى السماء الدنيا) وهي السماء الأولى، و (الدُّنيا) ؛ بضم الدال المهملة، من الدنوِّ، أوهو القرب، وسميت بذلك؛ لدنوها؛ أي: قربها من الآخرة، وروى ابن حبان في «صحيحه» مرفوعًا: «بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام» ، وذكر في كتاب «العظمة» لأبي سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي، عن عبد الله قال: «ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مئة عام، وبين السماء إلى السماء التي تليها مثل ذلك، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي كذلك، والماء على الكرسي، والعرش على الماء» .

وقال ابن أبي شيبة أبو جعفر محمد بن عثمان في كتابه «العرش» بإسناده إلى العباس قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «هل تدرون كم بين السماء والأرض؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «بينهما خمس مئة عام، وكثف كل سماء خمس مئة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض» ، وروي أيضًا عن أبي ذر مرفوعًا مثله، كذا في «عمدة القاري» .

(قال جبريل لخازن السماء) ؛ أي: حافظها الموكل بها.

فإن قلت: كيف يتصور الصعود إلى السموات وما فوقها بالجسم الإنساني؟

قلت: أجيب: بأن الأرواح أربعة أقسام:

الأول: الأرواح الكدرة بالصفات البشرية، وهي أرواح العوام غلبت عليها القوى الحيوانية، فلا تقبل العروج أصلًا.

والثاني: الأرواح التي لها كمال القوة النظرية للبدن باكتساب العلم، وهذه أرواح العلماء.

والثالث: الأرواح التي لها كمال القوة المدبرة للبدن باكتساب الأخلاق الحميدة، وهذه أرواح المرتاضين إذا كسروا؛ قوَّى أبدانهم بالارتياض والمجاهدة.

والرابع: الأرواح التي حصل لها كمال القوتين، وهذه غاية الأرواح البشرية، وهي الأنبياء عليهم السلام الصديقون، فكلما ازدادت [1] قوة أرواحهم؛ ازداد ارتفاع أبدانهم من الأرض، ولهذا لما كان الأنبياء عليهم السلام قويت فيهم هذه الأرواح؛ عرج بهم إلى السماء، وأكملهم قوة نبينا النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فعرج به إلى قاب قوسين أو أدنى، كذا قرره إمام الشَّارحين.

(افتح) ؛ أي: افتح الباب، وفي رواية شريك عند المؤلف: (فضرب بابًا من أبوابها) ، وهذا يدل على أنَّ الباب كان مغلقًا، والحكمة أنَّ السماء لم تفتح إلا لأجله بخلاف ما لو وجده مفتوحًا، وهذا يدل أيضًا على أن عروجه عليه السَّلام كان بجسده؛ إذ لو لم يكن بجسده؛ لما استفتح، قاله إمام الشَّارحين، ففي الحديث أن للسماء أبوابًا حقيقية، وحفظة موكلين بها، (قال) ؛ أي: الخازن (من هذا) ؛ بفتح الميم؛ أي: من هذا الذي يقرع الباب؟ (قال: جبريل) ولغير أبي ذر: (قال: هذا جبريل) ، ففيه إثبات الاستئذان، وأن يقول: فلان، ولا يقول: أنا، كما نهي عنه في حديث جابر، ولأنه لا فائدة فيه؛ لبقاء الإبهام، فإذا استأذن أحد بدق الباب ونحوه، فإذا قيل له: من أنت؟؛ يقول:

[ص 431]

زيد الكاتب الفلاني، ولا يقتصر على زيد مثلًا؛ لأنَّ المسمى بزيد كثير، فيشتبه عليه، بل يذكر الشيء الذي هو مشهور به بين الناس، أفاده إمام الشَّارحين.

(قال) أي: الخازن: (هل معك أحد) ؛ أي: من الأنبياء عليهم السلام، وهذا يدل على أنَّ الخازن عنده علم وعادة في مجيء نبي من الأنبياء عليهم السلام مع جبريل، وأن عادة جبريل هذه، وهذا يدل على أن عروجه عليه السَّلام كان بروحه؛ إذ لو لم يكن بروحه؛ لما قال: هل معك أحد؟ فإنَّ هذا يدل على أن عادة جبريل المجيء للخازن ومعه أحد من الأنبياء عليهم السلام، لكن قد يقال: إن مجيئهم ليس لأجل المعراج، بل تأتي روحهم لأجل دخول الجنة، فالمعراج خاص بنبينا عليه السَّلام؛ فتأمل.

(قال) جبريل للخازن: (نعم) معي (محمد) ؛ أي: النبي الأعظم سيد الأنبياء ورئيسهم صلى الله تعالى عليه وسلم، (قال) أي: الخازن: (أأرسل إليه؟) ؛ بهمزتين؛ أولاهما: للاستفهام، وهي مفتوحة، والثانية: همزة التعدية، وهي مضمومة، وفي رواية الكشميهني: (أوَأرسل؟) ؛ بواو مفتوحة بين الهمزتين، وهذا السؤال من الملك الذي هو خازن السماء، يحتمل وجهين؛ أحدهما: الاستعجاب بما أنعم الله تعالى عليه من هذا التعظيم والإجلال حتى أصعده إلى السماوات، والثاني: الاستبشار بعروجه؛ إذ كان من اليقين [2] عندهم أن أحدًا من البشر لا يرتقي إلى أسباب السماء من غير أن يأذن الله له ويأمر ملائكته بإصعاده، أفاده في «عمدة القاري» ، وزعم ابن حجر: أنه يحتمل أن يكون قد خفي عليه أصل إرساله؛ لاشتغاله بعبادته، ورده إمام الشَّارحين فقال: كيف يخفى عليه ذلك؛ لاشتغاله بعبادته، وقد قال أولًا: من هذا؟ حين قال جبريل: افتح، وقال أيضًا: هل معك أحد؟ قال جبريل: نعم؛ معي محمد، وأين الخفاء بعد ذلك، وأين الاشتغال بالعبادة في هذا الوقت وهو وقت المحاورة والسؤال، وأمر نبوته كان مشهورًا في الملكوت؛ لأنَّها لا تخفى على خزان السماوات وحراسها؟! فحينئذٍ لا يكون السؤال عن أصل الرسالة، وإنما كان سؤالًا عن أنه أرسل إليه للعروج والإسراء، فحينئذٍ احتمل سؤالهم الوجهين المذكورين.

[1] في الأصل: (ازداد) ، وهو تحريف.

[2] في الأصل: (التين) ، وهو تحريف.

فإن قلت: جاء في رواية شريك: (أو قد بعث إليه؟) ، وهذا يؤيد ما قاله هذا القائل.

قلت: معنى (أرسل) و (بعث) سواء على أنَّ المعنى هنا أيضًا: أو قد بعث إلى هذا المكان؟! وذلك استعجاب منه واستعظام لأمره) انتهى كلامه.

قلت: وقوله: (لاشتغاله بعبادته) : لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم أن عبادته حراسته لباب السماء، وقعوده عند بابها، وذلك بأمر من الله عز وجل، فأمره سبحانه وتعالى لا ريب أنه عبادة، وهذه العبادة عظيمة، ويفهم من قول الخازن: أأرسل إليه؟ أنه إذا لم يكن قد أرسل إليه لا يفتح الباب له، وهو كذلك؛ لأنَّ الأنبياء معصومون من المعاصي، والسماء لم يعص فيها أحد قط، فإذا كان نبيًّا؛ فتح له، وإلا؛ فلا، وهذا يدل على بطلان قول من يقول: إن غير الأنبياء عليهم السلام يفتح لهم كالمتصوفة، والمتزندقة، وزعموا العصمة لهم، فهذا الحديث يدل صريحًا على أن غير المرسلين عليهم السلام لا يفتح له الخازن الباب، وأنَّهم غير معصومين، والأنبياء عليهم السلام معصومون، ولا تجوز العصمة إلا لهم عليهم السلام، وهذا قول أهل التحقيق من أهل السنة والجماعة؛ فليحفظ.

(قال) أي: جبريل: (نعم) أرسل إليه، ففتح لهما، (فلما فتح) أي: الخازن الباب؛ (علونا السماء الدنيا) : ضمير الجمع فيه يدل على أنه كان معهما ملائكة آخرون، فكأنَّهما كلما عديا سماء؛ تشيعها الملائكة إلى أن يصلا إلى سماء أخرى، و (الدنيا) صفة (السماء) في محل النصب بمعنى: أنه لا يظهر النصب، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» ، وتبعه الشراح منهم القسطلاني.

قلت: والمراد بضمير الجمع هو (نا) في (علونا) ، فإنها للمتكلم، ومعه غيره، كما هو معلوم، فالنبي الأعظم، والثاني: جبريل، والثالث: الخازن، وغيره، ولا ريب أن ذلك جمع، فصدق عليه أنه ضمير جمع، وإنما لم يظهر النصب في (الدنيا) ؛ لوجود الألف التي هي أخت الفتحة، فاشتركا في مخرج واحد، فلم يظهر النصب؛ فليحفظ.

وفي «عمدة القاري» : (وفي الحديث: أن رسول الرجل يقوم مقام إذنه؛ لأنَّ الخازن لم يتوقف عن الفتح له على الوحي إليه بذلك، بل عمل بلازم الإرسال إليه) انتهى.

قلت: فإن كان قد أرسل إليه؛ يفتح له، وإلا؛ فلا؛ فليحفظ.

(فإذا رجل قاعد) وفي رواية: (إذا) ؛ بدون الفاء، وكلمة (إذا) للمفاجأة، وتختص بالجملة الاسمية؛ للمفاجأة، ولا تحتاج إلى جواب، وهي حرف عند الأخفش، وظرف مكان عند المبرد، وظرف زمان عند الزجاج، (على يمينه أَسودة) ؛ بفتح الهمزة، جمع سواد؛ كالأزمنة جمع زمان، والسواد: الشخص، وقيل: الجماعات، وسواد الناس: عوامهم، وكل عدد كثير، ويقال: هي الأشخاص من كل شيء، وقال أبو عبيد: هو شخص كل شيء من متاع أو غيره، والجمع أسودة، وأساود جمع الجمع، كذا في «عمدة القاري» .

(وعلى يساره أسودة) كذلك، (إذا نظر قِبَل) ؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة (يمينه) كلام إضافي، منصوب بقوله: (نظر) (ضحك) جواب (إذا) فرحًا مسرورًا، (وإذا) للمفاجأة أيضًا كما سبق (نظر قِبَل) ؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة (شماله) وللأربعة: (يساره) كلام إضافي، منصوب بقوله: (نظر) (بكى) حزنًا وتأسفًا، (قال) ؛ أي: هذا الرجل (مَرحبًا) ؛ بفتح الميم، منصوب بأنه مفعول مطلق؛ أي: أصبت سعة لا ضيقًا، والنصب فيه كما في قولهم: أهلًا وسهلًا؛ ومعناه: أصبت رحبًا وسهلًا، فاستأنس ولا تتوحش، وهي وأمثالها كلمة تقال عند تأنيس القادم (بالنبي الصالح، والابن الصالح) ومعنى (الصالح) : هو القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق العباد، وكلهم قالوا له: (بالنبي الصالح) ؛ لشموله على سائر الخلال المحمودة الممدوحة من الصدق، والأمانة،

[ص 432]

والعفاف، والفضل، ولم يقل له أحد: مرحبًا بالنبي الصادق، ولا: بالنبي الأمين؛ لما ذكرنا أنَّ الصلاح شامل لسائر أنواع الخير، كذا قاله إمام الشَّارحين.

(قلت) أي: قال النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قلت (لجبريل: مَن) بفتح الميم (هذا) ؛ أي: الرجل القاعد على يمينه أسودة وعلى يساره كذلك؟ (قال) أي: جبريل: (هذا آدم) ؛ أي: أبو البشر، قيل: إن اسم آدم سرياني، وقيل: مشتق، فقيل: أفعل من الأدمة، وقيل: من لفظ الأديم؛ لأنَّه خلق من أديم الأرض، قال النضر بن شميل: (سمي آدم؛ لبياضه) ، وذكر محمد بن علي: (إن الآدم من الظباء الطويل القوائم) ، وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إن الله خلق آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا، فكل من يدخل الجنة على صورته وطوله، وولد له أربعون ولدًا في عشرين بطنًا، في كل بطن ذكر وأنثى، إلا شيثًا، فإنه ولد وحده» ، وعاش عليه السَّلام ألف سنة، وكنيته: أبو البشر، كما ذكرنا، وأبو الأنبياء المرسلين، وقيل: أبو محمد، وروى ابن عساكر من حديث علي رضي الله عنه مرفوعًا: «أهل الجنة ليس لهم كنى إلا آدم، فإنه يكنى أبا محمد» ، وفي حديث كعب الأحبار: (ليس لأحد من أهل الجنة لحية إلا آدم، فإن له لحية سوداء إلى سرته) ، وذلك؛ لأنَّه لم يكن له لحية في الدنيا، وإنما كانت اللحى بعد آدم، ولما أهبط من الجنة؛ هبط بسرنديب من الهند على جبل يقال له: نَوَد، ولما حضرته الوفاة؛ اشتهى قطف عنب، فانطلق بنوه ليطلبوه، فلقيتهم الملائكة، فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: إن أبانا اشتهى قطفًا، فقالوا: ارجعوا قد كفيتموه فرجعوا؛ فوجدوه قد قبض، فغسلوه، وحنطوه، وكفنوه، وصلى عليه جبريل عليه السَّلام، والملائكة خلفه، وبنوه خلفهم، ودفنوه، وقالوا: هذه سنتكم في موتاكم، ودفن في غار يقال له الكنز في أبي قبيس، فاستخرجه نوح عليه السَّلام في الطوفان وأخذه، وجعله في تابوت معه في السفينة، فلما نضب الماء؛ رده نوح عليه السَّلام إلى مكانه، كذا في «عمدة القاري» .

(وهذه الأسودة) ؛ أي: التي (عن يمينه وشماله نَسَم) ؛ بفتح النون والسين المهملة، والنسمة: نفس الروح، وما بها نسمة؛ أي: نفس، والجمع نسم، قاله ابن سيده، وزعم الخطابي هي النفس (بنيه) والمراد: أرواح بني آدم، وزعم ابن التين ورويناه: (شيم) بني آدم، والأولى أشبه، قاله إمام الشَّارحين.

(فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار) فإن الجنة فوق السماء السابعة في جهة يمين آدم، والنار في الأرض السابعة في جهة يساره، فيكشف الله له عنهما، كما سيأتي، (فإذا نظر عن يمينه؛ ضحك، وإذا نظر قبل شماله؛ بكى) ففيه دلالة على أن نسم أهل النار في السماء، وقد جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، فكيف تكون مجتمعة في السماء؟!

وأجيب: بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا، فصادف وقت عروضها مرور النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم.

فإن قلت: لا تفتح أبواب السماء لأرواح الكفار كما هو نص القرآن.

قلت: يحتمل أنَّ الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار في جهة شماله، وكانت يكشف له عنهما، ويحتمل أن يقال: إنَّ النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم وشماله، وقد أعلمه الله تعالى بما سيصيرون إليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى من على يمينه، ويحزن إذا نظر إلى من على يساره، قاله إمام الشَّارحين.

(حتى عَرَجَ) ؛ بفتحات؛ أي: صعد (بي) ؛ أي: جبريل، ولابن عساكر: (به) ، وهو من باب التجريد، كما سبق (إلى السماء الثانية، فقال) أي: جبريل (لخازنها) ؛ أي: الملك الموكل بحفظها: (مثل ما قال الأول) ؛ يعني: قال لخازنها: افتح الباب، قال الخازن: من هذا الذي يقرع الباب؟ قال: جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم؛ معي محمد صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: أأرسل إليه؟ قال جبريل: نعم؛ أرسل إليه، (ففتح) ؛ أي: الخازن لهما باب السماء الثانية، (قال) وفي رواية: (فقال) (أنس) : هو ابن مالك رضي الله عنه، (فذكر) ؛ أي: أبو ذر جندب ابن جنادة الغفاري (أنه) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (وجد في السماوات) ؛ أي: السبع (آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم صلوات الله عليهم) .

فإن قلت: كيف رأى النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم الأنبياء في السماوات، ومقرهم في الأرض؟

أجيب: بأن الله تعالى شكل أرواحهم على هيئة صور أجسادهم، ذكره ابن عقيل، وكذا ذكره ابن التين، وقال: (وإنما تعود أرواحهم إلى الأجساد يوم البعث إلا عيسى بن مريم عليه السَّلام، فإنه لم يمت وهو ينزل إلى الأرض) انتهى.

واعترضهما إمام الشَّارحين فقال: (الأنبياء أحياء، فقد رآهم عليه السَّلام حقيقة، وقد مر على موسى عليه السَّلام وهو قائم في قبره يصلي، ورآه في السماء السادسة) انتهى.

قلت: يعني: أنَّ الأنبياء عليهم [السلام] أحياء حقيقة، يدل عليه قوله عليه السَّلام في هذا الحديث: (وجد ... إلى آخره) ، وهو يدل على أنه رآهم أحياء حقيقة، وكيف وقد قال تعالى في حق الشهداء: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [3]

فالمراد بقوله: {عِندَ رَبِّهِمْ} ؛ يعني: في الجنة، والجنة فوق السماوات، وإنَّهم أحياء حقيقة، كما نطق به الكتاب العزيز، فلا يكون الشهداء أرقى من الأنبياء، بل الأنبياء عليهم السلام أرقى حالًا منهم، كما لا يخفى؛ لأنَّه ليس فوق درجة النبوة شيء، خلافًا للمتصوفة الزاعمين ذلك، وهو كفر وزندقة؛ فليحفظ.

(ولم يثبت) : من الإثبات (كيف منازلهم) ؛ أي: لم يعين أبو ذر لكل نبي منهم سماء معينًا (غير أنه) ؛ أي: أبا ذر (ذكر أنه) ؛ أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة) نعم في «الصحيحين» من حديث أنس، عن مالك بن صعصعة: (أنه وجد آدم في السماء الدنيا) ، كما سلف في حديث أبي ذر، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم، وهو مخالف لرواية أنس عن أبي ذر: (أنه وجد إبراهيم في السماء السادسة) ، وكذا جاء في «صحيح مسلم» .

وأجيب: بأن الإسراء إن كان وقع مرتين؛ فيكون رأى إبراهيم في أحدهما؛ أي: أحد السماءين، ويكون استقراره ووطنه بها، والثانية في سماء غير وطنه، وإن كان الإسراء وقع مرة واحدة؛ فيكون رآه أولًا في السماء السادسة، ثم ارتقى معه إلى السماء السابعة، كذا قرره إمام الشَّارحين.

[ص 433]

وزعم ابن حجر أنَّ المعراج إن كان وقع مرة واحدة، فالأرجح رواية الجماعة؛ لقوله فيها: إنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وهو في السماء السابعة بلا خلاف، ورده إمام الشَّارحين فقال: وقول هذا القائل: (بلا خلاف) غير صحيح؛ لأنَّ فيه خلافًا، فقد روي عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع: (أنه في السماء الدنيا) ، وروي عن علي: (أنه عند شجرة طوبى في السماء السادسة) ، وروي عن الضحاك ومجاهد: (أنه في السماء السابعة) .

فإن قلت: كيف يجمع بين هذه الأقوال وفيها منافاة؟

قلت: لا منافاة بينها؛ لأنَّه يحتمل أنَّ الله تعالى رفعه ليلة المعراج إلى السماء السادسة عند سدرة المنتهى، ثم إلى السماء السابعة تعظيمًا للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم حتى يراه في أماكن، ثم أعاده إلى السماء الدنيا.

وفي «تفسير» الحافظ النسفي: البيت المعمور: حذاء العرش بحيال الكعبة، يقال له: الضراح، حرمته في السماء كحُرمة [4] الكعبة في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، يطوفون به، ويصلون فيه، ثم لا يعودون إليه أبدًا، وخادمه ملك يقال له: رزين، وقيل: كان في الجنة، فحمل إلى الأرض؛ لأجل آدم، ثم رفع إلى السماء أيام الطوفان.

قلت: الضُّراح؛ بضم الضاد المعجمة، وبالحاء المهملة، وقال الصاغاني: ويقال له: الضريح أيضًا، انتهى كلام إمامنا في «عمدة القاري» .

(قال أنس) : هو ابن مالك، وظاهره أن أنسًا لم يسمع من أبي ذر هذه القطعة الآتية، قاله إمام الشَّارحين.

قلت: وهي قوله: (فلما مَرَّ) ؛ بفتح الميم، وتشديد الراء المفتوحة، من المرور (جبريل بالنبي) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ يعني: في السماوات مصاحبًا لنبينا عليه السَّلام (بإدريس) والجار والمجرور في الموضعين يتعلقان كلاهما بقوله: (مر) ، فالأولى للمصاحبة كما ذكرنا، والثانية للإلصاق، أو بمعنى: على، وجاز تعلق حرفين من جنس واحد بمتعلق واحد وإن كانا ليسا من جنس واحد؛ لصحة المعنى في ذلك، خلافًا لمن منعه، بل هذا يدفعه، أفاده إمام الشَّارحين.

(قال) ؛ أي: إدريس حين رأى النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: (مرحبًا) ؛ بالنصب على المفعولية المطلقة؛ يعني: أتيت مكانًا رحبًا واسعًا سهلًا (بالنبي الصالح) ؛ أي: القائم بحقوق الله، وحقوق عباده (والأخ الصالح) وإنما لم يقل: والابن كما قال آدم؛ لأنَّ إدريس لم يكن من آبائه عليه السَّلام، كذا قاله القسطلاني.

قلت: وكان ينبغي لإدريس أن يقول: والابن؛ لأنَّه أكبر سنًّا منه، لكنه لما علم أنه أفضل منه حيث جاء إلى مكان لم يجئه أحد قبله عليه السَّلام؛ علم بالقرينة أنه أفضل منه قدرًا عند الله عز وجل، فوصفه بالأخوة، وهي تقتضي المشاركة في النبوة فقط؛ فليحفظ.

(فقلت) ؛ أي: قال النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم فقلت: (مَن) ؛ بفتح الميم (هذا؟) ؛ أي: يا جبريل الذي قال هذا القول، (قال) : وللأصيلي: (فقال) ؛ أي: جبريل (هذا إدريس) عليه السَّلام، وسمي به؛ لدرسه الصحف الثلاثين التي أنزلت [5] عليه، فقيل: إنه خنوخ، ويقال: أحنوخ، ويقال: أخنخ، ويقال: أهنخ بن برد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شيث بن آدم عليه السَّلام، واسم أمه: بره، وخنوخ اسم سرياني؛ ومعناه بالعربية: إدريس، قال وهب: هو جد نوح عليه السَّلام، وقد قيل: إنه إلياس، وإنه ليس بجد نوح، ولا هو في عمود هذا النسب، ونقله السهيلي عن ابن العربي، ويشهد له حديث الإسراء حيث قال فيه: (مرحبًا بالأخ الصالح) ، ولو كان في عمود هذا النسب؛ لقال له كما قال إبراهيم: (والابن الصالح) ، وزعم ابن حجر أن إدريس كان نبيًّا في بني إسرائيل، فإن كان كذلك؛ فلا اعتراض عليه، وزعم النووي يحتمل أنه قاله تلطفًا وتأدبًا، وهو أخ وإن كان ابنًا، والأبناء إخوة، والمؤمنون إخوة، وزعم ابن المنير أكثر الطرق على أنه خاطبه بالأخ، قال: وقال لي ابن أبي الفضل صحت لي طريق أنه خاطبه فيها: (بالابن الصالح) ، وقال المارزي: ذكر المؤرخون: أن إدريس أرسل إليه، ولم يصح قول النسابين: إنه نوح؛ لأخبار نبينا عليه السَّلام في الحديث الصحيح: «ائتوا نوحًا، فإنه أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض» ، وإن لم يقم دليل جازم، وقال: وصح أن إدريس كان نبيًّا، ولم يرسل إليه، قال السهيلي: (وحديث أبي ذر الطويل يدل على أن آدم وإدريس رسولان) .

قلت: حديث أبي ذر أخرجه ابن حبان في «صحيحه» رفع إلى السماء الرابعة، ورآه عليه السَّلام فيها، ورفع وهو ابن ثلاث مئة وخمس وستين سنة)، كذا في «عمدة القاري» .

(ثم مررت بموسى) : هو ابن عمران عليه السَّلام صاحب الخضر، نبي بني إسرائيل، المتوفى في التيه في سابع إدار لمضي ألف سنة وست مئة وعشرين سنة من الطوفان عن مئة وستين سنة؛ يعني: قال النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: «ثم مررت بموسى» ، ففي الكلام حذف؛ تقديره هكذا؛ لأنَّه قال أولًا: (فلما مر جبريل) ، فما وجه قوله بعد: (ثم مررت بموسى) ؟

فالذي قدرناه هو وجهه، وفيه وجه آخر، وهو أن يكون الأول نقلًا بالمعنى، والثاني يكون نقلًا باللفظ بعينه، كذا قاله إمام الشَّارحين.

(فقال) ؛ أي: موسى له (مرحبًا بالنبيِّ الصالح، والأخ الصالح) وسقط قوله: (والأخ الصالح) في رواية الأربعة، (قلت) ؛ أي: قال النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: «قلت» ، وفي رواية: (فقلت) (من هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا موسى) بني إسرائيل: هو ابن عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوى بن يعقوب عليه السَّلام، (ثم مررت بعيسى) ؛ أي: صاحب الإنجيل، (فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح) قال عليه السَّلام (فقلت) : وفي رواية: (قلت) (من هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا عيسى) : هو ابن مريم، وسقط لفظة (هذا) عند أبي ذر، ومريم بنت عمران بن أسهم من ولد سليمان بن داود عليه السَّلام، وليس عمران هذا عمران والد موسى وهارون؛ لأنَّ عمران والد مريم كان بعد والد موسى بألف وثمان مئة سنة، والمراد بالـ (كلمة) في قوله تعالى: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ} [آل عمران: 39] : هو عيسى عليه السَّلام، وهو قول الجمهور، وكان يحيى عليه السَّلام أول من صدق بعيسى وآمن به.

وقال السدي: (لقيت أم يحيى أم عيسى، وهذه حاملة بعيسى وتلك بيحيى، فقالت: يا مريم؛ شعرت أني حبلى، فقالت مريم: وأنا أيضًا حبلى، قالت امرأة زكريا: وإني [6] وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذاك قوله تعالى: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ} ) .

قال ابن عباس: (إن يحيى كان أكبر سنًّا من عيسى بستة أشهر) ، وكان يحيى أول من صدق وآمن بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى عليه السَّلام قبل أن يرفع [7] عيسى عليه السَّلام، وإنما سمي روحًا؛ لأنَّه أحيا الله به من الضلالة كما يحيي الإنسان

[ص 434]

بالروح، وإنما سمي كلمة؛ لأنَّه بها تكون، والمسيح لقبه، وهو من الألقاب المشرفة؛ كالصديق، وأصله بالعبرانية مشيحا؛ ومعناه: المبارك، وعيسى اسمه معرب أيشوع، وابن مريم كنيته، وإنما قيل: ابن مريمتنبيهًا إلى أنه يولد من غير أب؛ لأنَّ الأولاد تنسب إلى الآباء، ولا تنسب إلى الأم إلا إذا فقد الأب، والمسيح مشتق من المسح؛ لأنَّه مسح الأرض، ولم يقم في موضع، وقيل: لأنَّه مسح بالبركة، أو بما طهره من الذنوب، وعيسى مشتق من العيس؛ وهو بياض يعلوه حمرة، وقد أخبر نبينا عليه السَّلام: بأنَّ وجهه كأنَّه خرج من ديماس؛ أي: حمام.

(ثم مررت) ؛ أي: في السماء (بإبراهيم) ؛ ومعناه: أب راحم، وكنيته أبو الضيفان، قيل: إنه ولد بغوطة دمشق ببرزة في جبل قاسيون، والصحيح: أنه ولد بكوثا من إقليم بابل من العراق، وكان بينه وبين نوح عدة قرون، وقيل: ولد على رأس ألفي سنة من خلق آدم عليه السَّلام، وذكر الطبري: (أن إبراهيم إنَّما نطق بالعبرانية حين عبر النهر فارًّا من نمرود اللعين، فقال نمرود للذين أرسلهم في طلبه: إذا وجدتم فتَى يتكلم بالسريانية؛ فردوه، فلما أدركوه؛ استنطقوه، فحول الله لسانه عبرانيًّا، وذلك حين عبر النهر، فسميت العبرانية بذلك) .

قلت: والمراد من هذا النهر هو الفرات، وبلغ إبراهيم مئتي سنة، وقيل: ينقص خمسة وعشرين، ودفن بالبلد المعروفة بالخليل صلَّى الله عليه وسلَّم، قاله إمام الشَّارحين.

[4] في الأصل: (كحرمته) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[5] في الأصل: (أنزلت على عليه) .

[6] في الأصل: (وفإني) ، وليس بصحيح.

[7] في الأصل: (رفع) ، ولعله تحريف.

(فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح) إنَّما وصفه بالبنوة؛ لأنَّه عليه السَّلام من أولاده، ولأنه أبو الأنبياء، فإن يعقوب عليه السَّلام من ذريته، وهو جده، وهو أول بني إسرائيل، وآخرهم عيسى عليه السَّلام، فالأنبياء بينهما كثير، فهو الأب الثاني كما قيل، (قلت: من هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا إبراهيم) ؛ أي: خليل الرحمن عليه السَّلام، وإنما عين النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم من الأنبياء آدم، وإدريس، وإبراهيم، وموسى، وعيسى في حديث هذا الباب، وفي غيره ذكر أيضًا يحيى، ويوسف، وهارون، وهم ثمانية.

وأجيب: أما آدم عليه السَّلام؛ فإنه خرج من الجنة بعداوة إبليس عليه اللعنة له وتحيله، وكذلك نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم خرج من مكة بأذى قومه له ولمن أسلم معه، وأيضًا فإن الله تعالى أراد أن يعرض على نبيه عليه السَّلام نسم بنيه من أهل اليمين وأهل الشمال؛ ليعلم بذلك أهل الجنة وأهل النار، وأما إدريس عليه السَّلام؛ فإنه كان أول من كتب بالقلم وانتشر منه بعده في أهل الدنيا، فكذلك نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم كتب إلى الآفاق، وأما موسى عليه السَّلام؛ فإن أمره آل إلى قهر الجبابرة وإخراجهم من أرضهم، فكذلك نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، فإن اليهود أرادوا قتله حين سمُّوا له الشاة، فنجاه الله تعالى من ذلك، وأما إبراهيم عليه السَّلام؛ فإن نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وكذلك حال نبينا عليه السَّلام كان في حجة البيت العتيق، واختتام عمره بذلك نظير لقائه إبراهيم في آخر السماوات، وأما عيسى عليه السَّلام؛ فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكذلك نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، وتنطق له الغزالة، والجمل، والكتف المسموم، وأما يحيى عليه السَّلام؛ فإن نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم رآه مع عيسى في السماء، وإنه رأى من اليهود ما لا يوصف حتى ذبحوه، فكذلك صلَّى الله عليه وسلَّم رأى من قريش ما لا يوصف، ولكن الله تعالى نجاه منهم، وأما يوسف عليه السَّلام؛ فإنه لما عفا عن إخوته حيث قال: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ... } ؛ الآية [يوسف: 92] ؛ فكذلك نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم عفى عن قريش يوم فتح مكة، وأما هارون عليه السَّلام؛ فإنه كان محببًا إلى بني إسرائيل حتى إن قومه كانوا يؤثرونه على موسى عليه السَّلام، فكذلك نبينا الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم صار محببًا عند سائر الخلق الإنس، والجن، والوحوش، والطيور.

فإن قلت: قوله في الحديث: (ولم يثبت كيف منازلهم) يخالفه كلمة (ثم) التي هي للترتيب.

قلت: أجيب: بأن أنسًاإما لم يرو هذا عن أبي ذر، وإما أن يقال: لا يلزم منه تعيين منازلهم لبقاء الإبهام فيه؛ لأنَّ إبراهيم بينه وبين آدم ثلاثة من الأنبياء، وأربعة من السماوات، أو خمسة؛ لأنَّه جاء في بعض الروايات: (أن إبراهيم في السماء السابعة) ، كذا قاله إمام الشَّارحين.

قلت: يعني: إن (ثم) هنا للترتيب الذكري، وليست على بابها من الترتيب في المنازل، وقد يقال: إنَّ هذا جارٍ على القول بتعدد المعراج؛ لأنَّ الروايات قد اتفقت على أنَّ المرور بإبراهيم كان قبل المرور بموسى عليهما السلام؛ فليحفظ.

(قال ابن شهاب) : هو محمد بن مسلم الزهري: (فأخبرني) ؛ بالإفراد (ابن حَزْم) ؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي: هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني قاضي المدينة وأميرها زمن الوليد، وأبوه محمد، وله في عهد النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمر عليه السَّلام أباه أن يكنيه بأبي عبد الملك، وكان فقيهًا فاضلًا، قتل يوم الحرة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وهو تابعي، وذكره ابن الأثير في الصحابة، ولم يسمع الزهري منه؛ لتقدم موته، كذا قاله إمام الشَّارحين، وقول القسطلاني: (إنه مات سنة عشرين ومئة عن أربع وثمانين سنة) : فيه نظر؛ لأنَّ صوابه أنه عن ثلاث وخمسين سنة؛ فافهم.

(أن) بفتح الهمزة (ابن عباس) : هو عبد الله رضي الله عنهما (وأبا حَبَّة) ؛ بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة، وهو المشهور، وقال القابسي: (بالمثناة التحتية) ، وغلطوه في ذلك، وقال الواقدي: (بالنون) (الأنصاري) البدري، واختلف في اسمه، فقال أبو زرعة: (إنه عامر) ، وقيل: عمرو، وقيل: ثابت، وقال الواقدي: (إنه مالك) .

فإن قلت: في هذا الإسناد وهم؛ لأنَّ رواية أبي بكر عن أبي حبة منقطعة؛ لأنَّه استشهد يوم أحد قبل مولد أبي بكر بدهر، بل قبل مولد أبيه محمد أيضًا، ففي هذه الرواية وهم؛ لأنَّه إن كان المراد بـ (ابن حزم) أبا بكر؛ فهو لم يدرك أبا حبة، وإن كان محمد؛ فهو لم يدركه الزهري.

قلت: أجيب: بأن ابن حزم رواه عنه مرسلًا؛ حيث قال: (إن ابن عباس وأبا حبة) ، ولم يقل: سمعت، وأخبرني،

[ص 435]

ونحوهما، فلا وهم فيه، وهكذا أيضًا في «صحيح مسلم» ، كذا قاله إمام الشَّارحين؟

قلت: وقول أبي زرعة إن اسمه عامر هو ابن عبد عمرو بن عمير بن ثابت، وأنكر الواحدي أن يكون في البدرين من يكنى أبا حبة؛ بالموحدة، وقال في «الإصابة» : وروى عنه أيضًا عمار بن أبي عمار، وحديثه عنه في «مسند» ابن أبي شيبة، وأحمد ابن حنبل، وصححه الحاكم، وصرح بسماعه منه، وعلى هذا؛ فهو غير الذي ذكر ابن إسحاق: أنه استشهد بأحد، وله في الطبراني حديث آخر من رواية عبد الله بن عمرو بن عثمان عنه، وسنده قوي إلا أن عبد الله بن عمرو بن عثمان لم يدركه، انتهى.

قال ابن حزم: (كانا) ؛ أي: ابن عباس، وأبو حبة (يقولان: قال النبيُّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم: ثم عَرَجَ) ؛ بفتحات، أو بضم الأول، وكسر الثاني؛ أي: صعِد (بي) ؛ أي: جبريل (حتى ظهرت) ؛ أي: علوت وارتفعت، ومنه قوله: والشمس في حجرتها لم تظهر (لمستوَى) ؛ بفتح الواو، المراد به: المصعد، وقيل: هو المكان المستوي، وقال أبو ربيعة: (أستوي: أصعد) ، واللام فيه للتعليل؛ أي: علوت لأجل استعلاء مس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت