[حديث: رأيت رسول الله في قبة حمراء من أدم]
376# وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا محمد بن عرعرة) ؛ بالعينين والراءين المهملات، غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث: هو ابن البِرنْد؛ بكسر الموحدة والراء وبفتحها، وبسكون النون، البصري (قال: حدثني) بالإفراد (عُمَر) بضم العين المهملة وفتح الميم (بن أبي زائدة) ؛ بالزاي: هو أخو زكريا الهمداني الكوفي، (عن عون) بالنون في آخره (بن أبي جُحَيْفَة) ؛ بضم الجيم، وفتح الحاء المهملة، وسكون التحتية، وفتح الفاء، (عن أبيه) : هو أبو جحيفة المذكور، واسمه وهب بن عبد الله السُّوائي؛ بضم السين المهملة، وتخفيف الواو، بعدها ألف، ثم ألف [1] ، الكوفي رضي الله عنه (قال: رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) أي: بالإبطح بمكة، وقد صرح بذلك في رواية مسلم: (قال: أتيت النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بمكة وهو بالإبطح) ، وهو الموضع المعروف، ويقال له: البطحاء، ويقال: إنه إلى منًى أقرب، وهو المحصب، وهو خيف [2] بني كنانة، كذا في «عمدة القاري» .
وزعم ابن حجر أنه ذو طُوًى، قال إمام الشَّارحين: (وليس كذلك، كما نبه عليه ابن قرقول) انتهى.
قلت: وكان ابن حجر لم يقف على ما ذكره ابن قرقول؛ لعدم اطلاعه في كتب اللغة، فيقول رجمًا بالغيب، وهو خطأ ظاهر؛ فافهم.
(في قُبَّة) بضم القاف، وتشديد الموحدة المفتوحة (حمراء من أدم) وعند النسائي: (وهو في قبة حمراء في نحو من أربعين رجلًا) ، قال الجوهري: (القبة: من البناء، والجمع قبب وقباب) انتهى.
ورده إمام الشَّارحين فقال: المراد من القبة هنا: هي التي تعمل من الجلد، وقد فسر ذلك بكلمة (من) البيانية، والأَدم؛ بفتح الهمزة، والدال المهملة، جمع الأديم، وفي «المحكم» : الأديم: الجلد ما كان، وقيل: الأحمر، وقيل: هو المدبوغ، وقيل: هو بعد الأفيق، وذلك إذا تم واحمرَّ، والأفيق: هو الجلد الذي لم يتم دباغه، وقيل: هو ما دبغ بغير القرظ، قاله ابن الأثير، و (الأدم) : اسم الجمع عند سيبويه، والأدايم جمع أديم؛ كيتيم وأيتام وإن كان هذا في الصفة أكثر، وقد يجوز أن يكون جمع أدم.
وفي «المخصص» : إذا شق [3] الجلد وبسط حتى يبالغ فيه ما قبل من الدباغ؛ فهو حينئذ أديم وأدم [4] وآدمة، وفي «النوادر» للحياني: الأدم والأدم جمع الأديم؛ وهو الجلد، وفي «الجامع» : الأديم: باطن الجلد، انتهى.
(ورأيت بلالًا) : هو مؤذن النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ بكسر الموحدة أوله (أَخذ) ؛ بفتح الهمزة، والخاء المعجمة؛ أي: قد أخذ، ويجوز فتح الهمزة الممدودة، وكسر الخاء المعجمة، والظاهر أن الرواية الأول (وَضوء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ بفتح الواو: وهو الماء الذي يتوضأ به، وفي المعنى الأول: رآه قد أخذه، وفي الثاني: رآه وهو آخذ، وذلك بعد ما توضأ النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، (ورأيت الناس) أي: الصحابة (يبتدرون) أي: يتسارعون ويتسابقون إلى (ذلك) ؛ باللام، وفي رواية غير الأصيلي وابن عساكر: (ذاك) ؛ بغير لام (الوَضوء) ؛ بفتح الواو، لأجل التبرك بآثاره الشريفة، (فمن أصاب) أي: أخذ (منه) أي: من الماء (شيئًا؛ تمسح به) ؛ أي: بأن مسح وجهه ولحيته وصدره، (ومن لم يصب) أي: من لم يأخذ (منه شيئًا) ؛ أي: لكثرة الناس والازدحام، أو لعدم وجود شيء منه؛ (أخذ من بلل يد صاحبه) ؛ أي: رفيقه؛ حوزًا على الفضيلة العظيمة، وفي رواية: (من بَلال) ؛ بفتح الموحدة وكسرها، والفتح أفصح، وفي رواية مسلم: (وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي؛ فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك) ، وفي رواية: (فأخرج فضل وضوء رسول الله صلى الله علي وسلم، فابتدره الناس، فنلت منه شيئًا) انتهى.
قلت: وهذه الرواية تدل على أنه أخذ شيئًا يسيرًا منه، ورواية الباب تدل على أنه لم يأخذ منه شيئًا، لكن لما كان في يده؛ كان هو أحرص على أخذه من غيره؛ فافهم.
(ثم رأيت بلالًا) بكسر الموحدة؛ أي: المؤذن (أخذ عَنَزَة) ؛ بفتح العين المهملة، والنون، والزاي؛ وهي مثل نصف الرمح أو أكبر شيئًا، وفيها سنان؛ مثل سنان الرمح، والعكازة قريب منها، كذا في «عمدة القاري» ، وفي رواية ذكرها القسطلاني: (عنزة له) انتهى.
قلت: يحتمل عود الضمير في (له) إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، ويحتمل عوده إلى بلال، ويدل للأول قوله: (فركزها) ؛ أي: أدخلها في الأرض بأمر النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأجل الصلاة.
(وخرج النبيُّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) أي: من قبته الحمراء (في حلة حمراء) : الجار والمجرور محله نصب على الحال، والحلة: ثوبان؛ إزار ورداء، وقيل: هي ثوبان من جنس واحد، سميا بذلك؛ لأنَّ كل واحد منهما يحل على الآخر، وقيل: أصل تسميتها بذلك إذا كان الثوبان جديدين كأحل طيتهما؛ فقيل لهما: حلة لهذا، ثم استمر عليها الاسم.
وقال ابن الأثير: الحلة: واحدة الحلل؛ وهي برود اليمن، ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد، وقال غيره: والجمع: حلل وحلال، وحلله الحلة: ألبسه عليها.
وفي رواية أبي داود: (وعليه حلة حمراء برود يمانية قطري) ، فقوله: (برود) جمع برد، مرفوع؛ لأنَّه صفة الـ (حلة) ، وقوله: (يمانية) صفة لـ (برود) ؛ أي: منسوبة إلى اليمن، وقوله: (قِطْري) ؛ بكسر القاف وسكون الطاء المهملة، والأصل: قَطَري؛ بفتح القاف والطاء؛ لأنَّه نسبة إلى قطر؛ بلد بين عمان وسيف البحر، ففي النسبة خففوها، وكسروا القاف، وسكنوا الطاء، ويقال: القطري: ضرب من البرود، وفيها حمرة، وقيل: ثياب حمر لها أعلام، فيها بعض الخشونة، وقيل: حلل جياد، وتحمل من قبل البحرين، وإنما لم يقل: قطرية مع أن التطابق بين الصفة والموصوف شرط؛ لأنَّه بكثرة
[ص 489]
الاستعمال صار كالاسم لذلك النوع من الحلل.
ووصف الحلة بثلاث صفات؛ الأولى: صفة الذات، وهي قوله: (حمراء) ، والثانية: صفة الجنس، وهي قوله: (برود) ، فبيَّن به أن جنس هذه الحلة الحمراء من البرود اليمانية، والثالثة: صفة النوع، وهي قوله: (قطري) ؛ لأنَّ البرود اليمانية أنواع؛ نوع منها قطري بيَّنه بقوله: (قطري) انتهى.
وزعم ابن حجر أنه إنَّما لبس النبيُّ عليه السَّلام الحلة الحمراء في السفر؛ ليتأهب للعدو، ويجوز أن يلبس في الغزو بما لا يلبس في غيره.
ورده إمام الشَّارحين فقال: (فيه نظر؛ لأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكن في هذا السفر للغزو؛ لأنَّه كان عقيب حجة الوداع، ولم يبق له غزو إذ ذاك، وكأنَّ هذا القائل نقل عن بعض الأئمة الحنفية أنه ذهب إلى عدم جواز لبس الثوب الأحمر، ثم لما أوردوا عليه ما روي في هذا الحديث؛ أجاب بما ذكرنا) .
قلت: لا النقل عنه صحيح، ولا هو مذهب الأئمة الحنفية، فلا يحتاج إلى الجواب المذكور؛ فافهم.
(مُشمِّرًا) ثوبه؛ بضم الميم الأولى، وكسر الثانية، وهو بالنصب على الحال من النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، يقال: شمَّر إزاره تشميرًا: رفعه، وشمَّر عن ساقه، وشمَّر في أمره: خف؛ والمعنى: رفعها إلى أنصاف ساقيه، كما جاء في رواية مسلم: (كأني أنظر إلى بياض ساقيه) ، كذا في «عمدة القاري» .
(صلى إلى العنزة) أي: مقابل العصا (بالناس) صلاته هذه (ركعتين) : وهي صلاة الظهر، وفي رواية مسلم: (فتقدم فصلى الظهر ركعتين، ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة) (ورأيت الناس) أي: الأولاد ونحوهم (والدواب) أي: الخيل والحمير والإبل (يمرون بين يدي العنزة) وفي رواية أبي ذر: (من بين يدي العنزة) ، وفي رواية: (يمر من ورائها الهراة) ، وفي لفظ: (يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع) ، ففيه استعمال المجاز، فإن العنزة لا يد لها، وفيه: جواز لبس الثوب الأحمر، وجواز الصلاة فيه، والباب معقود عليه، وفيه: جواز ضرب الخيام والقباب في الأسفار ونحوها، وفيه التبرك بآثار الصالحين، وفيه: استحباب نصب علامة بين يدي المصلي في الصحراء، وفيه: جواز قصر الصلاة في السفر وهو الأفضل عند إمامنا الأعظم، وأصحابه، والجمهور، ويدل عليه أيضًا ما في رواية مسلم، وهو حجة على من زعم أن الإتمام أفضل، وفيه: جواز المرور وراء سترة المصلي، وفيه: جواز لباس الثياب الملونة للسيد الكبير، والزهد في الدنيا، والحمرة أشهر الملونات، وأجمل الزينة في الدنيا.
وزعم ابن بطال وفيه: طهارة الماء المستعمل، وهو حجة على الحنفية في قولهم: بنجاسته.
ورده إمام الشَّارحين فقال: (ليس كذلك، فإن المذهب أن الماء المستعمل طاهر حتى يجوز شربه والعجن به غير أنه ليس بطهور، فلا يجوز الوضوء ولا الاغتسال به، وكونه نجسًا رواية ضعيفة عن الإمام الأعظم، وليس العمل عليها على أن حكم النجاسة في هذه الرواية باعتبار إزالة الآثام النجسة عن البدن المذنب؛ فينجس حكمًا، بخلاف فضل وضوء النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فإنه طاهر من بدن طاهر، وهو طهور أيضًا، أطهر من كل طاهر وأطيب) انتهى.
قلت: وإنما قال الإمام الأعظم في هذه الرواية بنجاسة المستعمل؛ لما قد شاهد من الناس أنه ينزل الماء من وجوه بعضهم أسود، وتارة ينزل من أيديهم أحمر، وتارة ينزل أصفر، فاستدل به على ارتكابهم شرب الخمر، وأكل الربا، وعدم بر الوالدين، وغير ذلك، وإن هذه الذنوب تذهب مع الماء المتوضأ به، والذنوب نجسة، فالماء المخلوط بها نجس، وهذا من بعض ولاية الإمام الأعظم رضي الله عنه؛ فإنه رئيس المجتهدين وسيدهم التابعي الجليل، ويكفيه شرفًا وولاية أن الحكام والسلاطين على مذهبه إلى يوم القيامة، وأن الأولياء العظام من أتباعه، لا سيما مالك بن أنس، والليث بن سعد، ومحمد بن الحسن؛ كلهم من أتباعه، ولا سيما محمد بن إدريس من أتباع محمد بن الحسن.
وهذا الفضل لم يجتمع في غيره من الأئمة، فحقيق بأن يلقب بالإمام الأعظم، فإذا أطلق؛ لا يراد به غيره، وأن يلقب بإمام الأئمة؛ لأنَّه إمامهم وشيخهم، فهم عياله، كما قال محمد بن إدريس، وكل ما جاء بعده؛ فهو متصرف في مذهبه؛ لأنَّ الروايات عنه كثيرة، فما قال قولًا إلا قال به مجتهد، فله الرئاسة العظمى في العلم والاجتهاد رضي الله تعالى عنه، وحشرنا من بعض خدمهِ تحت لواء سيد المرسلين النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم.
[1] زيد في الأصل: (ثم ألف) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (حنيف) ، وهو تحريف.
[3] في الأصل: (رشق) ، ولعله تحريف.
[4] في الأصل: (أدام) ، وهو تحريف.
[1] زيد في الأصل: (ثم ألف) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (حنيف) ، وهو تحريف.
[3] في الأصل: (رشق) ، ولعله تحريف.
[1] زيد في الأصل: (ثم ألف) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (حنيف) ، وهو تحريف.
[3] في الأصل: (رشق) ، ولعله تحريف.