فهرس الكتاب

الصفحة 612 من 860

[حديث: من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه]

360# وبالسند إليه قال: (حدثنا أبو نُعيم) ؛ بضم النون: هو الفضل بن دُكين _بضم الدال المهملة_ واسمه عمرو بن حماد، القرشي التيمي الطلحي (قال: حدثنا شَيْبَان) ؛ بفتح المعجمة أوله، وسكون التحتية، وفتح الموحدة: هو ابن عبد الرحمن النحوي، المؤدب، البصري، (عن يحيى بن أبي كثير) ؛ بالمثلثة، ضد القليل: هو صالح بن المتوكل الطائي، مولاهم العطار، (عن عِكرمة) ؛ بكسر العين المهملة، هو المفسر المشهور، مولى ابن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن (قال) ؛ أي: يحيى: (سمعته) ؛ أي: سمعت عكرمة_ (أو كنت سألته) ؛ بالشك؛ أي: كنت سمعت منه؛ إمَّا بسؤالي أو بغير سؤالي لا أحفظ كيفية الحال_ (قال) : ولابن عساكر: (فقال) ؛ أي: عكرمة: (سمعت أبا هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه (يقول) : جملة فعلية محلها نصب إمَّا مفعول ثاني لـ (سمعت) ، وإمَّا حال على قولين مشهورين: (أشهد أني سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) : ففيه الشهادة والسماع من أبي هريرة، وذلك إشارة إلى حفظه، واستحضاره، وإتقانه، كذا في «عمدة القاري» (يقول) : جملة محلها نصب كالأولى: (من صلى في ثوب واحد) : وسقط في رواية لفظة: (واحد) (فليخالف بين طرفيه) ؛ أي: بين طرفي الثوب، والمخالفة بطرفيه على عاتقيه هو التوشح: وهو الاشتمال على منكبيه، وإنما أمر بذلك؛ ليستر أعلى البدن وموضع الزينة، وفائدة هذه المخالفة ألا يسقط الثوب عنه إذا ركع، وإذا سجد، وهذا الأمر للندب عند الجمهور حتى لو صلى وليس على عاتقه شيء؛ صحت صلاته، ويقال: إنه إذا لم يخالف بين طرفيه؛ ربما يحتاج إلى إمساكه بيده، فيشتغل بذلك، وتفوته سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» .

قلت: وربما أنه إذا لم يخالف بين طرفيه؛ تفسد صلاته؛ لاحتياجه إلى عمل كثير في إمساكه، ورفعه، ووضعه، وغير ذلك، والمقصود ستر العورة في الصلاة، وهذه المخالفة؛ لأجل عدم ذلك كله، وزعم ابن بطال أن هذه المخالفة فائدتها في الثوب ألا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع، انتهى.

قلت: وهذا كلام غير موجه؛ لأنَّ نظر العورة لا يضر المصلي؛ لأنَّ النظر إلى عورة نفسه مباح، وكذا مسها، وليس لذلك تأثير في صحة الصلاة، والأوجه ما قاله

[ص 456]

إمام الشَّارحين، كما لا يخفى، واحتج أحمد ابن حنبل بظاهر هذا الحديث، وشرط الوضع على عاتقه عند القدرة، وفي رواية عنه: (أنه تصح صلاته، ولكنه يأثم بتركه) .

قلت: ولا دليل فيه له؛ لأنَّ الأمر فيه للندب عند الجمهور، كما مر.

قال إمام الشَّارحين: (وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن المخالفة بين طرفي الثوب لا يستر إلا بجعل شيء من الثوب على العاتق) ، وزعم ابن حجر أنه في بعض طرق هذا الحديث: «فليخالف بين طرفيه على عاتقيه» ، وهو عند أحمد من طريق معمر عن يحيى، وعند الإسماعيلي وأبي نعيم من طريق حسين عن شيبان، ثم ادعى أنَّ هذا أولى في مطابقة الترجمة؛ لأنَّ فيه التصريح بالمراد، فالمصنف أشار إليه كعادته)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (دعوى الأولوية غير صحيحة؛ لأنَّ الدلالة على المراد من الطريق الذي للمصنف من نفس الكلام المسوق أولى من الكلام الأجنبي عنه) انتهى.

قلت: بل هو المتعين؛ لأنَّ أخذ الدلالة عند المحققين من فحوى الكلام المسوق لا من كلام خارج عنه؛ لأنَّ ذلك معيب في الصناعة، وعادة المؤلف ليست كما ذكره هذا القائل؛ لأنَّ المراد بعادته: ترتيب أبوابه من ترجمتها وأحاديثها المطابقة لها، فإنه يذكر الباب ويترجم عليه، ثم يسوق الأحاديث المطابقة لما ترجم له، فهذه عادته، وكتابه «الجامع الصحيح» يدل عليه، فقول هذا القائل: (إن المصنف أشار بالترجمة إلى ما رواه أحمد والإسماعيلي وأبو نَعيم) : غير صحيح؛ لأنَّ ذلك بعيد، وغير مراد للمؤلف؛ لأنَّه لو كان مرادًا له؛ لذكره في كتابه هذا، وبعيد أن يحيل على خلاف كتابه؛ لأنَّه معيب في الصناعة؛ فليحفظ.

وقال إمام الشَّارحين: وفي هذا الحديث الشك من يحيى بين السماع والسؤال حيث قال أولًا: (سمعته) ؛ أي: سمعت عكرمة، ثم قال: (أو كنت سألته) ؛ يعني: سمعت منه إمَّا بسؤالي أو بغير سؤالي لا أحفظ كيفية الحال، وأخرجه الإسماعيلي عن مكي بن عبدان، عن حمدان السلمي، عن أبي نعيم بلفظ: (سمعته أو كتب به إلي) ، والشك هنا من السماع والكتابة، وقال الإسماعيلي: (لا أعلم أحدًا ذكر فيه سماع يحيى عن عكرمة) ، ورواه هشام، وحسين، ومعمر، وزيد بن سنان؛ كلٌّ قال عن عكرمة لم يذكر خبرًا ولا سماعًا، وأخرجه أبو داود من حديث يحيى، عن عكرمة، عن أبي هريرة بالعنعنة من غير شك، ولفظه: «إذا صلى أحدكم في ثوب؛ فليخالف بطرفيه على عاتقيه» انتهى، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت