فهرس الكتاب

الصفحة 614 من 860

[حديث: ما السرى يا جابر؟]

361# وبالسند إليه قال: (حدثنا يحيى بن صالح) : هو أبو زكريا الوُحاظي _بضم الواو، وتخفيف الحاء المهملة، وبالظاء المعجمة_ الحمصي، الحافظ الثقة، المتوفى سنة اثنتين [1] وعشرين ومئتين (قال: حدثنا فُلَيْح) ؛ بضم الفاء، وفتح اللام، وسكون التحتية، آخره حاء مهملة، وفليح لقبه، واسمه عبد الملك، وكنيته: أبو يحيى (بن سُلَيْمان) بضم السين المهملة، وفتح اللام، وسكون التحتية، (عن سعِيد) بكسر العين المهملة (بن الحارث) ؛ بالثاء المثلثة: هو الأنصاري قاضي المدينة (قال: سألنا جابر بن عبد الله) : هو الأنصاري رضي الله عنه، (عن) حكم (الصلاة في الثوب الواحد) كيف يفعل المصلي؟ (فقال) أي: جابر: (خرجت مع النبيِّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) من المدينة (في بعض أسفاره) ؛ أي: في غزوة بواط، كما عينه مسلم في روايته، وبُواط بضم الموحدة، وتخفيف الواو، بعدها ألف، ثم طاء مهملة، قال الصغاني: (بواط: جبال جهينة في ناحية ذي خشب، بين بواط والمدينة ثلاثة [2] برد أو أكثر) ، وقال ابن إسحاق: (جميع ما غزا النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بنفسه الكريمة سبع وعشرون [3] غزوة، غزوة ودان وهي غزوة الأبواء، وغزوة بواط من ناحية رضوى ... ) ، ثم عد الجميع، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» .

(فجئت ليلة) أي: إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (لبعض أمري) ؛ أي: لأجل بعض حوائجي، والأمر: هو واحد الأمور، لا واحد الأوامر؛ فافهم.

(فوجدته) صلَّى الله عليه وسلَّم (يصلي) : جملة محلها نصب على أنه مفعول ثان لـ (وجدت) ، ولم تعلم هذه الصلاة، والظاهر: أنها نافلة الليل يدل عليه قوله: (ما السرى) ؛ فافهم.

قال جابر: (وعلي ثوب واحد) : جملة اسمية في محل النصب على الحال، (فاشتملت به) ؛ يعني: خالفت بين طرفي الثوب على عاتقي، وهو التوشح: وهو الاشتمال على المنكبين (وصليت إلى جانبه) : وكلمة (إلى) في الأصل: للانتهاء؛ والمعنى: صليت منتهيًا إلى جانب النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، ويجوز أن تكون بمعنى (في) ؛ لأنَّ حروف الجر يقوم بعضها مقام البعض، ويجوز أن يقال: فيه تضمين معنى الانضمام؛ أي: صليت منضمًا إلى جانبه عليه السَّلام، كذا في «عمدة القاري» .

قلت: يعني: أن جابر صلى مقتديًا بالنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم في النافلة ليلًا، وهو جائز من غير كراهة؛ لأنَّه على سبيل التداعي، ولهذا لم ينهه عليه السَّلام عن ذلك، وأقره عليه؛ فافهم.

(فلما انصرف) أي: فرغ النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم من الصلاة؛ (قال) عليه السَّلام: (ما السُّرى) ؛ بضم السين والقصر؛ أي: ما سبب سيرك ومجيئك إلي في الليل؟ (يا جابر) ؛ وإنما سأله عن ذلك؛ لعلمه بأن الداعي له على المجيء بالليل أمر وحاجة ضرورية أكيدة، (فأخبرته بحاجتي) ولم يعلم ذلك الأمر، (فلما فرغت) أي: من بيان حاجتي؛ (قال) عليه السَّلام له: (ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟) ؛ هو استفهام إنكاري، وسبب الإنكار: أن الثوب كان ضيقًا، وأنه خالف بين طرفيه، وأنه تواقص؛ أي: انحنى عليه حتى لا يسقط؛ فكأنه عند المخالفة بين طرفي الثوب لم يصر ساترًا للعورة، فانحنى؛ ليستتر، فأعلمه عليه السَّلام بأن محل ذلك ما إذا كان الثوب واسعًا، وأمَّا إذا كان ضيقًا؛ فإنه يجزئه أن يئتزر به؛ لأنَّ المقصود هو ستر العورة، وهو يحصل بالائتزار، ولا يحتاج إلى الانحناء المغاير للاعتدال المأمور به، كذا في «عمدة القاري» .

قلت: وقد بيَّن مسلم في روايته سبب الإنكار؛ حيث أخرج هذا الحديث من حديث عبادة عن جابر مطولًا، وفيه: «إذا كان واسعًا؛ فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا؛ فاشدده على حقوك» ، وأخرجه أبو داود كذلك، وحَِقوك؛ بفتح الحاء المهملة وكسرها: الإزار، والأصل فيه: معقد

[ص 457]

الإزار، ثم سمي به الإزار؛ للمجاورة، وجمعه أحق وأحقاء، انتهى.

وقال الخطابي: (الاشتمال الذي أنكره عليه السَّلام إنَّما هو اشتمال الصماء، وهو أن يخلل نفسه بثوبه ولا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراج يديه إلا من أسفله، فيخاف أن تبدو عورته عند ذلك) انتهى.

قلت: وهو عادة أهل المغرب الذي قال في حقهم: الفصحاء الشح في الغرب، ويتبعه سوء الخلق، ولهذا قيل: حرك؛ ترَ [4] ، قال: من غير تحريك.

(قلت) أي: قال جابر: قلت: (كان) أي: الذي اشتملت به (ثوبًا) واحدًا، فيكون انتصاب (ثوبًا) على أنه خبر (كان) ، وفي رواية الإسماعيلي: (كان ثوبًا ضيقًا) ؛ وفي رواية أبي ذر وكريمة: (كان ثوب) ؛ بالرفع، ووجهه: أن تكون (كان) تامة بمعنى: وجد، فلا تحتاج إلى الخبر، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» ، وتبعه ابن حجر، والزركشي، والبرماوي، واعترضه الدماميني، فزعم أن الاقتصار على ذلك لا يظهر، وأي معنًى لإخباره بوجود ثوب في الجملة؟ فينبغي أن يقدر ما يناسب المقام) انتهى.

قلت: وهذا ممنوع؛ لأنَّ الاقتصار على ذلك ظاهر غاية الظهور، ومعنى (إخباره بوجود ثوب) : أنه ليس عنده غير هذا الثوب الموجود الذي رأيتني أصلي فيه.

فقوله: (وأي معنًى ... ) إلخ: ممنوع؛ لأنَّ معناه ما ذكرناه، ويدل على ما قلناه قوله عليه السَّلام له: «فإن كان واسعًا ... » إلى آخره: وهو بيان حكم الصلاة في الثوب، وكأنه عليه السَّلام من رحمته لم ينكر عليه لباس الثوب الضيق؛ لإخباره له بأنه لم يوجد عنده غيره، ويدل على أن الثوب كان ضيقًا ما صرح به في رواية الإسماعيلي: (كان ثوبًا ضيقًا) .

وقوله: (فينبغي أن يقدر ... ) إلخ: لا حاجة إلى ذلك، والمعنى المذكور هنا صحيح، وهو مناسب للمقام، فلا حاجة إلى تقدير آخر؛ فتأمل.

(قال) عليه السَّلام: (فإن كان) ؛ أي: الثوب، والفاء تفصيحية؛ تقديره: إذا أردت معرفة بيان الثوب الضيق والثوب الواسع، فإن كان الثوب الذي يريد المصلي الصلاة به (واسعًا) بحيث يشتمل على المنكبين؛ (فالتحف) ؛ أي: تغطَّ [5] وارتد (به) ؛ أي: بأن يخالف بين طرفي الثوب حيث يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره، وزعم القسطلاني أن الملتحف المُؤتز بطرف المرتدي بالطرف الآخر منه.

قلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّ الملتحف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على منكبيه، كذا فسره محمد بن مسلم الزهري، كما تقدم؛ فافهم.

(وإن كان) أي: الثوب المذكور (ضيقًا) ؛ أي: لا يمكن به الاشتمال؛ (فائتزر به) : وهو أمر بالائتزار، وهو أن يجعل الثوب وزرة؛ كالفوطة، قال إمام الشَّارحين: (وأصل هذه المادة: أن الفعل «أزر» على ثلاثة أحرف، فلما نقل إلى باب الافتعال؛ صار «ائتزر» على وزن «افتعل» بهمزتين أولاهما مكسورة، وهي همزة الافتعال، والأخرى ساكنة، وهي همزة الفعل، ثم يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تقلب الهمزة ياء آخر الحروف، فيقال: ايتزر، والآخر: أن تقلب تاء مثناة من فوق، وتدغم التاء في التاء، وهذا معنى قول الكرماني: «بإدغام الهمزة المقلوبة تاء في التاء» ، ولفظ الحديث على الوجه الأول) انتهى، والله أعلم.

وقال ابن بطال: (حديث جابر هذا تفسير لحديث أبي هريرة الذي في الباب المتقدم، وهو «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» في أنه أراد: الثوب الواسع الذي يمكن أن يشتمله، وأمَّا إذا كان ضيقًا، ولم يمكنه أن يشتمل به؛ فليئتزر به) ، وقال الكرماني: (فإن قيل: الحديث السابق فيه نهي عن الصلاة في الثوب الواحد مؤتزرًا به، وظاهره: أنه يعارض قوله: «وإن كان ضيقًا؛ فائتزر به» ) ، وأجاب الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (بأن النهي عنه للواجد معه لغيره، وأما من لم يجد غيره؛ فلا بأس بالصلاة فيه، كما لا بأس بالصلاة في الثوب الضيق مؤتزرًا به) انتهى.

قال إمام الشَّارحين: (ويستنبط من الحديث: جواز طلب الحوائج بالليل من السلطان؛ لخلاء موضعه وسره، وجواز مجيء الرجل إلى غيره بالليل؛ لحاجته، ومن ذلك: أن الثوب إذا كان واسعًا؛ يخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا؛ يئتزر به) انتهى.

[1] في الأصل: (اثنين) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (ثلاث) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[3] في الأصل: (سبعًا وعشرين) ، والمثبت هو الصواب.

[4] في الأصل: (ترى) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[5] في الأصل: (تغطى) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[1] في الأصل: (اثنين) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (ثلاث) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[3] في الأصل: (سبعًا وعشرين) ، والمثبت هو الصواب.

[4] في الأصل: (ترى) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[1] في الأصل: (اثنين) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (ثلاث) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[3] في الأصل: (سبعًا وعشرين) ، والمثبت هو الصواب.

[4] في الأصل: (ترى) ، ولعل المثبت هو الصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت