فهرس الكتاب

الصفحة 638 من 860

[حديث: لا ينبغي هذا للمتقين]

375# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) : هو التنيسي المصري (قال: حدثنا الليث) : هو ابن سعد المصري، وزعم الكرماني أنه عرض عليه المنصور ولاية مصر فاستعفى، ورده إمام الشَّارحين فقال: (قد قيل: إنه ولي مدة يسيرة، وكان على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه) انتهى.

قلت: ويدل لذلك ما قاله المؤرخون منهم: _ابن خلكان_: إن الليث حنفي على مذهب الإمام الأعظم رضي الله عنه، وما قيل: إنه مجتهد؛ فباطل وتعصب؛ فافهم.

(عن يزيد) زاد الأصيلي: (هو ابن أبي حبيب) ، وفي رواية ابن عساكر: (ابن أبي حبيب) : هو المصري، (عن أبي الخير) : هو مَرثد _بفتح الميم، وبالثاء المثلثة_ اليَزَنِي؛ بفتح التحتية والزاي، بعدها نون مكسورة، (عن عقبة بن عامر) : هو الجهني رضي الله عنه، كان فصيحًا كاتبًا قارئًا شاعرًا، وهو أحد من جمع القرآن في المصحف، وكان مصحفه على غير تأليف مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد شهد وقعة صفين مع معاوية رضي الله عنه، وكان أميرًا على مصر من قبل معاوية، وتوفي في خلافة معاوية على الصحيح، ودفن بمصر سنة ثمان وخمسين رضي الله عنه (قال: أُهدِي) ؛ بضم الهمزة، وكسر الدال المهملة على صيغة المجهول من الماضي (إلى النبيِّ) الأعظم، وللأصيلي: (رسول الله) (صلَّى الله عليه وسلَّم فَرُّوج) ؛ بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة وتخفيفها، آخره جيم، وحكي: ضم أوله وتخفيف الراء على وزن (خروج) ؛ وهو قباء مشقوق من خلفه، وهو من لبوس الأعاجم (حرير) ؛ بالإضافة؛ كما في ثوب خزٍّ، وخاتم فضة، ويجوز أن يكون (حرير) صفة لـ (فروج) ، والإعراب يحتمل ذلك والكلام في الرواية، والظاهر أنها الأول، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: وكان الذي أهداه إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل، وذكر أبو نعيم أنه أسلم وأهدى إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم حلة سيراء، وقال ابن الأثير: أهدى للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم وصالحه ولم يسلم، وهذا لا خلاف فيه بين أهل السير، ومن قال: إنه أسلم؛ فقد أخطأ خطأً ظاهرًا، وكان نصرانيًّا، ولما صالحه النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ عاد إلى حصنه وبقي فيه، ثم إن خالدًا أسره لما حاصر دومة الجندل أيام أبي بكر الصديق الأكبر رضي الله عنه، فقتله مشركًا نصرانيًّا، وأُكَيْدر؛ بضم الهمزة، وفتح الكاف، وسكون التحتية، وبالدال والراء المهملتين، ودومة الجندل: اسم لحصن، قال الجوهري:(أصحاب اللغة يقولون: بضم الدال المهملة، وأهل الحديث: يفتحونها، وهو اسم

[ص 487]

موضع فاصل بين الشام والعراق، على سبع مراحل من دمشق، وعلى ثلاث عشرة [1] مرحلة من المدينة) انتهى كلامه؛ فافهم.

(فلبسه) : النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (فصلى فيه) ؛ أي: صلاة الفرض في مسجده، (ثم انصرف) ؛ أي: فرغ من صلاته واستقبال القبلة، (فنزعه نزعًا شديدًا) ؛ يعني: بسرعة (كالكاره له) ولم يعد تلك الصلاة، فاستدل به بعضهم على جواز الصلاة في الثياب الحرير؛ لكونه عليه السَّلام لم يعد تلك الصلاة، وهذا الاستدلال غير صحيح في ذلك؛ لأنَّ ترك إعادة الصلاة لكونها وقعت قبل التحريم، أما بعده؛ ففيه خلاف العلماء، فقال الإمام الأعظم وأصحابه رضي الله عنهم: تصح صلاته في الثوب الحرير، ولكنها تكره ويأثم؛ لارتكابه الحرام، وبه قال الشافعي وأبو ثور، وقال ابن القاسم عن مالك: من صلى في ثوب حرير؛ يعيد في الوقت إن وجد ثوبًا غيره، وعليه جل أصحابه، وقال أشهب: لا إعادة عليه في الوقت ولا غيره [2] ، وهو قول أصبغ، وخفف ابن الماجشون لباسه في الحرب والصلاة للترهيب على العدو والمباهاة، وقال آخرون: إن صلى فيه وهو يعلم أن ذلك لا يجوز؛ يعيد، وفي الحديث جواز قبول هدية المشرك للإمام لمصلحة يراها، والله أعلم.

(وقال) صلَّى الله عليه وسلَّم حين نزعه: (لا ينبغي) أي: لا يطلب لبس (هذا) : الثوب الحرير (للمتقين) ؛ أي: عن الكفر، وهم المؤمنون، أو عن المعاصي كلها، وهم الصالحون.

فإن قلت: النساء المتقيات يدخلن فيهم مع أن الحرير حلال لهنَّ؟

قلت: هذه المسألة مختلف فيها، والأصح أن جمع المذكر السالم لا يدخل فيه النساء، فلا يقتضي الاشتراك، ولئن سلمنا دخولهن؛ فالحل لهن علم بدليل آخره، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: وفي الحديث أحكام؛ منها: حرمة لبس الحرير للرجال في كل الأحوال إلا في صورة يستثنى منها في الحرب، فيجوز لبسه للرجال عند الإمامين: أبي يوسف ومحمد بن الحسن، ومنها: للجرب، ومنها: لأجل البرد إذا لم يجد غيره، وقد جوز طائفة من الظاهرية: لبسه للرجال مطلقًا، وإليه ذهب عبد الله بن أبي مليكة، واحتجوا في ذلك بحديث مسور بن مخرمة أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي على ما نذكره في موضعه، واحتج الجمهور في ذلك بأحاديث كثيرة؛ منها حديث الباب، وأخرج الحافظ أبو جعفر الطحاوي في هذا الباب عن خمسة عشر نفرًا، وهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية بن أبي سفيان، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن الحصين، والبراء بن عازب، وعبد الله بن الزبير، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، ومسلمة بن مخرمة، وعقبة بن عامر الجهني، وأبو أمامة، وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهم.

وفي الباب عن أم هانئ عند أبي يعلى الموصلي، وأبي ريحانة عند أبي داود، واسم أبي ريحانة شمعون، وأبي موسى الأشعري عند الترمذي، وأحاديث هؤلاء نسخت ما فيه الإباحة للبسه.

فإن قلت: إذا كان حرامًا على الرجال، فكيف لبس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟

قلت: كان ذلك قبل التحريم، وزعم النووي ولعل أول النهي والتحريم كان عند نزعه، ولهذا قال في حديث جابر الذي عند مسلم: (صلى في قباء ديباج، ثم نزعه، وقال: «نهاني عنه جبريل عليه السَّلام» ) ، فيكون أول التحريم بهذا، وزعم الكرماني أنَّ هذا تخصيص، ولم يجعله نسخًا؛ حيث قال: شرط النسخ: أن يكون المنسوخ حكمًا شرعيًا، ثم قال: ولئن سلم أنه حكم شرعي؛ فالنسخ: هو رفع الحكم عن كل المكلفين، وهذا هو عن البعض، فهو تخصيص.

ورده إمام الشَّارحين؛ حيث قال: لبسه صلَّى الله عليه وسلَّم حكم، ثم نزعه حكم آخر ينسخ الأول، فكما أن الثاني حكم شرعيٌّ كان الأول كذلك، ولكنه نسخ، وكان الثاني يعم الرجال والنساء، لكن خرجت النساء بدليل آخر، وذهبت طائفة إلى تحريم الحرير للرجال والنساء جميعًا، واحتجوا في ذلك بما رواه الحافظ الطحاوي قال: حدثنا أبو بكرة قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك قال: (سألت امرأة ابن عمر قالت: أَنحلَّى بالذهب؟ قال: نعم، قالت: ما تقول في الحرير؟ فقال: يكره ذلك، قلت: ما يكره، أخبرني أحلال هو أم حرام؟ قال: كنا نتحدث أن من لبسه في الدنيا؛ لم يلبسه في الآخرة) ، وبما رواه الحافظ الطحاوي أيضًا عن بجر بن ناصر قال: حدثنا وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث: أن أبا عشانة المعافري حدثه: أنه سمع عقبة بن عامر الجهني يخبر: أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يمنع أهله الحلية والحرير، ويقول: «إن كنتن تحببن حلية الجنة وحريرها؛ فلا تلبسنها في الدنيا» ، وبما رواه أيضًا من حديث الأزرق بن قيس قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب يوم التروية وهو يقول: (يا أيها الناس؛ لا تلبسوا الحرير ولا تلبسوها نساءكم ولا أبناءكم، فإنه من لبس في الدنيا؛ لم يلبسه في الآخرة) ، وأخرجه مسلم أيضًا.

وأجاب الجمهور عن ذلك: بأن ما روي عن ابن عمر محمول على الرجال خاصة، يدل عليه ما روي عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الذهب والحرير حل لإناث أمتي، وحرام على ذكورها» ، رواه الحافظ الطحاوي والطبراني، وما روي أيضًا عن علي بن أبي طالب: أن نبي الله صلَّى الله عليه وسلَّم أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي» ، أخرجه الحافظ الطحاوي وابن ماجه، وما روي أيضًا عن أبي موسى الأشعري: عن النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «الحرير والذهب حلال لإناث أمتي، حرام على ذكورها» ، أخرجه الحافظ الطحاوي والترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) ، وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر، وبأن ما روي عن عقبة يخالفه روايته الأخرى، وهي سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي، حل لإناثهم» ، وبأن ما روي عن ابن الزبير بأنه لم يبلغه الحديث المخصص؛ لعموم الحرمة في قوله: (من لبسه في الدنيا؛ لم يلبسه في الآخرة) انتهى.

وقال ابن العربي: (اختلف العلماء في لباس الحرير على عشرة أقوال؛ الأول: محرم بكل حال، الثاني: محرم إلا في الحرب، الثالث: يحرم إلا في السفر، الرابع: يحرم إلا في المرض، الخامس: يحرم إلا في الغزو، السادس: يحرم إلا في العلم، السابع: يحرم على الرجال والنساء، الثامن: يحرم لبسه من فوق دون لبسه من أسفل؛ وهو الفرش، التاسع: مباح بكل حال، العاشر: محرم وإن خلط مع غيره؛ كالخز) انتهى.

قلت: وفيه تكرار، فإن الحرب والغزو شيء واحد، فالقولان يرجعان إلى قول واحد، وقد يقال بدله: يحرم على الرجال دون النساء، ويزاد حادي عشر: يحرم إلا في البرد، والقول الثامن: وهو عدم حرمة افتراشه هو قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وتبعه ابن الماجشون من أصحاب مالك، وهو قول العراقيين، وهو إحدى قولين عند الشافعي.

قال النووي: وهو الأصح، فإن الافتراش ملحق بزينة النساء للأزواج؛ لأنَّ ذلك من تمام

[ص 488]

التزيُّن للزوج المطلوب شرعًا، وصحح الرافعي التحريم، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (ثلاثة عشر) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[2] تكرر في الأصل: (ولا غيره) .

[1] في الأصل: (ثلاثة عشر) ، ولعل المثبت هو الصواب.

[1] في الأصل: (ثلاثة عشر) ، ولعل المثبت هو الصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت