فهرس الكتاب

الصفحة 619 من 860

[حديث جابر: أن رسول الله كان ينقل معهم الحجارة للكعبة]

364# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مَطَر) بفتح الميم، والطاء المهملة، آخره راء (بن الفضل) : هو المروزي (قال: حدثنا رَوْح) ؛ بفتح الراء، وسكون الواو، آخره حاء مهملة: هو ابن عبادة التنيسي (قال: حدثنا زكريا بن إسحاق) : هو المكي (قال: حدثنا عَمرو بن دينار) ؛ بفتح العين المهملة: هو الجُمَحي؛ بضم الجيم، وفتح الميم، وبالحاء المهملة (قال: سمعت جابر بن عبد الله) : هو الأنصاري (يحدث) : جملة محلها النصب إمَّا مفعول ثان [1] لـ (سمعت) ، وإمَّا حال على القولين المشهورين: (أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان ينقل معهم الحجارة) أي: مع قريش (للكعبة) ؛ أي: لبناء الكعبة، وقال الزهري: (لما بنَت قريش الكعبة؛ لم يبلغ النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم الحلم) ، وقال ابنا بطال والتين: (كان عمره خمس عشرة سنة) ، وقال هشام: (كان بين بناء الكعبة والمبعث خمس سنين، وقيل: إن بناء الكعبة كان في سنة ستٍّ وثلاثين من مولده عليه السَّلام) ، وذكر البيهقي: (أن بناء الكعبة قبل تزويجه عليه السَّلام خديجة رضي الله عنها، والمشهور: أن بناء قريش الكعبة كان بعد تزويجه خديجة بعشر سنين، فيكون عمره عليه السَّلام إذ ذاك خمسًا [2] وثلاثين سنة، وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق) ، وقال موسى بن عقبة: (كان بناء الكعبة قبل المبعث بخمس عشرة سنة هكذا قاله مجاهد وغيره) ، كذا قرره إمام الشَّارحين.

(وعليه إزاره) ؛ بالضمير، وفي رواية ابن عساكر: (وعليه إزار) ؛ بغير الضمير، والجملة حالية بالواو، وفي بعض الأصول: بغير واو، (فقال له العباس عمه) ؛ بالرفع؛ لأنَّه عطف بيان: (يا ابن أخي؛ لو حللت إزارك) : جواب (لو) محذوف إن كانت شرطية؛ وتقديره: لو حللت إزارك؛ لكان أسهل عليك، ويجوز أن تكون (لو) للتمني، فلا تحتاج إلى جواب حينئذٍ، كذا في «عمدة القاري» .

(فجعلت) وفي رواية الكشميهني: (فجعلته) ؛ بالضمير؛ أي: الإزار (على منكِبيك) ؛ تثنية منكِب؛ بكسر الكاف: موضع الرداء (دون الحجارة) ؛ أي: تحتها، (قال) ؛ أي: جابر أو من حدثه: (فحله) ؛ أي: حل عليه السَّلام الإزار عنه (فجعله على منكبيه) كما قال له عمه العباس، (فسقط) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم حال كونه (مَغْشيًّا) ؛ بفتح الميم، وسكون الغين المعجمة؛ أي: مغمًى (عليه) ؛ أي: لانكشاف عورته؛ لأنَّه عليه السَّلام كان مجبولًا على أحسن الأخلاق والحياء الكامل، حتى كان أشد حياء من العذراء في خدرها، فلذلك غشي عليه، وفي رواية الطبراني: فقام وأخذ إزاره، وقال: «نهيت أن أمشي عريانًا» ، وفي رواية غير «الصحيحين» : (أن الملَك نزل عليه، فشد عليه إزاره) ، كذا في «عمدة القاري» .

قلت: ويجمع بينهما: بأنه قام وأخذ إزاره عليه السَّلام، والملَك شدَّه عليه، وقال له: لا تمشِ عريانًا؛ فتأمل.

(فما رُئِيَ) ؛ بضم الراء، بعدها همزة مكسورة، فمثناة تحتية مفتوحة، ويجوز كسر الراء، وسكون التحتية، وفتح الهمزة (بعد ذلك) أي: بعد هذه القصة (عريانًا) ؛ بالنصب على أنه مفعول ثان [3] لـ (رئي) ، ويجوز نصبه على الحال، وفي رواية الإسماعيلي: (فلم يتعرَّ بعد ذلك) (صلَّى الله عليه وسلَّم) ففيه: أنه عليه السَّلام كان في صغره محميًّا عن القبائح وأخلاق الجاهلية، منزهًا عن الرذائل والمعايب قبل النبوة وبعدها، وفي «سيرة ابن إسحاق» : (أنه عليه السَّلام كان يحدث عما كان الله يحفظه في صغره أنه قال: «لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب به الغلمان كلنا قد تعرى، وأخذ إزاره، وجعله على رقبته يحمل عليها الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر؛ إذ لكمني لاكم ما أراه إلا لكمة وجيعة، ثم قال: شدَّ عليك إزارك، فأخذته، فشددته علي، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري علي من بين أصحابي» ) ، فظاهره: أنه يخالف ما في الباب، وأجاب السهيلي فقال: (وحديث ابن إسحاق هذا إن صح؛ فهو محمول على أنَّ هذا الأمر كان مرتين في حال صغره، وعند بنيان الكعبة) ، كذا في «عمدة القاري» .

وزعم القسطلاني أنه إن ثبت؛ حمل النفي فيه على التعرِّي لغير ضرورة عادية، وما في الباب على الضرورة العادية، والنفي فيها على الإطلاق، أو يتقيد بالضرورة الشرعية؛ كحالة النوم مع الزوجة أحيانًا) انتهى.

قلت: وما أجاب به السهيلي أظهر؛ لأنَّ قوله: (حمل النفي ... ) إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّ الضرورة العادية فيه موجودة، ألا ترى إلى قوله عليه السَّلام: «لقد رأيتني في غلمان قريش ... » إلى آخره، وما هذا إلا ضرورة عادية، وهي موافقة الغلمان.

وقوله: (وما في الباب على الضرورة العادية) : ممنوع أيضًا، فإنه كان لا يفعل ذلك، ويعتذر لعمه العباس، فلا ضرورة فيه أيضًا.

وقوله: (والنفي فيها ... ) إلى آخره: هذا مسلَّم؛ لأنَّ ما ذكره ابن إسحاق كان أسبق من هذه القصة، فالنفي الذي في الباب على الإطلاق، ويحتمل تقييده بالضرورة الشرعية كحالة النوم مع الزوجة أحيانًا، كما ذكره، وكحالة الاغتسال، وحلق العانة، وغيرها؛ فليحفظ.

وقال إمام الشَّارحين: ومطابقة الحديث للترجمة من حيث عموم قوله: (فما رئي بعد ذلك) ؛ لأنَّ ذلك يتناول ما بعد النبوة كما يتناول ما قبلها، ثم هو بعمومه يتناول حالة الصلاة وغيرها)، ثم قال:(وهذا الحديث من مراسيل الصحابة رضي الله عنهم، فإن جابرًا لم يحضر هذه القصة؛ لأنَّها كانت قبل البعثة، فإمَّا أن يكون قد سمع ذلك من النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بعد ذلك، أو من بعض من حضر ذلك من الصحابة

[ص 461]

رضي الله عنهم، والأقرب: أنه سمعه من العباس رضي الله عنه؛ لأنَّه حدث به عنه أيضًا، وسياقه أتم، وقد اتفقوا على الاحتجاج بمرسل الصحابي إلا ما شذ؛ كأبي إسحاق الإسفرايني، لكن في السياق ما يدل على أخذ ذلك من العباس، فلا يكون مرسلًا لا سيما وهو الأقرب) ، كما قاله إمامنا الشَّارح رحمه الله تعالى.

وفي «عمدة القاري» : وفي الحديث: أنه لا يجوز التعرِّي للمرء بحيث تبدو عورته لعين الناظر إليها، والمشي عريانًا بحيث لا يأمن أعين الآدميين إلا ما رخص فيه من رؤية الحلائل لأزواجهن عراة، قالوا: وقد دل حديث العباس المذكور: أنه لا يجوز التعرِّي في الخلوة ولا لأعين الناس، وقيل: إنَّما مخرج القول منه للحال التي كان عليها؛ فحيث كانت قريش رجالها ونساؤها تنقل معه الحجارة، فقال: «نهيت أن أمشي عريانًا» ، وفي مثل هذه الحالة لو كان ذلك نهيًا عن التعرِّي في كل مكان؛ لكان قد نهاه عنه في غسل الجنابة في الموضع الذي قد أمن أن يراه فيه أحد، ولكنه نهاه عن التعري بحيث يراه فيه أحد، والقعود بحيث يراه من لا يحل له أن يرى عورته في معنى المشي عريانًا، ولذلك نهى الشَّارع عن دخول الحمام بغير إزار.

فإن قلت: روى القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا: «لو أستطيع أن أواري عورتي من شعاري؛ لواريتها» ، وقال علي رضي الله تعالى عنه: (إذا كشف الرجل عورته؛ أعرض عنه الملَك) ، وقال أبو موسى الأشعري: (إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي؛ حياءً من ربي) .

قلت: كل ذلك محمول على الاستحباب والندب لاستعمال الستر لا على الحرمة؛ لعدم ما يدل عليها، وفي «التوضيح» : (إذا أوجبنا الستر في الخلوة؛ فهل يجوز أن ينزل في ماء النهر والعين بغير مئزر؟ وجهان؛ أحدهما: لا؛ للنهي عنه، والثاني: نعم؛ لأنَّ الماء يقوم مقام المئزر في ستر العورة) انتهى كلام إمام الشَّارحين.

قلت: والمعتمد: القول الثاني؛ لأنَّ المقصود ستر العورة، وهو بأي شيء حصل؛ كفى، فالماء الذي في مغاطس الحمامين يقوم مقام المئزر، فإذا دخله بغير مئزر كما هو العادة في ديارنا الشامية، وكذا المصرية؛ لا يحرم؛ لأنَّه لم تر عورته، ويعد ساترًا لها حكمًا، والله أعلم.

[1] في الأصل: (ثاني) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (خمس) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[3] في الأصل: (ثاني) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[1] في الأصل: (ثاني) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (خمس) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[1] في الأصل: (ثاني) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] في الأصل: (خمس) ، ولعل المثبت هو الصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت