[حديث: لقد كان رسول الله يصلي الفجر فيشهد معه نساء]
372# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو اليمان) : هو الحكم بن نافع الحمصي (قال: حدثنا شعيب) : هو ابن أبي حمزة القرشي، (عن الزهري) : هو محمد بن مسلم ابن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) ؛ بضم العين المهملة: هو ابن الزبير بن العوام: (أن عائشة) الصديقة بنت الصديق الأكبر رضي الله عنهما (قالت) والله: (لقد كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) فـ (اللام) فيه جواب قسم محذوف، كما قدرناه (يصلي الفجر) ؛ أي: يصلي صلاة الفجر في بعض أحيانه، لا يقال: إنَّ (كان) تدل على الاستمرار والدوام؛ لأنَّا نقول: إن التي تدل على هذا هي الناقصة، وهنا (كان) تامة؛ بمعنى: حض، أو وقع، أو وجد، فهي تدل على تلك المرة فقط؛ وهو ذلك الحين التي أخبرت به أنه يصلي في مسجده النبوي، (فيشهد) أي: فيحضر (معه) ؛ وفي رواية: (فتشهد) ؛ أي: فتحضر معه (نساءٌ) ؛ بالتنكير، والتنوين فيه للتنويع، وهو جمع امرأة، لا واحد له من لفظه (من المؤمنات) هو لبيان الواقع (مُتَلفِّعاتٍ) ؛ بالنصب على الحال من النساء، وهو بضم الميم وفتح المثناة الفوقية، وبالعين المهملة بعد الفاء المشددة، من التلفع؛ بالفاء والعين المهملة؛ أي: متلحفات، وفي رواية: (متلففات) بالفاء المكررة بدل العين؛ وهي رواية الأصيلي في غير «الفرع» ، وله في «الفرع» (متلفعاتٌ) بالرفع صفة للنساء، والأكثر على خلافه.
قال الأصمعي: (التلفع بالثوب: هو أن يشتمل به حتى يجلل به جسده، وهذا اشتمال الصماء عند العرب؛ لأنَّه لم يرفع جانبًا منه فيكون فرجة فيه) ، وهو عند الفقهاء: مثل الاضطباع إلا أنه في ثوب واحد.
وعن يعقوب: (اللفاع: الثوب تلتفع به المرأة؛ أي: تلتحف به فيغيبها) ، وعن كراع: (هو الملفع أيضًا) ، وعن ابن دريد: (اللفاع: هو الملحفة أو الكساء) ، وقال أبو عمر [1] : (هو الكساء) .
وعن صاحب «العين» : (تلفع بثوبه: إذا اضطبع به، وتلفع الرجل بالشيب كأنه غطى سواد رأسه ولحيته) .
وفي «شرح الموطأ» : (التلفع: أن تلقي الثوب على رأسه، ثم يلتف به، ولا يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس، وقد أخطأ من قال: الالتفاع مثل الاشتمال، وأما التلفف؛ فيكون مع تغطية الرأس وكشفه) .
وفي «المحكم» :(الملفعة: ما يلفع به من رداء،
[ص 479]
أو لحاف، أو قناع) .
وفي «المغيث» : (وقيل: اللفاع: النطع، وقيل: الكساء الغليظ) .
وفي «الصحاح» : (لفع رأسه تلفيعًا: غطاه) ، كذا في «عمدة القاري» .
(في مروطهن) المروط: جمع مِرط؛ بكسر الميم، قال القزاز: (المرط: ملحفة يتزر بها، والجمع أمراط ومروط) ، وقيل: يكون المرط كساء من خز، أو صوف، أو كتان.
وفي «الصحاح» : (المِرط بالكسر) ، وفي «المحكم» : (وقيل: هو الثوب الأخضر) ، وفي «مجمع الغرائب» : (أكيسة من شعر أسود) ، وعن الخليل: (هي أكيسة معلمة) ، وقال ابن الأعرابي: (هو الإزار) .
وقال النضر بن شميل: (لا يكون المرط إلا درعًا، وهو من خز أخضر، ولا يسمى المرط إلا أخضر، ولا يلبسه إلا النساء) .
وقال عبد الملك في «شرح الموطأ» : (هو كساء صوف رقيق خفيف مربع، كان [2] النساء في ذلك الزمان يتزرن به ويتلففن) ، كذا قاله الشَّارح.
(ثم يرجعن) يعني: يصلين مع النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم صلاة الفجر، ثم يرجعن من المسجد (إلى بيوتهن) ؛ أي: بيوت أزواجهن، فالإضافة فيه من حيث سكناهن في البيوت، ويحتمل أنه على الحقيقة، لكن الظاهر الأول؛ لأنَّ السكنى على الزوج شرعًا من جملة النفقة الواجبة عليه لها (ما يعرفهن أحد) ؛ أي: من الغلس، كما عند المؤلف في (المواقيت) وفي «سنن ابن [3] ماجه» : (يعني من الغلس) ، وعند مسلم: (ما يعرفن من الغلس) ، وعدم معرفتهن يحتمل أن تكون لبقاء ظلمة من الليل، أو لتغطيتهن بالمروط غاية التغطي، وقيل: معناه ما يعرف أعيانهن، وهذا بعيد، والأوجه فيه أن يقال: ما يعرفهن أحد؛ أي: أنساء هن أم رجال؟ وإنما يظهر للرائي الأشباح خاصة، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: ووجه مطابقة الحديث للترجمة في قوله: (متلفعات في مروطهن) ؛ لأنَّ المستفاد منه صلاتهن في مروط، والمرط: ثوب واحد، ففي الحديث أن المرأة إذا صلت في ثوب واحد بالالتفاع؛ جازت صلاتها، وهو الذي ترجم له؛ لأنَّه استدل به على ذلك.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون التفاعهن في مروطهن فوق ثياب أخرى، فلا يتم له الاستدلال به؟
قلت: الحديث ساكت عن هذا بحسب الظاهر، ولكن الأصل عدم الزيادة على ما أشار إليه؛ على أنه لم يصرح بشيء، واختياره يؤخذ في عادته من الآثار التي يترجم بها، انتهى كلامه، وتبعه ابن حجر وغيره.
قلت: ولا ريب أن الأصل عدم الزيادة، والتفاعهن في مروطهن فوق ثياب أخرى قول بعيد؛ لأنَّه لم يكن عند النساء وكذا الرجال إلا ثوب واحد، يدل عليه حديث أبي هريرة الذي تقدم في باب (الصلاة في القميص) ، وفيه: قام رجل إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: «أَوَكلكم يجد ثوبين؟» ؛ يعني: لا يجد كل واحد منكم ثوبين ونحوه عند الحافظ الطحاوي والطبراني، فهذا إخبار عما كان يعلمه عليه السَّلام من حالهم في العدم وضيق الثياب؛ والمعنى: أنه ليس لكل واحد منكم ثوبان، وإذا كان هذا حال الرجال؛ فالنساء أولى، فهذا الحديث وإن كان ليس فيه تقييد بذلك لكن المعنى عليه، والمطلق محمول على المقيد، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا؛ فتأمل.
وفي «عمدة القاري» : واختلف في عدد ما تصلي فيه المرأة من الثياب؛ فقال الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس: (تصلي في درع وخمار) .
وقال عطاء: (تصلي في ثلاثة: درع، وإزار، وخمار) .
وقال ابن سيرين: (في أربعة؛ الثلاثة المذكورة وملحفة) .
وقال ابن المنذر: (عليها أن تستر جميع بدنها إلا وجهها وكفيها، سواء سترته بثوب واحد أو أكثر) .
ولا أحسب ما روي عن المتقدمين: من الأمر بثلاثة أو أربعة إلا من طريق الاستحباب.
وقال الإمام الأعظم وسفيان الثوري: (قدم المرأة ليست [4] بعورة، فإن صلت وقدمها مكشوفة؛ صحت صلاتها) ، وفي رواية عن الإمام الأعظم: (فسدت صلاتها) ، وزعم أبو بكر بن عبد الرحمن أن كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها، وهو رواية عن أحمد.
وقال مالك وابن إدريس: قدم المرأة عورة، فإن صلت وقدمها مكشوفة؛ أعادت في الوقت عند مالك، وكذلك إذا صلت وشعرها مكشوف، وعند ابن إدريس تعيد أبدًا) انتهى.
وفيه: أن في الحديث دلالة على جواز خروج النساء للصلاة في المسجد بشرط أمن الفتنة عليهن أو بهن، وكرهه بعضهم للشواب، وقال الإمام الأعظم: (تخرج العجائز لغير الظهر والعصر؛ يعني: لصلاة الفجر والعشاءين) ، وقال الإمام أبو يوسف والإمام محمد بن الحسن: (يخرجن لجميع الصلوات، لكن اليوم يكره خروجهن للجميع للعجائز والشواب؛ لظهور الفساد وعموم الفتنة) انتهى.
قلت: ولو نظر الإمام الأعظم ما يترتب على خروجهن من الفساد والفتنة؛ لقال: بحرمة خروجهن مطلقًا، فإن الذي يشاهد منهن في ديارنا الشريفة الشامية؛ يوجب القول بالحرمة والمنع من خروجهن مطلقًا؛ فافهم.
واستدل بهذا الحديث مالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق على أن الأفضل في صلاة الصبح التغليس، ولا حجة لهم فيه؛ لأنَّه عليه السَّلام فعل ذلك مرة، ثم صار يصليها في وقت الإسفار، كما يأتي.
وقال الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وأصحابه، والجمهور من التابعين، وغيرهم: (إن الأفضل في صلاة الفجر الإسفار) ، واستدل على ذلك بأحاديث كثيرة في هذا الباب رويت عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم؛ منهم: رافع بن خديج، روى أبو داود عن محمود بن لبيد عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أصبحوا بالصبح؛ فإنه أعظم لأجركم، أو أعظم للأجر» ، ورواه الترمذي أيضًا، وقال: (حديث حسن صحيح) ، ورواه ابن ماجه والنسائي أيضًا، وفي رواية: (أصبحوا بالفجر) ؛ ومعناه: نوروا بصلاة الفجر، ورواه ابن حبان في «صحيحه» ، ولفظه: «أسفروا بصلاة الصبح؛ فإنه أعظم للأجر» ، وفي لفظ له: «فكلما أصبحتم بالصبح؛ فإنه أعظم لأجركم» ، وفي لفظ للطبراني: «فكلما أسفرتم بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر» .
ومنهم: محمود بن لبيد روى حديثه الإمام أحمد ابن حنبل في «مسنده» عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أصبحوا بالفجر؛ فإنه أعظم لأجركم» ، ولم يذكر فيه رافع بن خديج، ومحمود بن لبيد صحابي مشهور.
وقال المزي: (محمود بن لبيد بن عصمة بن رافع بن امرئ القيس الأوسي، ولد على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي صحبته خلاف) انتهى.
قال إمام الشَّارحين:(ذكره مسلم في التابعين في الطبقة الثانية، وذكر ابن أبي حاتم: أن البخاري قال: له صحبة، وقال أبي: لا يعرف له صحبة، وقال أبو عمرو: قول البخاري: «له صحبة» : أولى وأجدر، فعلى هذا؛ يحتمل
[ص 480]
أنه سمع هذا الحديث من رافع أولًا فرواه عنه، ثم سمعه من النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم فرواه عنه) انتهى.
قلت: وعلى فرض كونه أسقط رافعًا [5] ؛ فهو مرسل، وهو حجة عندنا والجمهور، لكن الظاهر أنه رواه مرتين كما قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.
ومنهم: بلال رضي الله عنه، روى حديثه البزار في «مسنده» نحو حديث رافع، ومنهم: قتادة بن النعمان، روى حديثه الطبراني في «معجمه» من حديث عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، عن أبيه، عن جده مرفوعًا نحوه، ورواه البزار أيضًا، ومنهم: ابن مسعود رضي الله عنه، روى حديثه الطبراني أيضًا عنه مرفوعًا نحوه، ومنهم: أبو هريرة رضي الله عنه، روى حديثه ابن حبان عنه مرفوعًا نحوه، ومنهم رجال من الأنصار أخرج حديثهم النسائي من حديث محمود بن لبيد عن رجال من قومه من الأنصار: أن النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «أسفروا بالصبح؛ فإنه أعظم للأجر» ، ومنهم أبو هريرة وابن عباس رضي الله عنه، أخرج حديثهما الطبراني من حديث حفص بن سليمان عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا تزال أمتي على الفطرة ما أسفروا بالفجر» ، ومنهم: أبو الدرداء رضي الله عنه، أخرج حديثه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبيد من حديث أبي الزاهرية، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «أسفروا بالفجر تفقهوا» ، ومنهم: حواء الأنصارية، أخرج حديثها الطبراني من حديث أبي بجيد الحارثي عن جدته حواء الأنصارية، وكانت من المبايعات، قالت: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر» ، وابن بُجَيْد؛ بضم الموحدة، وفتح الجيم، بعدها تحتية ساكنة، ذكره ابن حبان في «الثقات» ، وجدته حواء بنت زيد بن السكن، أخت أسماء بنت زيد بن السكن.
فإن قلت: كان ينبغي أن يكون الإسفار واجبًا لمقتضى الأوامر فيه.
قلت: الأمر إنَّما يدل على الوجوب إذا كان مطلقًا مجردًا عن القرائن الصارفة له إلى غيره، وهذه الأوامر ليست كذلك، فلا يدل إلا على الاستحباب.
فإن قلت: قد يؤول (الإسفار) في هذه الأحاديث بظهور الفجر، وقد قال الترمذي: وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: معنى الإسفار: أن يصبح الفجر، ولم يشك فيه، ولم يروا أن الإسفار تأخير الصلاة.
قلت: هذا التأويل غير صحيح، فإن الغلس الذي يقولون به: هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار، كما ذكره أهل اللغة، وقيل: ظهور الفجر، ولا تصح صلاة الصبح، فثبت أن المراد بالإسفار: إنَّما هو التنوير، وهو التأخير عن الغلس، وزوال الظلمة، وأيضًا فقوله عليه السَّلام: «أعظم للأجر» : يقتضي حصول الأجر في الصلاة بالغلس، فلو كان الإسفار هو وضوح الفجر وظهوره؛ لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت.
وأيضًا يبطل تأويلهم ذلك ما رواه ابن أبي شيبة، وإسحاق ابن راهويه، وأبو داود الطيالسي في «مسانيدهم» ، والطبراني في «معجمه» من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لبلال: «يا بلال؛ نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع ليلهم من الإسفار» .
وأيضًا يبطل تأويلهم ذلك ما رواه الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب «غريب الحديث» من حديث أبي سعيد بيان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: (كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصلي الصبح حين يفسح البصر) انتهى.
يقال: فسح البصر وانفسح؛ إذا رأى الشيء عن بعد؛ يعني به: إسفار الصبح.
فإن قلت: قيل: إن الأمر بالإسفار إنَّما جاء في الليالي المقمرة؛ لأنَّ الصبح لا يتبين فيها جدًّا، فأمرهم بزيادة التبيين؛ استظهارًا باليقين في الصلاة.
قلت: هذا تخصيص بلا مخصص، وهو باطل، ويرده أيضًا ما أخرجه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: (ما اجتمع أصحاب محمد صلَّى الله عليه وسلَّم على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر) ، وأخرجه الحافظ الطحاوي أيضًا في «معاني الآثار» بسند صحيح، ثم قال: (ولا يصح أن يجتمعوا على خلاف ما كان رسول الله عليه السَّلام عليه) .
فإن قلت: قد زعم ابن حزم أن خبر الأمر بالإسفار صحيح، إلا أنه لا حجة فيه للحنفية إذا أضيف إلى الثابت من فعله عليه السَّلام في التغليس حتى إنه لينصرف والنساء لا يعرفن.
قلت: الثابت من فعله عليه السَّلام في التغليس لا يدل على الأفضلية؛ لأنَّه يجوز أن يكون غيره أفضل منه، وإنما فعل ذلك للتوسعة على أمته، بخلاف الخبر الذي فيه الأمر؛ لأنَّ قوله عليه السَّلام: «أعظم للأجر» : أفعل التفضيل، فيقتضي أجرين؛ أحدهما: أكمل من الآخر؛ لأنَّ صيغة (أفعل) تقتضي المشاركة في الأصل مع رجحان أحد الطرفين، فحينئذٍ يقتضي هذا الكلام حصول الأجر في الصلاة بالغلس، ولكن حصوله في الإسفار أعظم وأكمل منه، فلو كان الإسفار لأجل تقصي طلوع الفجر؛ لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت، انتهى.
قلت: وما زعمه ابن حزم تناقض؛ لأنَّه قال: (خبر الأمر بالإسفار صحيح إلا أنه لا حجة فيه ... ) إلى آخره، وما هذا إلا تناقض، فإن قوله: (خبر الأمر بالإسفار صحيح) وهو كذلك، ويلزم منه أن يكون حجة للحنفية؛ لأنَّهم يقولون: إن الأفضل في صلاة الفجر الإسفار، وقد صح الحديث به، فهو حجة لهم.
وقوله: (إلا أنه لا حجة فيه ... ) إلى آخره: ممنوع، فإنه متى صح الأمر؛ يكون حجة لمن قال بذلك، وقوله: (إذا أضيف ... ) إلى آخره: ممنوع، فإنه قد ثبت ذلك في بعض الأحيان وهو لا يقاوم ما كان عادة للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه، يدل عليه ما أخرجه الحافظ أبو جعفر الطحاوي من حديث إبراهيم النخعي قال: (ما اجتمع أصحاب محمد صلَّى الله عليه وسلَّم على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر) ، وسنده صحيح، فهذا يدل على أن عادتهم في صلاة الفجر الإسفار.
ولا ريب أن ذلك هو ما فعله النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّهم أشد اتباعًا له عليه السَّلام، فثبت أن التغليس إنَّما كان في بعض الأحيان، وهو محمول على بيان الجواز لأجل التشريع، وثبت أن الأفضل في صلاة الصبح الإسفار، وأنه الثابت من فعله عليه السَّلام على الدوام
[ص 481]
والاستمرار؛ فافهم.
فإن قلت: روى أبو داود من حديث ابن مسعود: (أنه عليه السَّلام صلى الصبح بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات عليه السَّلام) ، ورواه ابن حبان أيضًا؛ كلاهما من حديث أسامة بن زيد الليثي.
قلت: يرد هذا ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: (ما رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها) انتهى.
قالت العلماء: المراد بقوله: (قبل وقتها) ؛ يعني: وقتها المعتاد في كل يوم؛ وهو الإسفار لا أنه صلاها قبل الفجر وإنما غلس بها، ويوضحه رواية البخاري: (والفجر حين تبزغ [6] ) ، وهذا دليل على أنه عليه السَّلام كان يسفر بالفجر دائمًا، وقلما صلاها بغلس؛ لأنَّ قوله: (قبل وقتها المعتاد) يدل على أن وقت صلاة الفجر المعتاد له عليه السَّلام هو وقت الإسفار دائمًا أبدًا، على أن أسامة بن زيد قد تكلم فيه، فقال أحمد ابن حنبل: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه، وقال النسائي والدارقطني: حديثه ليس بالقوي، انتهى.
قلت: وعلى هذا؛ فحديثه ضعيف لا يحتج به، وهو لا يُقاومما ذكره البخاري ومسلم؛ فليحفظ.
فإن قلت: قد قال البيهقي: رجح الشافعي حديث عائشة بأنه أشبه بكتاب الله تعالى؛ لأنَّه تعالى يقول: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: 238] ، فإذا دخل الوقت؛ فأولى المصلين بالمحافظة المقدم للصلاة، وأنه عليه السَّلام لا يأمر بأن يصلى في وقت يصليها هو في غيره، وهذا أشبه بسنته عليه السَّلام.
قلت: المراد من المحافظة هو المداومة على إقامة الصلوات في أوقاتها، وليس فيها دليل على أن أول الوقت أفضل، بل الآية دليل لنا؛ لأنَّ الذي يسفر بالفجر يترقب الإسفار من أول الوقت، فيكون هو المحافظ المداوم على الصلاة، ولأنه ربما تقع صلاته في التغليس قبل الفجر، فلا يكون محافظًا للصلاة في وقتها.
فإن قلت: جاء في الحديث: «أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله» ، وهو لا يؤثر على رضوان الله شيئًا، والعفو لا يكون إلا عن تقصير.
قلت: المراد من العفو: الفضل، كما في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ} [البقرة: 219] ؛ أي: الفضل، فكان معنى الحديث: أن من أدَّى الصلاة أول الوقت؛ فقد نال رضوان الله، وأمن من سخطه وعذابه؛ لامتثاله أمره وأداءه ما وجب عليه، ومن أدى الصلاة في آخر الوقت؛ فقد نال فضل الله، ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان.
قلت: فالفضل ملازم للرضوان على أن أداء الصلاة في آخر وقتها ليس تقصيرًا؛ لأنَّه قد أمر بالمحافظة وهي المداومة، وقد فعل ما أمر به وأدى ما وجب عليه، فأين التقصير الذي فعله؟
فإن قلت: جاء في الحديث: وسئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: «الصلاة في أول وقتها» ، وهو لا يدع موضع الفضل ولا يأمر الناس إلا به.
قلت: ذكر الأول للحث والتخصيص والتأكيد على إقامة الصلوات في أوقاتها، وإلا؛ فالذي لا يؤدي في ثاني الوقت أو ثالثه أو رابعه كالذي يؤديها في أوله؛ لأنَّ الجزء الأول له مزية على الجزء الثاني أو الثالث أو الرابع.
وحاصل المعنى: الصلاة في وقتها أفضل الأعمال، ثم يتميز الجزء الثاني في صلاة الصبح عن الجزء الأول بالأمر الذي فيه الإسفار الذي يقتضي التأخير عن الجزء الأول.
فإن قلت: قال البيهقي: قال الشافعي: وحديث رافع له وجه يوافق حديث عائشة ولا يخالفه، وذلك أنه عليه السَّلام لما حض الناس على تقديم الصلاة وأخبر بالفضل فيه؛ احتمل أن يكون من الراغبين [7] من تقدمها قبل الفجر الآخر، فقال: «أسفروا بالفجر حتى يتبين الفجر الآخر» معترضًا، فأراد عليه السَّلام فيما يرى الخروج من الشك حتى يصلي المصلي بعد تبين الفجر، فأمرهم بالإسفار؛ أي: بالتبيين.
قلت: يرد هذا التأويل وبيطله ما رواه أبو داود الطيالسي عن رافع قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لبلال: «يا بلال؛ نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواضع نبلهم من الإسفار» ، وقد مر عن قريب.
قلت: وكان الشافعي أراد بهذا الكلام التوفيق بين الحديثين [8] ، ولا يخفى أن كلامه باطل غير صحيح؛ لأنَّ التضاد واقع بينهما، وقوله: (إنه عليه السَّلام لما حض ... ) إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّه عليه السَّلام لا يأمر ولا يحض على تقديم الصلاة عن وقتها، يدل عليه ما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: (ما رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صلى صلاة لغير وقتها ... ) ؛ الحديث وقد مر، ولا ريب أنه إذا كان كذلك لا يأمر الناس بعدمه، كما لا يخفى.
وقوله: (احتمل أن يكون ... ) إلى آخره: ممنوع أيضًا، فإنه ليس في أحاديث الإسفار والتغليس ذكر الفجر الآخر وهو الصادق، ومعلوم أن الصلاة إنَّما تجب عند دخول وقتها وهو ظهور الفجر الصادق في صلاة الفجر، وأما الفجر الكاذب؛ فإنه يكون قبل دخول الوقت، فهو لا عبرة به، ولهذا بينه عليه السَّلام في أحاديث غيرها، ولما كان لا عبرة به هنا؛ لم يتعرض له عليه السَّلام هنا؛ لأنَّ المراد من الإسفار بعد دخول الوقت والفجر الكاذب لا يقال له الفجر الصادق، وشتان بين الصادق والكاذب.
وقوله: (فأراد عليه السَّلام ... ) إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّه عليه السَّلام قد بين الأوقات، والصلاة إنَّما تجب بدخول وقتها وهو ليس فيه شك، ومن شروط الصلاة: اعتقاد دخول الوقت، والإسفار؛ معناه: التنوير كما فسره عليه السَّلام بقوله: «نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواضع نبلهم» ، وهذا لا يكون في أول دخول وقت الفجر، بل في آخره، كما لا يخفى، فكلامه غير ظاهر؛ فافهم.
وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس، وإنَّهم _أي: الصحابة_ كانوا يدخلون مغلسين ويخرجون مسفرين، واعترضه ابن حازم في كتاب «الناسخ والمنسوخ» ، فزعم أنه ليس الأمر كما ذهب إليه؛ لأنَّ حديث التغليس ثابت، وأنه عليه السَّلام داوم عليه حتى فارق الدنيا.
قال إمام الشَّارحين: يرد هذا ما رويناه من حديث ابن مسعود الذي أخرجه البخاري ومسلم؛ يعني: من قوله: (ما رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها؛ يعني: المعتاد في كل يوم، وهو في وقت الإسفار) .
ويدل عليه رواية
[ص 482]
البخاري: (والفجرحين ترع) ، وهذا دليل على أنه عليه السَّلام كان يسفر بالفجر دائمًا أبدًا، وحديث التغليس ضعيف لا يحتج به، كما قاله الحفاظ، والأمر هو ما ذكره الحافظ الطحاوي، ويدل عليه اتفاق الصحابة رضي الله عنهم بعد النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم على الإسفار بالصبح؛ لما رواه الحافظ الطحاوي بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال: (ما اجتمع أصحاب محمد صلَّى الله عليه وسلَّم على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر) ، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة، فهذا دليل واضح على نسخ حديث التغليس؛ لأنَّ إبراهيم أخبر أنَّهم كانوا _أي: الصحابة_ اجتمعوا على ذلك، فلا يجوز عندنا اجتماعهم على خلاف ما قد فعله النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم إلا بعد نسخ ذلك وثبوت خلافه، والعجب من بعض شراح «البخاري» أنه يقول: ووهم الحافظ الطحاوي حيث ادعى أن حديث: «أسفروا» ناسخ لحديث التغليس، وليس الواهم إلا هو، ولو كان عنده إدراك مدارك المعاني؛ لما اجترأ على مثل هذا الكلام، انتهى كلام الشَّارح.
قلت: وأراد بهذا البعض: ابن حجر، ولا يتعجب منه؛ لأنَّه مشهور بالتعصب، والتعنت، والعناد، وعدم الإنصاف، وما قال هذا الكلام إلا من عدم وقوفه ومعرفته بحديث إبراهيم النخعي وحديث ابن مسعود، الذي روى الأول ابن أبي شيبة والحافظ الطحاوي، والثاني: البخاري ومسلم، وما قال ذلك إلا ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، ولعدم معرفته بمعاني الكلام قال ما قال، فالوهم محيط به، ولله در مؤلف «إيضاح المرام فيما وقع في الفتح من الأوهام» ، فإنه قد أودع فيه أبحاثًا [9] رائقة، ونفحات فائقة، وأظهر الأوهام التي وقع فيها ابن حجر الذي تصدر لشرح «البخاري» ، وليس الشرح في الحقيقة له، وإنما هو لمن نقل عنه، وهو الشيخ قطب الدين الحلبي، فإنه حين كان ابن حجر في حلب؛ أخذ شرحه واستنسخه ونسبه لنفسه، والله تعالى أعلم.
[1] في الأصل: (عمرو) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (كن) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (أبي) ، ولعله تحريف.
[4] في الأصل: (ليس) .
[5] في الأصل: (رافع) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في الأصل: (ترع) ، ولعله تحريف.
[7] في الأصل: (الراعين) ، ولعله تحريف.
[8] في الأصل: (الحدثين) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[9] في الأصل: (أبحاث) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[1] في الأصل: (عمرو) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (كن) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (أبي) ، ولعله تحريف.
[4] في الأصل: (ليس) .
[5] في الأصل: (رافع) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في الأصل: (ترع) ، ولعله تحريف.
[7] في الأصل: (الراعين) ، ولعله تحريف.
[8] في الأصل: (الحدثين) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[1] في الأصل: (عمرو) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (كن) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (أبي) ، ولعله تحريف.
[4] في الأصل: (ليس) .
[5] في الأصل: (رافع) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في الأصل: (ترع) ، ولعله تحريف.
[7] في الأصل: (الراعين) ، ولعله تحريف.
[8] في الأصل: (الحدثين) ، ولعل المثبت هو الصواب.